تفسير يشوع بن سيراخ ٢ للقس أنطونيوس فكري

الإصحاح الثاني

الآيات (1-5): “1 يا بني أن أقبلت لخدمة الرب الإله فاثبت على البر والتقوى واعدد نفسك للتجربة. 2ارشد قلبك واحتمل أمل أذنك واقبل أقوال العقل ولا تعجل وقت النوائب. 3 انتظر بصبر ما تنتظر من الله لازمه ولا ترتدد لكي تزداد حياة في أواخرك. 4 مهما نابك فاقبله وكن صابرا على صروف أتضاعك. 5 فان الذهب يمحص في النار والمرضيين من الناس يمحصون في أتون الإتضاع.”

هذه كما قال بولس الرسول “جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون” (2تي12:3). وفائدة التجارب [1] التنقية= فإن الذهب يمحص في النار + (1بط7:1 + 1بط1:4) [2] لكي نختبر الرب. فعطايا الله وإحساناته تجعلنا نعرف كرم الله ومحبته والتجارب بها نعرف تعزياته وقت الشدة، وحينما يرفع التجربة نختبر ذراعه القوية. وحتى تأتي التجارب بالفائدة المرجوة علينا [1] الثبات على البر والتقوى [2] توقع التجارب= أعدد نفسك للتجربة. وهذا ما علم به السيد المسيح  “في العالم سيكون لكم ضيق” [3] أمل أذنك= إعط أذنك لسماع صوت الله.وأقبل أقوال العقل= فمن العقل أن لا نتصادم مع الله ونتخاصم معه، بل نسلم بأن “كل الأمور تعمل معاً للخير للذين يحبون الله” [4] الإتضاع= لنسلم أن الله لا يخطئ [5] الصبر= كن صابراً على صروف اتضاعك= صروف أي أوجه حالتك المؤلمة ويسميها هنا إتضاعك وفي ترجمة أخرى “حالتك الوضيعة” = أي مهما كان حالك إصبر. فالصبر مع الشكر يعطي للتجربة أن تؤتي بثمارها [أ] ينمو الإيمان (كو7:2) [ب] يكمل الإنسان (يع4:1) ولاحظ أن نصيحة يعقوب أن من لا يفهم أن التجربة لصالحه فيطلب والله يعطيه حكمة ليفهم (5:1) [ج] لكي تزداد حياة في أواخرك= الكمال يعني الإنفصال عن الخطية، والخطية موت. ومن يوجد حياً في أواخره ينتقل من حياة على الأرض إلى حياة في السماء. وكل هذا إذا أقبلت لخدمة الرب= فالله يكمل من يأتي إليه راغباً أن يخدمه. ولنرى مثلاً واضحاً لهذا، يشوع بن سيراخ نفسه، كيف صار حكيماً وكم التجارب التي ألمت به (2:51-12) وليس معنى هذا أن يتعجل الإنسان مجئ التجارب ليزداد حكمة، فإن لم يكن الإنسان مستعداً للتجربة فسيفشل= لا تعجل وقت النوائب.

 

الآيات (6-10): “6 آمن به فينصرك قوم طرقك وأمله احفظ مخافته وابق عليها في شيخوختك. 7 أيها المتقون للرب انتظروا رحمته ولا تحيدوا لئلا تسقطوا. 8أيها المتقون للرب آمنوا به فلا يضيع أجركم. 9 أيها المتقون للرب أملوا الخيرات والسرور الأبدي والرحمة. 10 أيها المتقون للرب أحبوه فتستنير قلوبكم.”

حين يدخل الإنسان التجربة فإنه لابد وسيخرج منها، ولكن لابد من الإيمان أن الله موجود= آمن به فينصرك. فمن يؤمن يري يد الله. قوم طرقك= “فأنقياء القلب يعاينون اللهوأمّلهُ= فليكن لك رجاء فيه. وليكن هذا كل أيام عمرك. فترى يد الرب التي تحيط بك كل أيام حياتك. ويكون لك أبدية في فرح. أحبوه فتستنير قلوبكم= لاحظ في هذه الآيات الثلاث فضائل آمن + أمّلهُ + أحبوه= الإيمان والرجاء والمحبة. ومن له هذه الفضائل يستنير قلبه، فيرى الله ويرى يده المعزية في التجربة بل ويخرج من التجربة سريعاً.

 

الآيات (11-13): “11 انظروا إلى الأجيال القديمة وتأملوا هل توكل أحد على الرب فخزي. 12 أو ثبت على مخافته فخذل أو دعاه فأهمل. 13 فان الرب رأوف رحيم يغفر الخطايا ويخلص في يوم الضيق.”

هذه مثل كنت فتي وقد شخت ولم أر صديقاً تخلى عنه (مز25:37).

 

الآيات (14-17): “14 ويل للقلوب الهيابة وللأيدي المتراخية وللخاطئ الذي يمشي في طريقين. 15 ويل للقلب المتواني انه لا يؤمن ولذلك لا حماية له. 16 ويل لكم أيها الذين فقدوا الصبر وتركوا الطرق المستقيمة ومالوا إلى طرق السوء.17 فماذا تصنعون يوم افتقاد الرب.”

من الذي يخسر عمل يد الرب القوية ويخسر تعزياته وسط الضيقات؟

القلوب الهيابة= عديم الإيمان الذي يشك في الله، “أما الخائفون .. فنصيبهم في البحيرة المتقدة بنار..” (رؤ8:21). الأيدي المتراخية= التي تعمل عمل الرب برخاوة (إر10:48). والخاطئ الذي يمشي في طريقين فهو يوم في طريق الله ويوم آخر في طريق الخطية، وهذه تحزن الله جداً كأنه يقول إذا كنت قد عرفت طريقي فلماذا تتركني؟ لماذا أنت غير قادر على أن تحبني؟ والقلب المتواني= هل تتوانى عن خلاص نفسك؟ هل لا تدرك أنك قد ترحل في أي وقت؟ لا حمايه له= كيف يحمي الله من لا يريد أن يحمي نفسه؟! الذين فقدوا الصبر= الصبر على الطريق الضيق والصبر في الضيقة واثقين في حكمة الله الذي سمح بها، مثل هؤلاء يلجأوا للعالم لعلهم يجدون تعزيتهم فيه ولكن يبقي السؤال.. فماذا تصنعون يوم إفتقاد الرب.

 

الآيات (18-23): “18 أن المتقين للرب لا يعاصون أقواله والمحبين له يحفظون طرقه. 19أن المتقين للرب يبتغون مرضاته والمحبين له يمتلئون من الشريعة. 20 أن المتقين للرب يهيئون قلوبهم ويخضعون أمامه نفوسهم. 21 أن المتقين للرب يحفظون وصاياه ويصبرون إلى يوم افتقاده. 22 قائلين أن لم نتب نقع في يدي الرب لا في أيدي الناس. 23 لان رحمته على قدر عظمته.”

هنا تعريف لمن هو الذي يتقي الرب= هم من لا يعاصون أقواله. والمحبين له يحفظون طرقه= هذه تماماً= (يو23:14). وأيضاً المتقين للرب يبتغون مرضاته= هذه بنفس المفهوم من يحب أحد يبتغي مرضاته. يمتلئون من الشريعة= “يشبعون منها” (في ترجمة أخرى) أي لا يبحثون سوى عن كيف يفهمون الشريعة وكيف ينفذونها، لا يشبعهم سوى ما يرضى الله، فعندما يرضى الله هذا يعود بإحساس الرضا داخلهم. تعريف آخر للمتقين الرب= يهيئون قلوبهم ويخضعون أمامه نفوسهم= فطبيعة النفس متمردة، والطريق يبدأ بالتغصب (مت12:11) وينتهي بالإحساس بالرضى. قائلين إن لم نتب نقع في يدي الرب.. في ترجمة أخرى جاءت “لنقع في يدي الرب..” وهذه أدق ومتفقة مع بقية الكلام، والمعنى لنخضع أمام الله في كل ما يسمح به من ضيقات وتجارب، ولنعتبر أننا في يد الرب لا في يد من يضايقنا، وحتى تظهر رحمته التي هي على قدر عظمته.


 

زر الذهاب إلى الأعلى