رو 2:5 الذي به أيضاً قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة…

 

الَّذِي بِهِ أَيْضًا قَدْ صَارَ لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيمَانِ، إِلَى هذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ، وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ اللهِ.(رو 2:5)

+++

تفسير القديس يوحنا ذهبي الفم

” الذي به أيضا قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون” (رو5: 2).

إذن إن كنا ونحن بعيدين قد جعلنا قريبين، فبالأكثر جدا سيثبتنا فيه، إن بقينا بالقرب منه.

2 ـ لكن لاحظ كيف أن الرسول بولس يشير في كل موضع إلى الأثنين، إلى الأمور الخاصة بالله، وتلك الأمور الخاصة بنا . بيد أنه من المؤكد أن الأمور الخاصة بالله هي متنوعة وكثيرة، لأنه مات لأجلنا وصالحنا، وجعلنا قريبين منه، ووهبنا نعمة لا يعبر عنها، هذا ما قدمه هو لنا، أما ما قدمناه نحن، فهو الإيمان فقط، ولهذا قال “بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون”. أخبرني، عن أي نعمة يتحدث؟ إنه يتحدث عن نعمة إستحقاق معرفة الله، ونعمة الخلاص من الخداع، ومعرفة الحقيقة جيدا، ونوال على كل الخيرات بواسطة المعمودية. لقد قادنا نحو البر، لكي نحصل على كل هذه العطايا ، ومن المؤكد بالطبع أن كل هذا لم يصر لمجرد الغفران والتخلص من الخطايا فقط، بل لكي نتمتع بامتيازات لا تحصى. ولم يتوقف عند الوعد بهذه الخيرات، لكنه وعد بخيرات أخرى غير معلنة، والتي تفوق كل فكر وكل لغة، ولا تستطيع التعبير عنها.

ولهذا عينه أشار إلى الاثنين. لأنه عندما يتحدث عن “النعمة” فهو يقصد الخبرات الحاضرة التي حصلنا عليها، ولكن عندما يقول: ” ونفتخر على رجاء مجد الله” فإنه يكشف عن غنى خيرات الدهر الآتى. وحسنا قال “التي نحن فيها مقيمون”. لأن هكذا تكون نعمة الله، لا نهاية لها، ولا تعرف التوقف عند حد معين، لكنها تقود دوما نحو الأمور الأسمى، الأمر الذي هو خارج قدرات البشر ، بمعنى أنه يمكن أن يكتسب شخص ما مبادئ معينة ومجدا وسلطة، إلا أنه لا يستطيع أن يقيم فيها على الدوام، لأنه سيفقدها سريعا، حتى لو لم ينزعها منه إنسان، لأن الموت عندما يأتى سينزعها منه على كل حال . بيد أن الخيرات الإلهية لا تخضع لمثل هذه التحولات، فلا يستطيع الإنسان ولا الزمن ولا الظروف العارضة ولا الشيطان نفسه ولا الموت عندما يأتي أن يبعدنا عن هذه الخيرات، بل عندما ننتقل من هذا العالم سنملك المزيد من هذه الخيرات وسنتمتع بها أكثر .

وبناء على ذلك ينبغي ألا ينتابك أي شك من جهة خيرات الدهر الآتي، لأنها أستعلنت بالفعل في الخيرات التي نلناها في هذه الحياة الحاضرة. لذلك قال: ” ونفتخر على رجاء مجد الله”. هذا لكي تعرف ماهية الحالة الروحية التي ينبغي أن يكون عليها المؤمن . لأننا تأكدنا ليس فقط من جهة الخيرات التي أعطيت لنا، بل أيضا من جهة الخيرات التي ستعطي لنا في الدهر الآتى كما لو كانت قد أعطيت بالفعل، لأن الإنسان يفتخر بتلك التي أعطيت بالفعل. إذا طالما أن الرجاء في خيرات الدهر الآتي هو أمر مؤكد وواضح، تماما مثلما تحقق الرجاء في الخيرات التي أعطيت لنا في الحياة الحاضرة، فلذلك يجب أن نفتخر بهذا الرجاء (أي المتعلق بخيرات الدهر الآتى) بطريقة مشابهة، ولهذا فإنه أطلق كلمة مجد على هذه الخيرات. فإن كانت هذه الخيرات تساهم في اعلان مجد الله، فمن المؤكد أنها ستتحقق، وإن لم يكن لأجلنا فقط بل أيضا لحساب مجد الله . ماذا أقول، هل أن خيرات الدهر الآتي هي فقط التي تستحق الافتخار؟ بالطبع لا، بل أن الضيقات الحاضرة قادرة أيضا على أن تجعلنا نفتخر بها ونزهو بسببها. 

فاصل

تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي

“الذي به أيضًا قد صار لنا الدخول بالإيمان

إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون،

ونفتخر على رجاء مجد الله [2].

لم يعد الزمن يمثل رعبًا بالنسبة لنا، فالماضي بالنسبة للكثيرين مفقود والحاضر مؤلم والمستقبل مجهول، أمّا وقد دخلنا بالإيمان إلى “برّ المسيح”، صار الماضي بركة لنا، إذ نرى أحداث الفداء التي عبرت كتاريخٍ لا تزال حيّة وفعُالة في أعماقنا وتصرّفاتنا، وصار الحاضر بالنسبة لنا مفرحًا إذ نسلك “بالنعمة الإلهية” متمتّعين بالسلام مع الله، أمّا المستقبل فمكشوف إذ نعيش على “رجاء مجد الله. هكذا لم يعد الزمن بالنسبة لنا مرعبًا ولا مفقودًا، الماضي حاضر بالنسبة لنا، والحاضر عربون المستقبل، والمستقبل حال خلال عربون الحاضر. 

الإيمان بالمصلوب فتح لنا بالـ “النعمة التي نحن فيها مقيمون”، نعمة البنوّة التي نلناها في مياه المعموديّة بالروح (يو 3: 5)، خلالها نختبر أحداث الصلب والقيامة كحياة واقعية حاضرة ونعتزّ بالتمتّع بمجد الله الأبدي، بكوننا ورثة الله، ووارثون مع المسيح (رو 8: 17). 

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة الرسولية قائلاً: 

[اسمحوا لي أن أسألكم أن تتأمّلوا كيف يؤكّد الرسول في كل موضع نقطتين: جانب الله وجانبنا، فمن جانب الله، كيفما كان، توجد أمور كثيرة، عديدة ومتنوّعة، إذ مات من أجلنا وصالحنا وجبَلنا إليه ووهبَنا نعمة لا ينطق بها. أمّا نحن فمن جانبنا نقدم إيمانًا (حيًا) فقط، لذلك يقول: “بالإيمان إلى هذه النعمة”. اخبرني: أيّة نعمة هذه؟ أنك حُسبتَ أهلاً لمعرفة الله، وانتزعت عن الخطأ وتعرفّتَ على الحق ونلتَ كل بركات المعموديّة؟ لأن غاية إحضارنا إليه هو تقبُّل هذه العطايا. فإننا لم ننل غفران الخطايا فحسب لنكون مُصالحين، وإنما لننال بركات لا حصر لها.

لم يقف عند هذا الحد إنما وعدنا ببركات أخرى، بركات لا يُنطق بها، تفوق الإدراك واللغة، لهذا لم يحدّثنا عنها. فبإشارته للنعمة أوضح ما نلناه حاليًا، وبقوله: “ونفتخر (نبتهج) على رجاء مجد الله” [2]. يكشف عن كل الأمور العتيدة.

حسنًا قال: “التي نحن فيها مقيمون [2]، لأن هذه هي طبيعة نعمة الله، أنها بلا نهاية ولا تعرف الحدود، بل على الدوام ننعم بأمور أعظم، على خلاف ما يُحدّث في الأمور البشريّة. أعطيك مثلاً لما أقصده: إن نال إنسان سيادة ومجدًا وسلطانًا لا يقيم في هذه الأمور على الدوام، إنما سرعان ما تُسحب منه. فإن لم يسحبها منه إنسان آخر يأتيه الموت الذي يسحبها منه بالتأكيد. أمّا عطايا الله فليست من هذا النوع إذ لا يستطيع إنسان ولا ظروف ولا كوارث ولا حتى الشيطان أو الموت أن يسلبها، بل بالعكس عندما يحلّ الموت تتأكد بالأكثر ملكيتنا لها وثبوتنا فيها ويزداد تمتّعنا بها أكثر فأكثر… لهذا يقول: “نبتهج على رجاء مجد الله”،لكي تتعلم ما هي النفس التي يليق بالمؤمن أن تكون له. ليس فقط نعرف ما هي العطايا التي تقدّم وإنما لمن تقدّم، فنمتلئ ثقة أنها قُدِّمت فعلاً، إذ يبتهج الإنسان بكونه قد نالها فعلاً… وقد دعاها “مجدًا”؛ إذ هي شركة في مجد الله.]

هكذا يركّز القدّيس يوحنا الذهبي الفم على تعبير “مقيمون فيها” علامة استمرارية عمل نعمة الله في حياتنا متى خضعنا لها وقبلّناها متجاوبين معها، ولا يقف الأمر عن الاستمرارية، وإنما تزداد قوّة فينا وبهاءً مع الزمن حتى متى بلغنا الخروج من هذا العالم ننعم بالشركة في المجد الإلهي.

فاصل

تفسير القمص أنطونيوس فكري

آية (2): “الذي به أيضاً قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون ونفتخر على رجاء مجد الله “

الزمن لم يعد مرعباًفالماضي.. نحن نذكر موت المسيح عنّاوالحاضر نحن في سلاموالمستقبل.. نحن نحيا على رجاء مجد اللهوبواسطة الإيمان حملنا المسيح وأدخلنا إلي حالة النعمةأتحاد مع المسيححلول الروح القدسمجد معد في المستقبل ومجد غير مرئي الآنسلام مع الله أي صرنا من أهل بيت الله (الكنيسة). الدخول إليتعني أننا لم نكن في هذه الحالة قبل الإيمان وذلك أننا قد ولدنا بالطبيعة أبناء للغضب (أف3:2). والمسيح نقلنا من حالة الغضب والمعصية التي ولدنا فيها إلي النعمة التي صرنا إليها.

مقيمونتعني إستمرارية هذه النعمة هنا وفي السماء، هي حق مكتسب في هذه الحياة وللأبد، لقد أصبحنا أولاد الله ولن يطردني من هذه البنوة سوي تركي أنا لبيت أبيهي حق لن يستطيع أحد أن ينزعه مني، لا الموت ولا الشيطان، بل أن الموت سيؤكد هذه النعمة إذ سنشترك في المجد الإلهي.

ونفتخر علي رجاء مجد الله هذه الحالة التي نقيم فيها الآن والتي هي موضع فخر للمؤمنين، لأننا ننتظر علي أساسها ونرجو ما سوف يهبه الله من مجد للمؤمنين فيما بعدوبهذا ينتهي التبرير والتقديس للتمجيد.

زر الذهاب إلى الأعلى