الكتيبة الطيبية
هـل يعرفـون المصـريين إن واحـدة مـن أرقـى مـدن أوروبـا أُطلـق عليهـا اسـم واحـد مـن أبنـاء مصـر “الصـعايدة” الأمجـاد وهـو مـن مدينـة طيبـة بالأقصـر, إنـه القـديس مـوريس قائـد الكتيبـة الطيبيـة.
وان الخـاتم الرسـمى لـبعض المقاطعـات السويسـرية نقـش عليـه رسـم ثلاثـة مـن هـؤلاء الجنـود الشـهداء, ً
وأيضـا القديسـة فيرينـا وهـى فتـاة مصـرية عاشـت فـى وسـط أوروبـا, يرسـمون
صـورتها وفـى يـدها إبريـق مـاء وفـى الأخـرى “المشـط” الـذى تسـتخدمه المصـريات منـذ العصـر الفرعـونى. يرسـمونها علـى هـذا النحـو ً تخليـدا للـدور الـذى قامـت بـه القديسـة فيرينـا فـى العنايـة بالمرضـى فـى هـذه المنـاطق وفـى تعلـيم أهلهـا النظافـة, منـذ أكثر من خمسة عشر ً قرنا.
وان مئات الكاتدرائيات والكنـائس والأديـرة والهياكـل والمنشـآت المتنوعـة تحمـل أسـماء مواطنينـا الكرام أبناء طيبة العظيمة فى صعيد مصرنا الحبيبة.
وهــذه هــى قصــة الكتيبــة الطيبيــة التــى كانــت فــى القــرن الثالث الميلادى جـزءاً مـن الجـيش الرومـانى الكبيـر.. فقـد كـان علـــى ر أس الإمبر اطوريـــة وقتئـــذ دقليـــديانوس (284-305م) يعاونـــه مكســـيميانوس (2850- 305 م ) وكونـــا جيشـــها مـــن كـــل الشـــعوب الخاضـــعة لســـلطانها, فكانـــت تضـــم كتيبــة مـــن شـــباب مدينـــة طيبـــة -الأقصـــر- مكونـــة من 6600 جندى مسيحى قبطى مصرى.
وصدرت الأوامر بارتحال هذه الكتيبة من مصر إلـى أوربـا، لمسـاعدة مكسـيميانوس فـى حروبـه بإقليم ً غاليا – فرنسا-
وكــان مــن المعتــاد أن تقــدم العبــادة للآلهــة الوثنيــة قبــل بــدء المعــارك, وهكــذا صــدر الأمــر للكتيبــة المصــرية أن تشــارك فــى تقــديم البخــور فــى هــذه العبــادة، ولكــن جنــود الكتيبــة رفضــوا معلنـين أنهـم ٕوان كـانوا يـؤدون واجبـاتهم للدولـة بأمانـة إلا أنهـم مسـيحيون لا يعبـدون إلا الإلـه الحقيقى يسوع المسيح رب السماء والأرض.
وإزاء هذا الموقف أمر الإمبراطور بأن تقف الكتيبة صفوفًا, وفى كل صف, وبعد كل تسعة جنود, يجلد العاشر ثم تقطع رأسـه ولكـن البـاقين لـم يخـافوا بـل ازدادوا ًا إصـرار علـى مسـيحيتهم, فأمر الإمبراطور بتكرار َجلد العاشر وقتله.
1- القديس موريس قائد الكتيبة:
نشـأ القـديس مـوريس فــى مدينــه طيبــه – الاقصــر حاليــا- وصــار جنــدًيا فــى الجــيش الرومــانى وترقــى حتــى صــار قائــداً لهــذه الكتيبــة المكونــة مــن
6600 جندى، والضباط زملاؤه كانوا يشجعون جنودهم لكى، يثبتوا على إيمانهم. وحينئذ أصدر الإمبراطور ًا أمر بقتل جميـع أفـراد الكتيبـة حيثمـا تكـون معسـكراتها. حـدث هـذا فـى السـنوات الأخيرة من القرن الثالث الميلادى.
يقول الأب بول دورليـان( مؤلـف كتـاب قديسـو مصـر )”هكـذا استشـهد الـبعض فـى إجـون بسويسـرا, والـبعض فـى إجوليـا بشـمال إيطاليـا, وغيـرهم فـى تريـف “علـى نهـر الموزيـل بـين فرنسـا وبلجيكا، فكانت مذبحة هائلة ومجزرة همجية فظيعة تنـاثرت فيهـا أشـلاء المصـريين فـوق وادى اجـون وأرتـوت أرضـه بـدمائهم”.
وتخليـدا لـذكرى هـذا الموقـف العظـيم, غيـر سـكان الـوادى أسـم مدينة اجون وأطلقوا عليه اسم قائد الكتيبة المصـرى فصـار أسـمها حتـى اليـوم “سـان مـوريس” فـى مقاطعـة فاليـه، وأقيمـت بهــذه المدينـة فـى منتصـف القـرن الرابـع كنيسـة ذكرتهـا المخطوطـة التــى ســجلت وقــائع الاستشــهاد وأظهــرت آثارهــا الحفــائر التــى أجريــت فــى الموقــع. ولقــد كــان استشـهاد الجنـود المصـريين, ومـا صـاحبه مـن شـجاعة وصـمود ورجولـة, هـذا كلـه كـان يمـلأ المشاهدين ً إعجابا بهم ًا وتقدير لهم, وكـان يـدفعهم للتسـاؤل عـن سـر هـذه العظمـة وهـذا الإيمـان حتــى المــوت, وهكــذا بــدأ تحــول شــعب هــذه المنــاطق مــن الوثنيــة إلــى المســيحية بســبب هــذه
الكتيبة.. وارتبطت أسماء العديد مـن أفـراد الكتيبـة بمختلـف المـدن والقـرى, وفـى مقـدمتهم القائـد موريس, الـذى أُطلق أسمه على مـدينتين, الأولـى سـبق ذكرهـا والثانيـة سـان مـوريتز – بـالنطق الألمانى- فى مقاطعة انجاندين بسويسرا, وأقيم له تمثال فى ميدان كبير بها.
وكمـا كـانوا ً شـهودا للمسـيح بأمـانتهم وقـوتهم فـى الخدمـة العسـكرية؟ أصـبحوا ً شـهودا ً أيضـا بإيمـانهم القــوى وشـجاعتهم فــى الاستشـهاد. كــان أفـراد هــذه الكتيبـة أمنــاء فـى دورهــم الــوطنى كجنـود وضـباط، ولكـن ً أيضـا كـانوا أمنـا لمسـيحهم وايمـانهم فشـهدوا ورفعـوا اسـم المسـيح في بلاد غريبة
2- القديسة فيرينا.. فتاة أتت من الصعيد الي سويسرا
وتعتبر فيرينا المصرية الطيبية – من جراجوس مركز قــوص- واحــدة مــن أكثــر القديســات شــعبية فــى سويســرا وجنوب ألمانيا وذلـك بسـبب مـا تـم علـى يـديها مـن أعمـال الشـفقة والمحبـة ومـا أجرتـه مـن معجـزات, ولأنهـا سـاهمت فى تحويل سكان المنطقة إلى المسيحية.
ولقـــــد كانـــــت فيرينـــــا ابنـــــة لعائلـــــة متميـــــزة فـــــى طيبـــــة -الأقصــر- وعهـد بهـا والـدها إلـى الأسـقف خيرمـون الـذى عمـدها وعلمهـا, ولقـد كـان ً معتـادا وقتئـذ أن يصـاحب المجنـدين فـى ارتحـالهم بعـض مـن أفـراد أسـرهم لخـدمتهم مثـل الأمهـات والزوجـات والأخـوات.. وهكـذا صـاحبت فيرينـا الكتيبـة الطيبيـة، فى ذهابها إلى أوربا وبقيت فى ميلان مع القسم الذى عسكر من الكتيبة فيها.
القديسة فيرينا تعلم سويسرا النظافة:
وحين سمعت بإستشـهاد أخوتهـا وجنـود بلـدها الـذين رافقـتهم مـن مصـر, عبـرت جبـال الإلـب إلى اجونوم، وظلت هناك تواصل الصوم والصلاة, ثم عاشت فى مغارة لتتعبد فيها وتقتات من شـغل يـديها, وفـى نفـس الوقـت كانـت تعتنـى بالمرضـى، وتعلـم الفتيـات السـلوك الصـحى والنظافـة, وتهـتم بـالفقر اء, وتغسـل جـروح البـرص وتـدهنها بالأدويـة، وتمـت علـى يـديها بمعونـة االله معجـز ات كثيرة، جعلت الجماهير تنجذب نحوها وتحبها وتستجيب لتعاليمها.
ولعل أعجـب مـا يـرتبط بهـذه القديسـة المصـرية ويجعـل صـلتها بوطنهـا الأصـلى ماثلـة ً دومـا أمـام الشـعوب التـى تعتـز بـذكراها, هـو صـورتها المتداولـة ً شـعبيا فـى تلـك الـبلاد ففيهـا تظهـر فيرينــا ممســكة فــى يــدها اليســرى بمشــط مــزدوج مماثــل لمــا تســتعمله المصــريات منــذ العهــد الفرعونى وحتى اليوم, ويحتفظ به المتحف المصرى والمتحف القبطى بنماذج لـه, وكانـت تعلـم بـه النسـاء العنايـة بشـعرهن. ولهـا صـورة ممسـكة بالمشـط ويتـدلى شـعرها ًا مضـفر بـنفس طريقـة نساء الريف المصرى حتى اليوم, أما يدها اليمنى ففيها أبريق ماء للغسيل, والصورة تعبر عـن جهدها فى العناية بالمرضى وغسل جروحهم, ومازال أسمها من أكثـر الأسـماء شـعبية وتسـمى
به الفتيات فى الجزء الألمانى من سويسرا حتى اليوم.
ولقـد أقيمـت علـى المكـان الـذى كانـت تقـيم فيـه كنيسـة حفـظ فيهـا جسـدها, ومنـذ ذلـك الوقـت تعتبـر هـذه البقعـة مـن أحـب الأمـاكن التـى يحـج إليهـا الشـعوب مـن سويسـر ا، ويرجنـديا، والألـز اس والغابـة السـوداء. ومـن العسـير بيـان الكنـائس التـى بنـت علـى اسـم هـذه القـديس الشـعبية. فهنـاك أكثر من مائة كنيسة بأسمها فى مختلف المقاطعات السويسرية.
الأختام الرسمية لمدينة زيوريخ بالمانيا :
يصـور الـنقش الـذى حفـر فـى خـتم برلمـان مقاطعـة زيـوريخ, وكـذا خـتم حكومتهـا, يصـور هـذا الـنقش ثلاثـة أشخاص بلا رؤوس ولكن كـل واحـد مـنهم يحمـل رأسـه
على يديه.
فمـا هـو أصـل هـذا الـنقش الغريـب؟
تسـجل المخطوطـات والتقاليـد التاريخيـة, أن ثلاثـة مـن أفراد الكتيبة الطيبية. فيلكس وأخته ريجـولا واكسـبرانتيوس، كـانوا فـى موقـع علـى ضـفاف بحيـرة زيوريخ فقُبض عليهم واعترفوا بانتمائهم إلى الكتيبة الطيبيـة والـى قائـدها مـوريس ورفاقـه الـذين
استشـهدوا ٕواذا صـمم الثلاثـة علـى التمسـك بإيمـانهم تعرضـوا إلـى تعـذيب شـديد, حـدثت أثنـاءه معجـزات كثيـرة ثـم قُطعـت رؤوسـهم. وتـروى المصـادر التاريخيـة أنـه بعـد أن سـقط الثلاثـة علـى الأرض ُسِمع صوت يدعوهم للنهوض لنوال أكاليل الشهادة, فانتصب الثلاثة واقفين, كل واحـد يحمـل رأسـه بـين يديـه, وسـاروا حـوالى خمسـين متـر ثـم ركعـوا علـى الأرض ورقـدوا, وأُقـيم فـى مكان استشهادهم ومكان دفنهم ديران وكنيسة, ولهـذه المنشـآت تقـدير روحـى عميـق، ومكانـة وإعزاز شعبى كبير فى المنطقة وهو الدير الكبير الذى أُقيم على مكـان الـدفن, فـى مكـان أقـدم كنيسة هناك, ونقلت إلى الدير أجساد الشهداء الثلاثة.
وفــى الموقــع الــذى قطعــت فيــه رؤوســهم أقيمــت كنيسة الماء, كما أنشـئ ً أيضـا فـى هـذا المكـان ديـر للراهبـات وفيـه كنيسـة مشـهورة أقيمـت علـى الضـفة الأخرى لنهر ليمات.
وتعيد المدينة لذكرى هؤلاء الشهداء يوم 11سبتمبر من كل عام والأمر الذى يشـد الانتبـاه هنــا, هــو أن هــذا اليــوم نفســه يوافــق رأس الســنة القبطيــة -أول تــوت.- ولقــد كانــت وقــائع هــذا الاستشـهاد, بالإضـافة إلـى المعجـزات التـى حـدثت فـى هـذا المكـان, هـذا كلـه سـاهم فـى تحفيــز سكان المنطقة إلى ترك الوثنية واعتناق المسيحية.
ويبدو أن المدينـة بالإضـافة إلـى تخليـد ذكـرى هـؤلاء الشـهداء, تريـد أن تقـدمهم لأبنائهـا مـثلاً عاليا فى الأمانة, وأداء الواجب والإخـلاص الـذى لا يتزعـزع, حتـى المـوت, فكـل مـواطن يجـب أن يتقدم لعمله ً مستعدا للتضحية بكل ما يملك, كجندى يحمل رأسه بين يديـه. وبالإضـافة إلـى هـذه المخطوطـات، فـإن سـير الشـهداء المكتوبـة فـى بـدايات القـرون الوسـطى تتضـمن أسـماء كثيرة من أفراد الكتيبة وتورد وقائع استشهادهم.
القرن الثالث | العصر الذهبي | ||
مشاهير وقديسين الكنيسة | |||
تاريخ الكنيسة القبطية |