عظات القديس يوحنا ذهبي الفم للمعمَّدين

من كتاب المعمودية: الأصول الأولى للمسيحية 
للأب متى المسكين

للقديس يوحنا ذهبي الفم اثنتا عشرة عظة عن المعمودية ألقى بعضها على الموعوظين والبعض الآخر على المعمَّدين الجدد. وقد تُرجمت جميعاً إلى الإنجليزية([1]) ومن ضمنها ثمانِ عظات (رقم 1-8) اكتُشفت حديثاً (سنة 1955) بواسطة الأب العالِم أنطوان ونجر Wenger في مخطوط في جبل آثوس. وقد نشرها بعد اكتشافها بقليل([2]). وتُسمَّى مجموعة ونجر. وأول هذه العظات الثمانية أُلقيت في بداية موسم تعليم الموعوظين أي في بداية الصوم الكبير بعد أن قدَّم الراغبون منهم في المعمودية أسماءهم للكنيسة. والعظة الثانية أُلقيت أيضاً على الموعوظين في نهاية فترة تعليمهم أي في أواخر الصوم الكبير. والعظة الثالثة أُلقيت في ليلة عيد القيامة على المعمَّدين الجدد بعد أن اقتبلوا المعمودية في هذه الليلة. وأمَّا الخمس عظات الباقية (رقم 4 إلى 8) فقد ألقاها في الخمسة أيام التالية أي في الأسبوع الذي يلي عيد القيامة، وهي موجَّهة أيضاً للمعمَّدين الجدد. والغرض منها هو إعطاء “المستنيرين” (أي الذين استناروا بالمعمودية) تعليماً روحياً وأخلاقياً مركَّزاً يتناسب مع وضعهم الجديد.

وبخلاف هذه العظات الثمانية المكتشفة حديثاً (رقم 1-8) هناك أربع عظات أخرى (رقم 9-12)؛ اثنتان منهما تمَّ نشرهما منذ القرن الثامن عشر بواسطة العالِم Montfaucon([3])، والاثنتان الأخريتان تمَّ نشرهما لأول مرَّة في روسيا في بداية القرن العشرين. والاتجاه الأخلاقي على العموم يسود جميع العظات كاشفاً فكر القديس يوحنا ذهبي الفم وأسلوبه في الوعظ والتعليم. وهو يركِّز على ضرورة تطهير عيون النفس الداخلية وتنقيتها لاستقبال الاستنارة الإلهية، أي على ضرورة استقامة القلب وتقويم السلوك لاستقبال نعمة المعمودية.

 

ويظهر ذهبي الفم في هذه العظات كلها مضيئاً كقائد أخلاقي ومعلِّم روحاني قدير. ومع أن العظات قد تكون غير مباشرة للمعمودية نفسها ولكن قيمتها عالية جدًّا وتعتبر من بين أقوى إنجازاته في الوعظ! وذلك راجع بالدرجة الأُولى إلى مسئوليته الضخمة التي أخذها على نفسه، وهي قيادة عمليات تنصير الداخلين إلى المسيحية من أعاظم القوم، سواء من جهة الحُكَّام اليونانيين أو اللاتين أو أهل البلاد الأصليين أو القوم الغازين من القوطيين. وكان كثيرون منهم من أصحاب الرتب العالية والمقام السامي في المجتمع مع الباقين.

وكان ذهبي الفم بليغ العبارة قوي المنطق، قوي التعبير، فرفع من مستوى الموعوظين والداخلين إلى المعمودية إلى أعلى مستوى الإدراك الكنسي واللاهوتي والكتابي على وجه العموم. وقد انتهز هذه المهمَّة العظمى ليبني المسيحية على أُسسها الأصلية، فجاءت عظات ذهبي الفم هذه لتكشف لنا عن عظمة سر المعمودية في القرن الثالث والرابع، ومبلغ الاستنارة ومعرفة الأصول الأُولى والدقيقة لإجراءات هذا السر الكنسي العالي القيمة.

وقد أُلقيت هذه العظات في أنطاكية وهي تغص بالشعب الآتي من البلاد المجاورة الذي يتكلَّم باللغة السريانية. وكان زمن إلقاء هذه العظات ما بين سنة 386م حين بدأ عظاته حتى سنة 398 عندما ترك أنطاكية واتجه إلى القسطنطينية.

 

 

العظة الأُولى([4])

للقادمين إلى المعمودية

 

مقدِّمة:

يقدِّم ناشر هذه العظات هذه الملاحظة الهامة:

هذه العظة هي أطول عظات ذهبي الفم عن المعمودية، وقد أُلقيت على القادمين للمعمودية في بداية الصوم الكبير، وقد سجَّلوا أسماءهم ليتقبَّلوا المعمودية في عيد القيامة. وفي هذا التعليم ينظر ذهبي الفم لهؤلاء الذين سجَّلوا أسماءهم كأنهم سجَّلوها في جيش المسيح، وهو يخاطبهم ليعطيهم شرحاً عن المعمودية بمقارنتها بالزواج الروحي، الأمر الذي يعطيه فرصة لتقديم مختصر مشروح للإيمان والعقيدة، وليحض الموعوظين على ممارسة المسيحية كطريق للحياة.

والزواج الروحي له عقد “كونتراتو” يتكوَّن من شقين: شق جحد الشيطان وشق الدخول في خدمة المسيح، وهذا لا يُفهم ولا يُرى إلاَّ بعين الإيمان. والإيمان هو قاعدة التقوى. وفي قانون الإيمان سيعترفون بالآب والابن والروح القدس ثلاثة أقانيم، ولكن كرامة واحدة ومجد واحد. على أنهم يلزمهم أن يجحدوا الأباطيل التي في العالم من غنى وملابس فاخرة وحلي الذهب. والتجميلات التي يتجمَّل بها السيدات لا تزيدهنَّ جمالاً بل عدم رضا أو قناعة بما أعطاه الله لخلقته. وكل أعمال الخرافات والمسارح ومعارض الألعاب كلها ألاعيب شيطانية لضلالة النفس. فعليهم أن يمتنعوا عنها جميعاً حتى يستحقوا أن يحملوا اسم المسيح.

وذهبي الفم يقارن المعمودية بزواج روحي أي عرس روحي بين النفس والرب، على أن نظرته للمعمودية هي سرائرية Sacramental أكثر منها مستيكية Mystical أي تختص بالاختبار الروحي الباطني. وعروس المسيح هي الكنيسة التي تكوَّنت من جنب المسيح. وعلى المستوى الشخصي فكل نفس تصير عروساً للمسيح بالمعمودية، هذا هو الذي يجعلها عضواً في الكنيسة وشريكةً في كل أمجادها. هذا التشبيه بين علاقة المعمَّد بالمسيح وعلاقة العريس بالعروس لا نجده إلاَّ في عظات الموعوظين، وذهبي الفم ينتقل فيها بسرعة وبسهولة من الفرد إلى الكنيسة. والعادة في الزواج
البشري أن يأتي العريس إلى العروس ليطلبها. وليس في ذلك تنازل من جهته إذ أن الاثنين من طبيعة ترابية، ولكن في وضع المسيح والكنيسة العجيب حقـًّا أنه بالرغم من المسافة الشاهقة بين طبيعة الخالق وطبيعة المخلوق، تنازل وجاء إلينا فترك بيت أبيه في السماء وأخذ لنفسه جسداً – ثمَّ أسرع نحو عروسه. وذهبي الفم يجمع بين الكنيسة وطبيعة الإنسان، والإنسان الفرد في منظور واحد!

وهو يوعِّي الفكر الروحي أن العروس التي خطبها المسيح لنفسه كانت هي ابنته في الحقيقة كالمزمور: » اسمعي يا ابنتي «(مز 10:45) وقد ولدها بالمعمودية قبل أن تليق له كعروس كما سنرى.

العظة:

الزواج الروحي:

1  إنه وقت للمسرَّة وفرح الروح، إنه وقت نرنو فيه إلى الحياة لأن أيام الزواج الروحي قد دنت، فإن قلنا إن ما يحصل الآن أمامنا هو زواج روحي لا يكون افتئات. ونحن لا نقول فقط إنه زواج روحي بل هو بآن واحد ما هو أعجب. فهو نوع من التجنيد الحربي الفريد من نوعه، وليس أي تعارض بين الزواج الروحي والتجنيد الحربي. وفي هذا نستمع إلى القديس بولس الرسول معلِّم المسكونة الذي استخدم كلاًّ من الاصطلاحين. ففي موضع يقول: «لأني خطبتكم لرجل واحد لأقدِّم عذراء عفيفة للمسيح» (2كو 2:11). وفي موضع آخر كمن يُعدّ (كتيبة) للحرب: «البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدِروا أن تثبتوا ضدَّ مكايد إبليسَ» (أف 11:6). انظر كيف يضع القديس بولس الإنسان المسيحي في موضع الخطبة لزواج روحي وبآن واحد يعدَّه إلى حرب قادمة مع العدو؟

2  حقـًّا إن اليوم فرح في السماء وعلى الأرض، لأنه إن وُجِدَ فرح مثل هذا بسبب خاطئ واحد يتوب فكيف لا يكون بالأكثر فرح الملائكة ورؤساء الملائكة أيضاً وكل القوات السمائية مع كل مَنْ على الأرض حينما ينظرون هذه المجموعة المندفعة الخارجة من مصائد وشِباك الشيطان، طالبين بلهفة تسجيل أسمائهم في رعيَّة المسيح.

3  تعالوا إذاً أتكلَّم معكم كما أتكلَّم مع عروس مُعدَّة لتدخل حجالها المقدَّس لأعطيكم نظرة عن عريس فائق الغنى، فائق العطف والحنو من نحو عروسه. دعوني أُظهر لها ماضيها المتعفِّن الخارجة منه، وأُبيِّن لها المستقبل الفاخر المجيد المزمع أن تلقاه وتتنعَّم به. وإذا رغبتم فلنخلع عنها سترها ونتأمَّل حالها الذي انتهت إليه. وبالرغم من مأزقها هذا نجد عريسها لا يزال يطلبها إليه.

هنا تتكشَّف لنا إحساناته الفائقة، فيالهذا السيد العجيب! إنه لم يطلبها لجمالها وحسن قوامها ورشاقتها، بل
 بالعكس، فالعروس التي يطلبها لتدخل إلى خدره الإلهي مشوَّهة قبيحة المنظر منجَّسة كلياً وبلا حياء، مبتلعة في طين حمأتها وخطاياها.

4  ولكن لا يحيدنَّ أحد ممن يسمع كلامي هذا، فيسقط في مفهوم الشرح المادي السمج والفظّ  فأنا أتكلَّم عن النفس وليس الجسد، وعن خلاصها المزمع أن يكون. فحينما يقول بولس الرسول: «فإني أَغار عليكم غيرة الله  لأني خطبتكم لرجل واحد لأُقدِّم عذراء عفيفة للمسيح» (2كو 2:11)، فهو يقصد أن يقول إنه خطب للمسيح ليقدِّم له عذراء عفيفة، تلك النفوس فقط التي تقدَّمت نحو التقوى.

5  فالآن يكون لنا إدراك دقيق واضح عن هذا الذي نقوله. فعلينا أن نؤكِّد بوضوح أن العروس المتقدِّمة هي أصلاً كانت مشوَّهة والآن نتعجَّب من حنو العريس. ماذا يكون أكثر قبحاً من النفس التي هجرت كرامتها الموهوبة لها من الله وتغاضت عن مولدها النبيل من الأعالي وقاطعت العبادة وذهبت وراء الأصنام الحجر والخشب والبهائم المصوَّرة وكل ما هو عديم العقل والكرامة. النفس التي زادت من قبحها بذبائح الأصنام وحرق الشحم ونجاسة الدم. ناهيك عن الملاعب والحفلات والخلاعة والسكر والانحلال وكل أعمال عدم الكرامة التي تُسر قلب الشيطان الذي يخدمونه.

6  ولكن عندما رأى السيد الصالح عروسه في هذه المحنة التي انحدرت إليها من القبح والفساد، أعلن عن رحمته الفائقة وقبلها لتدخل إلى حضرته. هذا هو الموقف الفاخر الذي وقفه حينما قال بفم النبي: «اسمعي يا ابنتي وانظري وأميلي أذنك وانسي شعبك وبيت أبيكِ، لأن الملك قد اشتهى حسنك.» (مز 45: 10و11 سبعينية)

7  انظروا كيف من الأول يُظهر رحمته وصلاحه، وكم هو جليل في دعوته باسم «يا ابنتي»، لواحدة ثائرة متمرِّدة أسلمت نفسها للنجاسة والشياطين، ليس فقط هذا بل كيف لا يطالب بحساب الماضي وفجوره، ولا هو أظهر قضاءه ودينونته على ما سبق! ولكن يُعزي ويُشير ويُشجّع حتى تسمع وتقبل نداءه ودعوته وتنسى ماضيها!

8  أتنظرون رحمته غير المعقولة وعنايته الكريمة الثمينة؟ فحينما تكلَّم داود بهذه الكلمات في المزمور (45) خاطب به كل العالم وهو في صميم محنته، والآن فرحتنا أن ننادي بهذه الكلمات لهؤلاء الذين يتوقون إلى نير المسيح. وقد تسابقوا نحو هذا الهدف الروحي وسجَّلوا أسماءهم فيه. فالآن هو وقت مناسب أن أرفع صوتي لكل واحد منكم وأقول: اسمعوا أنتم أيها الجنود الجدد ليسوع المسيح، انسوا الماضي، تناسوا طرقكم الرديئة، أميلوا آذانكم واسمعوا واقبلوا أفضل التوعية. فإن كان داود قد قال: «اسمعي
 يا ابنتي وانظري وأميلي أذنك وانسي شعبك وبيت أبيكِ» فالقول لكم.

9  إن اليوم تُعطى لجماعتكم المحبوبة نفس الدعوة والتشجيع، الأمر الذي قدَّمه داود للعالم فيما مضى، لأن في قوله: «انسي شعبك» هو يحض على نسيان الأوثان وأعمالها والأخطاء والخطايا المحيطة بها وعبادة الشياطين. وفي قوله: «وبيت أبيكِ» إنما يقصد طبائعكم السابقة التي قادتكم إلى هذه المحن وهذا العار. انسوا هذه كلها وأبعدوا عن تفكيركم كل ما يشدّكم إلى الماضي، لأنه إن عملتم هذا وابتعدتم عن شعوبكم وبيوت آبائكم، أي الفساد الذي استشرى فيكم والفساد والشر الذي قضى على عمركم وشبابكم، فإن الملك السمائي يطلبكم ويشتهي مجيئكم.

10  انظروا يا أحبائي إن حديثي معكم يخص النفس، لأن قبح الجسد يستحيل أن يتحوَّل إلى جمال. فالسيد صنع هذه الطبيعة على أنها لا تتحوَّل ولا تتغيَّر، ولكن فيما يخص النفس فإن التغيير فيها سهل وفي غاية البساطة. فلماذا صنعها هكذا ولماذا التغيير سهل. ذلك لأن فيما يخص النفس هو أمر يخص حرية الاختيار وليس هو أمر الطبيعة الواقعة تحت الضرورة والالتزام. لذلك فإن كان هناك نفس قد فسدت وتشوَّهت وصارت إلى قبح ذميم ورغبت أن تتغيَّر، ففي إمكانها أن تغيِّر نفسها وترتفع إلى قمة العلا في الجمال وتصبح حسنة وذات نعمة. فإن هي عادت إلى إهمالها يمكن أن تعود إلى قبحها وأكثر. لذلك يقول الملك إنه اشتهى حسنها الذي ستتغيَّر إليه، هذا إذا نسيت الماضي ونسيت شعبها  كما يقول النبي صاحب المزمور  وبيت أبيها.

الزواج الروحي سر عظيم:

11 – أرأيتم كم أن الرب صالح؟ ليس إذن من فراغ أو بلا أي سبب أنني بدأت الحديث معكم بوصفي الذي يحدث معكم الآن أنه زواج روحي. في حالة الزيجة الأرضية التي تُرى بالعين البشرية لا يمكن أن تتحد العروس بعريسها. إذا لم تترك آباءها وأقرباءها وتعطي كل مشيئتها لزوجها. لذلك يقول بولس الرسول عن الزواج إنه “سر”، لأنه بعد أن قال: لهذا يترك الرجل أباه وأُمه ويلتصق بامرأته ويصير الاثنان جسداً واحداً، يعود ويصف هذا الرباط ويصرخ مندهشاً: هذا السر عظيم!!

12  نعم هو بالحقيقة سر عظيم. فأي فكر بشري يستطيع أن يدرك طبيعة السر الذي يجري في الزواج؟ حينما يضع الإنسان أمامه زوجة صغيرة تكون قد عاشت في حضن أمها وتغذَّت من لبنها وتعب يديها وعاشت في بيت أبيها طفولتها، وشبَّت على أمانتها لأُمها وأبيها. وفجأة وفي لحظة تدخل في ساعة الزواج وتنسى أُمها وتعبها وتعلُّقاتها وهمومها وعناية بيتها لها وعلاقات محبة الأبوين والإخوة،
وتترك كل شيء في لحظة لتُسلِّم حياتها وكل متعلِّقاتها لزوجها الذي لم تكن قد رأته من قبل؟

إنها نقلة كبرى في حياتها حيث يصبح رجلها هو كل ما لها، ليكون هو أباها وأُمها وزوجها، فلا تعود تذكر كل مَنْ اعتنوا بها وخدموها وأحبُّوها كل عمرها السابق. هذا هو الرباط الذي يربط بينهما أنهما لم يعودا اثنين بل واحداً.

13  آدم أول إنسان خُلق رأى ذلك بعيني نبوَّته فقال: «هذه تُدعى امرأة لأنها من امرءٍ أُخذت، لذلك يترك الرجل آباه وأُمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً» (تك 2: 23و24). هذا الشيء نفسه يُقال للزوج، فما حدث للزوجة حدث للزوج، لذلك كان الرباط بينهما حتمياً. على أن الكتاب لا يقول يتحد بامرأته بل: «يلتصق»، مبيِّناً شدة هذا الاتحاد. ويكمِّل الكتاب «ويكونان الاثنان جسداً واحداً». من أجل هذا أضاف المسيح شهادته قائلاً: «من أجل هذا يترك الرجل أباه وأُمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسداً واحداً. إذاً ليسا بعد اثنين بل جسد واحد» (مت 19: 5و6). وهكذا صار الالتصاق بينهما حتى يصيرا جسداً واحداً. فأخبروني الآن مَنْ يستطيع أن يقيس ويدرك ويكتشف هذا؟ أي قوة عقلية يمكنها أن تدرك ما يحدث هنا؟ أليس هذا معلِّم المسكونة بولس على حق في أن يقول إن «هذا السرُّ عظيم»!! وهو لم يقل عنه فقط إنه “سرّ” بل: «سرّ عظيم» (أف 32:5).

14  فإذا كان في عالم الحسيَّات هو سر بل سرٌّ عظيم، فماذا يكون الالتصاق عن حق بالنسبة للزيجة الروحية؟ وحيث إن كل شيء هنا يرتقي إلى المستوى الروحي، فلاحظ جيداً أن كل الأمور هنا تجري بعكس النظام الحسِّي. ففي الزيجة التي تُرى بعين الجسد لا يمكن لرجل أن يأخذ امرأة زوجة قبل أن يعرف ويتأكَّد ليس فقط عن جمالها ورشاقتها الجسدية ولكن بالأكثر جدًّا غناها وحالها السابق.

15  أمَّا في الزواج الروحي فلا شيء مثل هذا. لماذا؟ لأن هذا الطقس يتبع النظام الروحي، حيث يندفع العريس برحمته وإحسانه ويُسرع لإنقاذ نفوسنا حتى ولو كان منَّا من هو قبيح أو محجوج العين أو فقير أقصى ما يكون الفقر، أو مجرَّد عبد خادم أو طريد مطرود خارج السياجات، أو مشوَّه الخلقة وذميم، أو مثقَّل بخطايا وأوزار ثقيلة. فالعريس لا يسأل ولا ينظر ولا يفتِّش في قبائح الواردين عليه، بل وعلى العكس هو محمَّل بهدايا وعطايا ونِعَم. لا يطلب إلاَّ شيئاً واحداً: هو أن ننسى الماضي ونُظهر الإرادة الحسنة نحو المستقبل!

عقد أملاك الزواج الروحي وهدايا الإكليل:

16  أرأيتم كم هو مُنعم وما أعظم نعمته؟ أرأيتم لطف ورحمة العريس نحو الذين يستجيبون لدعوته
ويلتصقون به؟ ولكن ليتنا أيضاً نتأمَّل معاً إن أردتم، في معنى هذا الزواج الروحي: فكما أن في حالة الزواج الذي على المستوى الجسدي، تُعقد وثيقة وتُعطى هدايا، كما يعطي الرجل عطايا وأبو العريس يعطي الدوطا (مؤخر الصداق)، هكذا في الزواج الروحي يحدث شيء مثل هذا، لأن الفكر يجب أن يتدرَّج من الجسديات إلى الروحيات ومنها إلى الله. فما هو الذي يطلبه العريس الروحي إلاَّ الطاعة والموافقة معه؟ وما هي الهدايا التي يعطيها العريس قبل الزواج؟ اسمع ما يقوله بولس المبارك: «أيها الرجال، أحبُّوا نساءَكُم كما أحبَّ المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم نفسه لأجلِها، لكي يقدِّسها، مطهِّراً إِيَّاها بغسلِ الماءِ بالكلمةِ، لكي يُحضِرها لنفسه كنيسةً مجيدةً، لا دنَسَ فيها ولا غضنَ أو شيءٌ من مثل ذلك، بل تكون مقدَّسةً وبلا عيبٍ.»
(أف 5: 25-27)

17  أرأيتم ضخامة عطاياه؟ وعِظم محبته التي لا يُنطق بها؟ «كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها». لا يوجد أي إنسان قط استطاع أو يستطيع أن يعمل هذا. بمعنى أن يسفك دمه من أجل امرأة ستكون زوجة له. ولكن السيد اللطيف يتمثَّل صلاحه وطيبة نفسه في أنه قَبِلَ هذه التضحية العظيمة والعجيبة، ذلك بسبب شدَّة اهتمامه بعروسه! حتى أنه بدمه يقدِّسها، حتى إن طهَّرها بحميم الميلاد الثاني الذي للمعمودية يستطيع أن يقدِّمها إلى نفسه كنيسة في كل مجدها. لهذه الغاية سفك دمه واحتمل الصليب لكي بهذا يمكنه أن يقدِّسنا مجَّاناً أيضاً، ولكي يطهِّرنا بذات حميم الميلاد الثاني (المعمودية)، ولكي “يُحضر لنفسه” أُولئك الذين كانوا سابقاً بلا كرامة، غير قادرين أن يتكلَّموا بدالة، والآن قد صاروا هم في مجد، «بلا دنس ولا غضن أو شيء من مثل هذا»!

الإيمان بالآب والابن والروح القدس:

19  وأنتم تعلمون جيداً أي أُناس كنتم وأي محنة كنتم تعانونها والسيد وجدكم عندما سمح أن تقتربوا إليه  فلا هو يبحث عن خطاياكم، ولا يُجري حكماً وعدلاً على اقترافاتكم. فعليكم أن تعملوا ما عليكم وتقدِّموا اعترافاً قوياً بإيمانكم به  ليس فقط بشفاهكم ولكن بكل إدراككم وفهمكم. لأنه يقول: «القلب يؤمن به للبر والفم يُعترف به للخلاص» (رو 10:10). لأن الإدراك والفهم في هذا ينبغي أن يكون قوياً مرتبطاً بإيمان تقي واللسان يكون مستعداً بالاعتراف بعقل صاحٍ متمسِّكٍ وعنيد.

20  والإيمان هو أساس التقوى. دعوني أتكلَّم معكم باختصار عن هذا الإيمان حتى نؤسِّس أساساً غير قابل للهدم حتى نبني البناء كله بناءً مؤتمناً. إنه من الواجب جدًّا أن أُولئك الذين كتبوا أسماءهم في هذه (الكتيبة) الحربية الروحية أن يؤمنوا بالله إله الكون كله، أبي ربنا يسوع المسيح أصل وأساس كل شيء، غير المحدود، غير المدرَك، الذي لا يمكن النطق به شرحاً لا بالكلمة ولا بالفهم، الذي
 برحمته وصلاحه خلق كل شيء.

21  وأن يؤمنوا بيسوع المسيح ابنه الوحيد ربنا الذي هو في كل شيء مساوٍ للآب ومثله وغير متغيِّر في مساواته للآب وواحد مع الآب في الجوهر، ولكنه معروف بذاته مولود من الآب بطريقة غير منطوقة، الذي كان قبل أن تكون الأزمنة الأزلية. وكان خالقاً لكل الدهور. والذي في الأيام الأخيرة من أجل خلاصنا أخذ شكل العبد وصار إنساناً وسكن بيننا في طبيعة بشرية وصُلب وقام في ثالث يوم.

22  وعليكم أن تقتنوا هذه المعرفة التي للإيمان بدقة، وتثبِّتوها في عقولكم حتى لا يسهل أن يُطغى عليكم بغش الشيطان (…) واعلموا أن الابن من طبيعة الآب، والابن نفسه هو الذي قال: «لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويُحيي كذلك الابن أيضاً يُحيي مَنْ يشاء» (يو 21:5). وفي كل شيء أظهر الابن أنه مساوٍ للآب في القوة وكل شيء (…) عالمين أن الآب والابن والروح القدس كل منهم يبقى في ذاته ولكن كل منهم له نفس القوة بالتساوي.

23  وعليكم أن تحفظوا هذه الحقيقة بتأكيد ووثوق، تحفظونها في عقولكم: أن الروح القدس له نفس الكرامة والمجد الذي للآب والابن. ويسوع المسيح قال لتلاميذه: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأُمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس (مت 19:28)

24  أرأيتم كيف أعطى المسيح أصول الاعتراف بهذه الحقيقة أي الآب والابن والروح القدس، وأن تعليمه في هذا غير مخفي بل واضح كل الوضوح؟ لا تجعلوا أحداً بعد ذلك يقلقكم بإرباك عقولكم في أبحاثه الخاصة وبغير عقائد الكنيسة حتى يربك الإيمان الصحيح. تجنَّبوا صداقة مثل هؤلاء الناس، كما تتجنَّبون السموم التي يمكن أن تقتلكم، لأن مثل هؤلاء الناس خطرون أكثر من السموم. فالسموم تفسد الجسد فقط، أمَّا هؤلاء فيفسدون الخلاص ويقتلون النفس. لذلك من المناسب جدًّا منذ البداية أن تتجنَّبوا المحادثات والمقاومات مع هؤلاء القوم إلى أن تكملوا في لبس أسلحة الروح والدراية بشهادات الأسفار المقدَّسة.

احملوا نير المسيح:

25  الذي قلناه ينبغي أن تلتزموا به بدقة لأنه عقيدة الكنيسة، والمطلوب منكم أن تحتفظوا بها بقوة وثبات في عقولكم. وأيضاً من المناسب أن الذين يعترفون بهذا الإيمان يؤكِّدونه بسلوكهم الصالح. ولذلك يلزم أن أُعلِّمكم عن هذه الأمور، أنتم الذين ستتقبَّلون العطية الملكية حتى تكونوا قادرين أن تدركوا أنه ليس خطية يصعب على سخاء عطية الله وقدرته التغلُّب عليها. حتى ولو كان أحد زانياً أو فاسقاً
أو عاهراً أو لصًّا أو سكِّيراً أو عابد وثن، فإن محبة الرب الإله وقوة عطيته قادرة أن تلاشي هذه الموبقات والخطايا من سيرتكم وتمحوها محواً فتختفي جميعاً من سجل حياتكم، وتجعل الخاطئ يضيء أكثر من الشمس إن هو أعطى تصميماً صالحاً بإيمان لا يتزعزع.

26  فاعتبروا جدًّا عظمة هذه العطية الفائقة التي لله الصالح في رحمته علينا، واجعلوا أنفسكم على استعداد أن تمتنعوا عن الأعمال الشريرة وأن تكونوا صالحين، كما يحضّنا النبي بقوله: «حيدوا عن الشر وافعلوا الخير» (مز 27:37). والرب يسوع نفسه يقول: «تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم. احملوا نيري عليكم وتعلَّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم.» (مت 11: 28و29)

27  أرأيتم كثرة صلاح الرب، وسخاء دعوته: «تعالوا إليَّ» يقول الرب «يا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال وأنا أريحكم». دعوته هي نوع من الرحمة الفاخرة وصلاحه فوق الوصف، تعالوا يا جميع: ليس فقط الحكَّام بل والمهانين، ليس فقط الأغنياء بل والمساكين، ليس فقط الأحرار بل والعبيد، ليس فقط الرجال بل والنساء، ليس الصغار فقط، بل والشيوخ، ليس الأصحاء بل والمشوَّهين أيضاً والعسم والعرج وذوي العاهات. إنه يقول تعالوا جميعكم! لأن عطية السيد فائقة ومتسعة للغاية وليس عنده تمييز. تعالوا جميعكم يا ثقيلي الأحمال.

28  فانظروا مَنْ هم الذين يدعوهم، أُولئك الذين استهلكوا قوتهم في الخروج عن كل القوانين، المثقَّلين بخطاياهم، الذين لا يستطيعون بعد أن يرفعوا رؤوسهم، الذين ملأوا حياتهم عاراً. ولماذا يدعوهم؟ لا لكي يُحاكم أو يراجع أو يوبِّخ. ولكن لماذا؟ ليخفِّف عنهم أحمالهم الثقيلة التي عجزوا عن حملها فصارت آلامهم فوق احتمالهم، بل ليحمل عنهم أحمالهم الثقيلة. وأي حمل أثقل من الخطية؟ حتى ولو حاولنا إخفاءها عن عيوننا أو عيون الناس والعالم كله، فثقل الخطية يحارب ضمائرنا ويوقظها من رقادها لتنازع راحتنا وسلامنا، فتصبح ضمائرنا قاضياً لا يُرتشى! وفي نزاعها ومقاضاتنا تقف ضدنا ولا ترتخي أبداً، فهي شوكة مغروسة في عمق إحساسنا، تؤلم وألمها لا يتوقَّف وتذيقنا طعم فظاعة الخطية التي نتهرَّب منها. وكأن الرب يقول: سأفرج عن ضمائركم أنتم الذين تثقَّلتم وضمائركم بالخطية حتى انحنت ظهوركم تحت أحمال وأثقال خطاياكم، سأرفع ظهوركم وأرفع أحمالكم وأغفر خطاياكم.

فقط تعالوا إليَّ! فمن الذي يتقسَّى قلبه حتى يسد أذنيه عن حنان مثل هذه الدعوة؟!

29  ولكي يعلِّمنا كيف سيعطينا راحة أكمل القول: «احملوا نيري عليكم»! أي تعالوا تحت نيري، ولكن
لا تخافوا عندما تسمعون كلمة “نير” لأن نيري لا يأكل القفا ولا يحني رقابكم ورؤوسكم، ولكن نيري يعلمكم كيف تتفكَّرون في الأمور الصالحة، ويعلِّمكم كيف تتبعون الحكمة. احملوا نيري عليكم وتعلَّموا. فقط تعالوا تحت نيري حتى تتعلَّموا، و“تتعلَّموا” تعني أعطوني آذانكم حتى يصلكم تعليمي، فأنا لا أطلب منكم أي شيء ثقيل، فقط تمثَّلوا بي وأنتم تراب ورماد، تمثَّلوا بي أنا المعلِّم خالق السماء والأرض وخالقكم. تعلَّموا مني يقول الرب لأني وديع ومتواضع القلب.

“شكل العبد” وديع ومتواضع القلب:

30  أرأيتم كيف أتى إلينا المعلِّم من السماء، أرأيتم لطفه وإحسانه الذي بغير حدود؟ لم يضع ثقلاً على أحدٍ ولم يطلب مطالب ثقيلة منّا أو علينا. فلم يقل تعلَّموا مني كيف صنعت معجزات وكيف أقمت الموتى وأظهرت عجائب وأعمالاً مذهلة بالأمور التي تخصّه هو وتخص قوته. ولكن ماذا قال؟ «تعلَّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم». أرأيتم كيف أن نيره هدية ذات منافع؟ لذلك فكل مَنْ كان مستحقاً أن يأتي تحت هذا النير وأن يتعلَّم من المعلِّم كيف يكون وديعاً ومتواضع القلب، فهذا هو الذي سيجد راحة كاملة لنفسه. لأن هذه هي خُلاصة خلاصنا والذي يحصل على هذه الفضيلة حتى ولو كان لا يزال مقيَّداً بالجسد فسوف يحيا بقوى روحية ويتحرَّر من كل قيود هذه الحياة.

31  فكل مَنْ يتمثَّل بوداعة المعلِّم الإله فلن يفقد سيطرته على أخلاقه بعد، ولن يقوم ثائراً على قريبه قط، حتى ولو تعدَّى عليه آخر سيقول: «إن كنت قد تكلَّمت رديًّا فاشهد على الردي وإن حسناً فلماذا تضربني» (يو 23:18) كما قال المعلِّم الوديع المتواضع القلب ليعرِّفنا كيف يكون النير وكيف تكون الحياة معه. فإن ادَّعى عليه مدَّعٍ وقال إنك بك شيطان سيجيب: «أنا ليس بي شيطان» (يو 49:8)، وكل الاتهامات التي انهالت عليه لن تُخرجه عن سلامه قط. فمثل هذا الذي يتمثَّل بالمعلِّم الوديع المتواضع حاملاً نيره، سوف يحتقر كل مجد للحياة الحاضرة، ولن يوجد شيء في هذا العالم المنظور يستطيع أن يميله عن القصد، لأنه سيرى كل الأمور بعيني ذلك المعلِّم الوديع المتواضع القلب. فوديع القلب ومتواضعه لن يحسد قريبه ولا ممتلكات قريبه، ولن يسرق، ولن يقترف إثماً، ولن ينهزم وراء الغنى، بل بكل حنانه نحو قريبه سيكون قادراً أن يترك غناه لمن يريده، ولن يشتهي امرأة آخر لأنه جاء تحت نير المسيح وتعلَّم أن يكون وديعاً ومتواضع القلب ويسير وراء خطوات ذلك المعلِّم البديع، مظهراً كل فضيلة في كل طريق.

32  إذن، فلنأتِ تحت هذا النير الصالح لنحمل حمله الخفيف حتى نجد راحة لأنفسنا. فالذي دخل تحت هذا النير عليه أن ينسى طريقه العتيق في الحياة ويضع لعينيه حارساً، لأن المعلِّم يقول: «إن كل مَنْ
ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه»
(مت 28:5). لذلك علينا أن نضع حارساً على أعيننا، حتى لا يدخل إلينا الموت منها، فلنحرس ليس أعيننا فقط ولكن لساننا أيضاً، لأنه مكتوب «كثيرون سقطوا بحد السيف، لكنهم ليسوا كالساقطين بحد اللسان» (سيراخ 22:28). كذلك أول ما تتولَّد فينا الشهوات الأخرى فلنقطعها عنا ونجعل فكرنا هادئاً، ونُقصي عنا الغضب والشهوات والحقد والعداوة والمكر والشهوات الشريرة والانحلالات الأخرى، وكل أعمال الجسد التي هي بحسب قول بولس الرسول: الزنا والعهارة والنجاسة وعبادة الأوثان والسحر والعداوة والخصام والغيرة والسخط والتحزُّب والشقاق والبدعة والحسد والقتل والسكر والبطر (غل 5: 19و20).

33  إنه واجب لذلك أن نُبعد عن أنفسنا كل هذه الشرور ونشتاق أن نحصل على ثمر الروح: فهو محبة، فرح، سلام، إيمان، وداعة، تعفُّف. فإن طهَّرنا عقولنا بالقناعة وبالهذيذ في دروس التقوى (أي في الأسفار المقدَّسة) سنكون قادرين أن نعد نفوسنا لنكون مستحقين أن ننال عطيته وهي عظيمة حقـًّا، وأن نحرس الصلاح الذي حصلنا عليه.

زينة النساء الحقيقية:

34  لا يكن فيما بعد اهتمام بالتزيُّن الخارجي والثياب الغالية، ولكن لتكن غيرتكم متجهة نحو تجميل نفوسكم حتى تضيء بجمال الروح الفائق. لا تهتموا بالألبسة الحريرية ولا أعمال الذهب لأن (بولس) معلِّم المسكونة الذي يعلم تماماً ضعف المرأة الطبيعي وعدم استقرار رأي النساء لم يتوان عن إعطاء أوامر في هذه الأمور. فلماذا أقول إنه لم يمتنع عن أن يُعطي تعليماً في هذه الأمور؟ عندما أَعطي مشورات لكنَّ أيتها النساء بخصوص زينتكنَّ، ألم يُفصح القول: «وكذلك أن النساء يزيِّنَّ ذواتهنَّ بلباس الحشمة مع ورع وتعقُّل، لا بضفائر أو ذهب أو لآلئ أو ملابس كثيرة الثمن» (1تي 9:2). أليس ذلك توجيهاً لكنَّ إزاء رغبتكن لتزيين أنفسكن لتكسبن المديح من الذين يرونكنَّ؟ ليس الناموس بل رب الكل هو الذي ينبغي أن يمدحكم ويوقِّركم.

36  علينا إذاً أن نسمع الكلمات الصائبة التي لبولس الرسول: «بل كما يليق بنساء متعاهدات بتقوى الله بأعمال صالحة» (1تي 10:2) … فماذا يعني بالأعمال الصالحة؟ كل أعمال الفضيلة: احتقار العالم، الاشتياق لأمور العالم الآتي، الازدراء بالغنى، السخاء في التوزيع للفقراء، التواضع، الوداعة، اتباع الحكمة، تقويم أنفسنا للسلام، الهدوء، عدم الجري وراء أمجاد العالم الحاضر بل الاحتفاظ برؤيتنا دائماً إلى فوق حتى نكون دائماً مشتاقين لأخبار الروح والسماء وانتظار أمجاد الدهر الآتي.

 

37  ولأنني أتكلَّم الآن عن النساء، أريد أن أُقدِّم لهنَّ بعض النصائح الأخرى: إني أود لا أن تمتَنعْن من الأمور الضارة فقط بل وعن العادات الخاصة بصبغ وجوهكنَّ وإضافة زيادات على خلقتكنَّ وكأنها ناقصة، لأنكن بعملكن هذا تهينون الخالق. لأن استخدامكنَّ للروج وتكحيل أعينكنَّ لا يمكن أن يضيف جمالاً ثابتاً أو يغيِّر من سحنتكنَّ. هذه الأمور لا تضيف شيئاً بل تختزل أشياءً وأشياءً لأنها تغيِّر وتفسد نفوسكنَّ وجمالها الإلهي … هذا بالإضافة إلى محاولة إثارة الشباب وزيادة ثورة عواطفهم وجذب عيونهم نحوكنَّ فتزداد خطيتهم بسببكنَّ.

38  إنه مناسب جدًّا ونافع لكنَّ أن تمتنعن كليًّةً عن هذه الأمور وبالأخص في بيوت الله أثناء العبادة. وإلاَّ فلماذا تزيِّنَّ أنفسكنَّ وأنتنَّ ذاهبات إلى بيت الله للعبادة؟ فهل أنتنَّ قادمات للصلاة والعبادة والاعتراف بخطاياكن لسؤال الغفران وراحة الضمير؟ ألا تعلمن أن الله يبحث عن الزينة الداخلية للنفس وعن الأعمال الفاضلة، فهو يشتهي أعمال البر والعطف على الفقراء والتعفُّف والوقار والإيمان الوطيد … إذن، فاطرحن عنكنَّ باقتناع كل هذه الأعمال بالنهاية.

 

 

العظة الثانية([5]) 

استمرار التعليم للذين سيتقدَّمون للمعمودية

وشرح لما سيحدث لهم في المعمودية المقدَّسة

 

مقدِّمة:

يقدِّم ناشر الكتاب في بدء هذه العظة الملاحظات التالية:

يستمر ذهبي الفم في تعليم المتقدِّمين إلى المعمودية المسيحية. فالعظة الأُولى أُلقيت في بداية الصوم الكبير – ربما في اليوم العاشر – أمَّا هذا الحديث فزمنه في آخر كل التعاليم عن المعمودية، قبل المعمودية بقليل.

وفي هذه العظة يوضِّح ذهبي الفم صلاح الله حتى وفي تعامله مع آدم وبعد سقوطه – ثمَّ يشرح طقس الأكسورسزم ثمَّ جحد الشيطان، وعمل العهد مع المسيح، والمسحة قبل المعمودية وطقس التجديد للميلاد الثاني، معطياً في كل خطوة منها الصيغة السرائرية Sacramental المستخدمة في أنطاكية، ويخبرنا أن المعمَّدين الجدد حينما يخرجون من الماء يشتركون في مائدة الرب بتناول الجسد والدم. ولكن لم يذكر هنا مسحة ما بعد المعمودية (الميرون).

العظة:

1  مرَّة أخرى أخاطب الذين كتبوا أسماءهم في (كتيبة) المسيح. فأُظهر لهم قوة السلاح الذي هم عتيدون أن يتقلَّدوه ومقدار الصلاح غير المنطوق به الذي يظهره الله بإحسانه على جنس البشر، حتى يأتوا بإيمان واثق وثقة كاملة ويتمتَّعوا بالكرامة التي يسكبها بغزارة.

ومن البداية اعتبروا يا أحبائي ما أعظم صلاح الله وإحسانه من نحونا حتى أنه يعتبر الذين لم يتعبوا قط والذين لم يظهروا أي صلاح يعتبرهم مستحقين لهذه العطية، فقد غفر كل الخطايا التي اقترفوها في كل ماضيهم، لذلك إزاء النعمة العظمى التي يعطيها يلزم أن تقوِّموا قلوبكم وتقدِّموا نصيبكم من الطاعة. فإن فعلتم ذلك فما أعظم المكافأة التي تنالونها من الله محب البشر؟

 

2  لم يَرَ أحدٌ مثل هذا التعامل بين البشر، فما أكثر الذين تعبوا لينالوا العوض ولكنهم عادوا إلى بيوتهم فارغي اليدين. لماذا؟ لأنه قد يكون الذين نترجَّى منهم العطية غير حافظين للجميل بالرغم من أتعابنا …

انظروا بعين الإيمان:

9  وأنتم كلكم الذين استحققتم أن تُسجَّل أسماؤكم في الكتاب السمائي قدِّموا إيمانكم بفكر واثق، لأن الذي يتم هنا يحتاج إلى الإيمان وعين النفس المفتوحة لكي تدركوا ليس فقط ما يُجرى أمامكم منظوراً، بل وتدركوا أيضاً غير المنظور من وراء ما تنظرون، الذي لا تدركه إلاَّ عين الإيمان … لأن الإيمان هو رؤية غير المنظور وكأنه منظور، كما يقول القديس بولس الرسول: «وأمَّا الإيمان فهو الثقة بما يُرجى والإيقان بأمور لا تُرى.» (عب 1:11)

10  فما هذا الذي أقوله؟ ولماذا أطلب أن لا تنتبهوا للمنظور بل أن تكون لكم أعين الروح؟ حتى لا يتراءى لكم الماء أنه ماء عادي ولا اليد الموضوعة عليكم أنها يد عادية، فليس هو الإنسان الذي يُجري السر بل هي نعمة الروح القدس. فإنها هي التي تقدِّس طبيعة الماء وهي التي تلمس رؤوسكم مع يد الأسقف. ألا ترون معي أن هذه الأمور تتطلَّب عين الروح التي ترى ما لا يُرى فنحن بها نؤمن بغير المنظور وبها نلحظ ما تراه عين الجسد؟

11  المعمودية هي دفن حقيقي وقيامة حقيقية، لأن الإنسان العتيق بها يُدفن بخطيته، وبها يقوم الإنسان الجديد «الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه» (كو 10:3). لقد خلعنا الملابس العتيقة التي تعبِّر عن خطايا الماضي ولبسنا الثياب الجديدة تعبيراً عن جدة حياة تخلو من الخطية. وماذا أقول؟ قد لبسنا المسيح نفسه لأن «كلكم الذين اعتمدتم في المسيح قد لبستم المسيح (غل 27:3)

الغرض من الإكسورسزم ومعناه (الدهن بزيت طرد الأرواح النجسة):

12  تقفون الآن على العتبة، وعن قليل ستنعمون بالعطايا الوافرة. دعوني أُعلِّمكم على قدر ما أستطيع معنى هذه الطقوس حتى لا تخرجوا من هنا إلاَّ وعندكم إدراك يقيني بما يتم فيها. ينبغي أن تفهموا لماذا تُتلى عليكم كل يوم بعد العظة كلمات الأكسورسزم (طرد الأرواح النجسة)، ذلك لأنكم عتيدون أن تستقبلوا في حياتكم ملك السموات ليسكن فيكم ويكون معكم. فما سمعتموه من صلوات طرد الأرواح الشريرة هو بمثابة إعداد المسكن الملكي للآتي. فهم يُطهِّرون أفكاركم ويطردون كل مكيدة للشرير يكون قد باشرها فيكم، ويجعلون قلوبكم مهيَّأة للحضرة الملكية. ومهما كان الشيطان شرساً لكنه يضطر للهروب سريعاً أمام استدعاء المعلِّم الإلهي الذي يهيِّئ في النفس
حالة من التقوى ويقودها إلى مشاعر التوبة.

13  إنه أمر عجيب وفوق المعتاد أن هذا الطقس لا يفرِّق بين مراتب ودرجات البشر ومقاديرهم، إذ الكل يخلع ملابسه ويقف عرياناً حتى ولو كان المتقدِّم يحظى بمقام عالٍ في المجتمع وقد أضاء غناه من حوله وكان ذا محتد، فإنه يقف جنباً إلى جنب مع شحاذ مُعدم أو أعمى أو أعرج ولا يتململ من هذا، عالماً أن هذه الفروق لا توجد في عالم الروح حيث لا يُنظر من الإنسان إلاَّ نفسه فقط وهي التي تأخذ المقام الذي لها.

14  انظروا أية منفعة لهذه الدُعاءات والاستدعاءات المهيبة([6]) والأجسام والأرجل العارية والأيدي المرفوعة فإنها تعني الكثير لنا …

جحد الشيطان والالتصاق بالمسيح:

17  والآن دعوني أحدِّثكم عن الأسرار وعن العقد الذي سيُبرم بينكم وبين المعلِّم الإلهي. في أمور العالم أي ارتباط يوثّق بعقد مكتوب، أما حينما يستأمنكم المعلِّم على الأمور السمائية التي هي للحياة الأبدية، فالعقد هنا يُدعى “الإيمان” حيث لا ينص أو يخص شيئاً منظوراً، ولكن كل ما لا يُرى إلاَّ فقط بعيني الروح والإيمان. والإيمان اتفاق بين المتعاقدين، لا يُكتب باليد، فالمتعاقد الأعظم هو الله وأسفاره المقدَّسة المكتوبة بالروح القدس. أمَّا الكلمات التي ينطقها الشخص فهي في الحال تُسجَّل في السماء، والاتفاق الذي يبرمه بالفم يستلمه المعلِّم ويحفظه إلى الأبد.

18  أمَّا حالة المأسورين الخارجية، فالكاهن يحضركم ويأمركم بالصلاة وأنتم راكعون (متجهون للغرب) وأذرعكم مرفوعة نحو السماء، وتُذكِّرون أنفسكم عن أحوالكم السابقة في الخطية وأي شرٍّ تُنقذون منه الآن وأي صلاح تكرِّسون أنفسكم له. ويأتي إليكم الكاهن واحداً واحداً سائلاً عن اعترافكم
وتعهّدكم  ويُعدّكم للنطق بالكلمات الرهيبة [أنا أجحدك أيها الشيطان].

19  (يقول ذهبي الفم): الدموع والغصَّة تكتنفني الآن وأنا أذكر كيف نطقت أنا أيضاً بهذه الكلمات، كيف كوَّمت على نفسي كومة من الخطايا ثقيلة منذ ذلك اليوم حتى هذا اليوم، فأي خجل وعار وضعته على نفسي بإهمالي. أتوسَّل إلى جود إحسانكم أن تذكروني لدى الملك العتيد أن تتقابلوا معه، الذي هو على شوق أن يستقبلكم ليضع عليكم ثوبه الملكي ويحمِّلكم بالهدايا قدر ما تريدون وأكثر، ذلك في الأمور الروحية التي ينبغي أن نطلبها. اسألوه عني أن لا يحاسبني على ما فات مني ويمنحني سماحه ويجعلني مستحقاً للطفه. أنا لا أشك أنكم ستفعلون، لأنكم تحفظون ودًّا كثيراً لمن يعطونكم المعرفة.

20  وبعد ذلك سيجعلكم الكاهن تقولون: “أنا أجحدك أيها الشيطان، مع تعظُّماتك وأتباعك وأعمالك”. كلمات قليلة ولكن مفعولها قوي. فالملائكة المرافقون وكل القوات الغير المنظورة تفرح بتوبتكم ورجوعكم وترفع أقوالكم إلى المعلِّم لتُكتب في سجلات السماء.

21  وبعد جحد الشرير وكل متعلِّقاته (تعودون إلى الشرق) وتقولون: “أدخل إلى خدمتك أيها المسيح”. انظروا إلى تعطُّفاته الجزيلة. لأنه إزاء هذه الكلمات يستأمنكم على مخازن كنوزه، متناسياً كل جحودكم السابق وعدم رضاكم، ولا يذكر لكم أعمالكم التي سلفت مكتفياً بمحبتكم وبهذه الكلمات القليلة.

المسحة بزيت الإكسورسزم والمعمودية:

22  بعد فكاك رباط الشيطان وتوثيق عقد الإيمان بالاعتراف بسيادة المسيح وسلطانه، حيث بعهدكم تكونون قد ارتبطتم بالمسيح، وكأنكم محاربون قد اخترتم للعراك، يبدأ الكاهن يمسحكم على الجبهة بزيت الأكسورسزم وعلامة الصليب قائلاً: (فلان) يُمسح باسم الآب والابن والروح القدس.

24  وبعدها يكمل تعرية الجسد ويمسحه كله بالزيت، في وسط ظلام الليل، ويدهن كل الأعضاء للتقوى في مواجهة ضربات العدو.

25  بعد هذه المسحة تنزلون إلى مياه المعمودية المقدَّسة لتدفنوا الإنسان العتيق ليقوم الجديد الذي يتجدَّد على صورة خالقه، حيث ينزل الروح القدس ليقوم الإنسان الجديد وقد اغتسل من كل نجاساته وخطاياه، وإن كان قد خلع رداء النجاسة فقد لبس لباس البر الملكي.

26  ولكي تتعلَّموا أيضاً من هذا أن جوهر الآب والابن والروح القدس هو واحد، تتم المعمودية الواحدة
بالطريقة التالية: يقول الكاهن إن فلاناً يتعمَّد باسم الآب والابن والروح القدس، ويُغطِّس رأسكم في الماء وذلك على ثلاث مرَّات، رافعاً إيَّاها من الماء وذلك ليهيِّئكم بهذه الحركة السرية لتستلموا الروح القدس النازل، لأنه ليس الكاهن هو الذي يلمس الرأس بل هي يد المسيح اليمنى. وهذا واضح لأن الكاهن لا يقول فلان أُعمِّده، بل فلان يتعمَّد لأنه ليس هو الكاهن الذي يُعمِّد بل المسيح. وأمَّا الكاهن فليس هو إلاَّ خادم للنعمة مقدِّماً يده لأنه قد رُسم لهذا العمل بالروح.

وحقيقة إن من يتمِّم هذا السر هو الآب والابن والروح القدس الثالوث غير المنقسم، لأن الإيمان بالثالوث هو الذي يعطي نعمة غفران الخطية، والاعتراف بهذا الإيمان هو الذي يهبنا هبة البنوَّة.

27  وفي حال خروجهم من جرن المعمودية من الماء المقدَّس، يقبِّلهم كل الحاضرين ويفرحون معهم ويهنِّئونهم لأنهم بعد أن كانوا أسرى وعبيداً صاروا فجأة أحراراً وأبناءً مدعوين للمائدة الملكية. لأنهم بعد خروجهم من الماء يتقدَّمون إلى المائدة … كملائكة على الأرض مضيئين كالشمس.

ختام العظة: دعوات وصلوات:

28  ليس عبثاً ولا كأنه بلا غرض، كوني سبقت وشرحت لكم ما سيحدث، وعرَّفتكم بكل هذه الأمور، بل لكي تسيروا بعد ذلك محمولين على أجنحة الرجاء وتستمتعون بمسرة الحياة الجديدة. وكما دعا بولس الرسول: «اهتموا بما فوق» (كو 2:3)، غيِّروا أفكاركم مما على الأرض لتكون لما هو في السماء، من المنظورات إلى غير المنظورات. فعين الروح أقوى من عين الجسد.

29  وبما أنكم واقفون الآن على عتبة القصر الملكي، وعلى وشك أن تقربوا العرش حيث يجلس الملك وعنده الهدايا فاطلبوا طلبات كبيرة بكل ثقة، ولكن قط لا تسألوا شيئاً دنيوياً أو بشرياً. اجعلوا سؤالاتكم لائقة بالذي يعطي العطايا. وإذ خرجتم من الماء على مثال قيامتكم اطلبوا منه أن ينصركم حتى تكونوا على مأمن بخصوص هداياه التي أعطاها لكم وحتى لا تُهزموا بخبث الشرير. توسَّلوا إليه من أجل السلام بين الكنائس، وتضرَّعوا من أجل الذين ضلُّوا، واسجدوا سؤالاً من أجل الخطاة حتى نُحسب أن نكون أهلاً لرحمته فإنه أعطاكم ثقة كبرى، فقد سجَّل أسماءكم لتكونوا في مقدِّمة أصدقائه وقبلكم للتبني بعد أن كنتم عبيداً وأسرى ولا حقَّ لكم في الكلام معه، فهو لن يرفض صلواتكم بل بدافع من صلاحه سيعطيكم كل ما طلبتم.

30  فإن رآكم الرب ذوي عطف على إخوتكم وخلاص الآخرين يأذن لكم بأن تتكلَّموا أمامه بثبات. فلا شيء يُسرّه قدر مشاعرنا الطيبة من نحو الذين هم أعضاء جسده، فإظهار عواطفنا من جهة إخوتنا
وانشغالنا بخلاص الآخرين يُسرّ قلبه.

31  في هذه المعرفة يا أحبائي اجعلوا أنفسكم مستعدين لتقبُّل نعمته بسرور وفرح الروح حتى تستحقوا مواهبه. ليتنا جميعاً معاً نجعل سلوكنا مستحقاً لنعمته لنكون مستحقين أن نقبل عطاياه الأبدية بنعمة ومحبة يسوع المسيح ربنا الذي له مع الآب والروح القدس المجد والقوة والكرامة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.

 

 

 

العظة الثالثة([7]) 

عظة أُلقيت على المعمَّدين الجدد

 

مقدِّمة:

يقول الناشر تعليقاً على هذه العظة:

إن هذه العظة أُلقيت في صباح عيد القيامة بعد أن اقتبل طالبو المعمودية معموديتهم ونالوا إفخارستيتهم. هنا ذهبي الفم يهنِّئهم باعتبارهم المستنيرين الجدد، ويحثّهم أن يكونوا محاربين روحانيين. فالمسيح معهم،  وفيهم، في حال دخولهم معمعة المصادرة (مع العدو). فالمسيح لم يعطهم السلاح فقط ولكن أطعمهم من جسده ودمه. وذهبي الفم يوضِّح لهم قوة دم المسيح بالمقارنة مع قوة الدم الذي جاء على مثاله (قديماً) وهو دم خروف الفصح الذي نحَّى الملاك المُهلك عن بني إسرائيل. إذ أن دم المسيح الذي صبغ شفاه المستنيرين الجدد نحَّى ووضع في الخزي عدو نفوسهم! وقوة دم المسيح تأتي من مصدره، إذ لمَّا طعن قائد المائة جسد المسيح على الصليب – وقد مات – خرج منه دم وماء، فخروج الماء يعطي المعمودية سرَّها والدم يعطي الإفخارستيا سرّها. وكما أن حواء تكوَّنت خلقتها من جنب آدم وكان نائماً، هكذا الكنيسة تكوَّنت خلقتها من جنب المسيح وهو نائم في موته على الصليب. فالمسيح يطعمنا من ذاته كالأم التي تُطعم طفلها من ذاتها. فياليت المستنيرين الجدد يتحفَّظون على أمانتهم وعلى عهدهم في خدمة المسيح وتعتريهم المخافة حتى لا يسقطوا في خطاياهم إذ ليس هناك ميلاد آخر بعد الميلاد الثاني.

فالإنسان المسيحي أفضل من موسى، فله المسيح والمذبح مصادر البركات غير المنتهية.

العظة:

يقارن المولودين الجدد بنجوم سمائية:

1 مبارك الله! توجد نجوم هنا أيضاً على الأرض تضيء أكثر من نجوم السماء، ذلك بسبب شمس البر الذي جاء من السماء ورؤى على الأرض. وليس فقط نجوم على الأرض بل والعجيبة الأخرى أن النجوم تضيء في نور النهار، والتي تضيء بالنهار أقوى من التي تضيء بالليل، لأن نجوم السماء تخص
نفسها بعيداً عن ضوء إشراق الشمس، ولكن حينما تضيء شمس البر تبرق هذه النجوم النهارية بلمعان أكثر. فهل رأيتم قط نجوماً تضيء في وسط نور الشمس؟!.

2 نعم فنجوم الليل تختفي في نهاية الليل، ونجوم النهار هذه تضيء بلمعان أكثر من ساعة الذروة. وعن نجوم الليل يقول الكتاب: «وتسقط النجوم من السماء كورق يتساقط من الكرم» (مت 29:24 مع إش 4:34 و10:13)، أمَّا عن نجوم النهار فيقول: «حينئذ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم.» (مت 43:13)

3 لماذا يسقطون كورق الكرم؟ هكذا تسقط نجوم السماء، لأن الكرم طالما يمد قطوف العنب بالغذاء يحتاج العنب إلى تظليل وحماية الأوراق. وبعدما تعطي كل ثمرها حينئذ تُسقط ورقها أيضاً. وهكذا أيضاً طالما كان العالم يحوي جنس الإنسان تحتفظ السموات بنجومها كالكرم الذي يحتفظ بأوراقه. فإذا كفَّ الليل أن يكون فلن تكون حاجة إلى نجوم.

4 طبيعة النجوم نارية في السماء، هكذا نجوم الأرض أيضاً نارية، ولكن نار نجوم السماء تُرى بالعين الجسدية في حين أن هذه النار الأخرى لا تُرى إلاَّ بعين النفس. يقول القديس متى: «هو سيعمِّدكم بالروح القدس ونار» (مت 11:3). فهل تريدون أن تتعرَّفوا على أسماء هاتين الفئتين من النجوم؟ أمَّا نجوم السماء فهي أوريون وأركتوروس ونجم المساء ونجم الصبح، أمَّا النجوم التي بيننا فليس فيها نجم مساء بل كلها نجوم صباحية.

نعم المعمودية المتكاثرة:

5 نقول مرَّة أخرى: «مبارك الله … الصانع العجائب وحده!» (مز 18:72)، الذي يصنع كل شيء ويغيِّر كل شيء. بالأمس كنتم أسرى والآن أنتم أحرار ومواطنون كنسيون. فيما سبق كنتم تعيشون في خزي خطاياكم، والآن تحيون في ملء الحرية والبر. لستم أحراراً فقط بل وقديسون، ولستم قديسين فقط بل وأبرار. ولستم أبراراً فقط بل وأبناء، ولستم أبناء فقط بل وورثة، ولستم ورثةً فقط بل وإخوة للمسيح. ولستم إخوة للمسيح فقط ولكن شركاء ميراث، ولستم شركاء ميراث فقط ولكن أعضاء، ولستم أعضاء فقط بل وهيكل، ولستم هيكلاً فقط بل وأدوات للروح القدس!

6 فمبارك الله الصانع العجائب وحده! قد رأيتم ما أكثر عطايا المعمودية، بالرغم من أن كثيرين يظنون أن عطيتها الوحيدة هي غفران الخطايا. أمَّا نحن فعدَّدنا كراماتها إلى عدد عشرة ولهذا السبب نفسه نعمِّد حتى الأطفال ولو أنهم بلا خطية ولكن لكيما ينالوا بقية العطايا من تقديس وبرّ، واختيار للتبني،
والميراث حتى يشبّوا إخوة وأعضاءً للمسيح ويصيروا هيكلاً للروح.

7 إخوتي الأحباء جدًّا، إن كنت أدعوكم إخوة فهذا حق لأني أقتسم معكم نفس الميلاد، وبسبب محبتي الأخوية الكبيرة لكم إني أحمِّسكم لكي تُظهروا غيرة عظيمة تتناسب مع الكرامة العليا التي أُسبغت عليكم.

مع العدو:

8 – إلى الآن كنتم في مدرسة التمرين والتدريب حيث كل سقوط يُغتفر. ولكن من اليوم تنفتح أمامكم حلبة العراك، والمقارعة قريبة، وقد جلس المتفرِّجون من كل جانب، وليس فقط الناس يراقبون الملحمة ولكن خوارس الملائكة أيضاً، كما يقول القديس بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس: «صرنا منظراً للعالم للملائكة والناس» (1كو 9:4). فإن كان الملائكة ينظرون، فرب الملائكة واقف فوق المتلاطمين كقاضٍ وحكم. وهذا ليس فقط تكريماً لنا بل وتأكيداً لسلامتنا. أما يكون تكريماً لنا بل وتأكيداً لسلامتنا أن القاضي الذي يراقب التصادم هو الذي وضع نفسه وحياته من أجلنا؟!

9 – وفي المصارعات الأُوليمبية يقف القاضي وحده عالياً فوق المتصارعين لا يحابي أحداً هنا أو هناك. ولكن ينتظر الضربة القاضية، يقف في الوسط لأن حكمه ليس متحيِّزاً. ولكن في مصادمتنا مع الشيطان لا يقف المسيح عالياً بل ملتحماً في صفنا. ولكي تعرفوا ما أصدق هذا القول إنه لا يقف عالياً بل ملتحماً ومنحازاً لنا، اعتبروا أنه هو الذي مسحنا ووضع الختم على جباهنا قبل أن ندخل المعركة، بل ولكنه ربط العدو. إنه مسحنا بزيت البهجة بل ولكنه كبَّل الشيطان بقيود لا يمكن كسرها حتى يجعله مشبوك اليد والرجل أثناء المعركة. أمَّا إن حدث وزلقت قدميَّ فأنه يمد يده ويرفعني من أن أسقط ويوقفني على قدميَّ، لأن الكتاب يقول: «تدوسون الحيَّات والعقارب وكل قوة العدو.» (لو 19:10)

10 – وبعد أن تتم النصرة يُحدر الشيطان في جهنم، وإن غَلَبتُ أنا أنال الإكليل، أمَّا إن هو غلب فإنه يُعاقب. ولكي تعلموا أنه يعاني مشقة ومهانة أكثر إن هو غلب وانتصر، سأوضِّح لكم الأمر مما حدث قديماً: لقد أسقط العدو آدم وطغى عليه فماذا كانت مكافأته التي كافأه بها الرب من أجل نصرته؟ كانت اللعن: «على بطنكِ تسعين وتراباً تأكلين كل أيام حياتكِ» (تك 14:3). فإن كان الله قد عاقب الحيَّة المنظورة بهذه الشدَّة فبأي عقاب وإهانة يعاقب الحية التي لا تُرى إلاَّ بعين النفس. وإن كانت هذه العقوبة قد خرجت على الأداة التي استخدمها المحتال فواضح أن العقاب الذي يكون من نصيب المحتال نفسه أشد. والمسيح لن يكتفي بأن يعاقب الشيطان بل وسيحطِّم سلاحه.

11 – فياليتنا نتشجَّع ونتسلَّح للملاطمة فقد سلَّحنا المسيح بسلاح أكثر لمعاناً من الذهب وأصلب من
الصلب، محرق أكثر من النار وأخف من الهواء. فحمل هذا السلاح لا يُشكِّل حملاً ولا هو يثني ركبنا بل يعطي أجنحة لأحقَّائنا ويرفعنا. فإن أردتم الطيران نحو السماء فلن يعوق طيرانكم! إنه سلاح جديد لأن المعركة هي أيضاً جديدة. فمع أني إنسان ولكن عليَّ أن أُكيل اللطمات للشيطان، ومع أني لحم ودم، لكن معركتي ليست مع لحم ودم، من أجل هذا صنع الله لي درعاً لا من معدن بل من البر، وقد هيَّأ لي ترساً ليس من برونز بل من إيمان، وعندي سيف حاد هو نفسه كلمة الروح. فالشيطان يطلق سهامه نحوي ولكن سيفي دائماً معي، فأنا جندي مسلَّح بسلاح ثقيل. ليتكم تعلمون أن تحرُّكاته وسهامه دائماً يطلقها من بعد، فهو لا يجسر أن يقترب منَّا!

قوة دم المسيح:

12 – ولكن ليس أن الله فقط أعدَّ لنا سلاحاً، بل أعدَّ لنا طعاماً أقوى من السلاح حتى لا نخور في معمعتنا مع الشيطان، وحتى نغتذي به فنكسب موقفنا مع العدو الشرير. فإن رآكم العدو عائدين من مائدة المعلِّم يهرب مسرعاً أسرع من الريح وكأنه صادف أسداً ينفث ناراً من فمه … فإن رأى فمك ممسوحاً بالدم سيفر كوحش جبان.

13 – فإن أردت أن تعرف القوة المذخرة في هذا الدم ارجع إلى قصة الخروج من مصر … فالمصريون كانوا قد احتجزوا بني إسرائيل. فماذا فعل الرب لكي لا يهلك شعبه مع المصريين؟

14 – لقد صنع موسى فصحاً آخذاً حَمَلاً وذبيحة وأوصى أن تُمسح بالدم أبواب بني إسرائيل. فهل دم حيوان غير عاقل يقدر أن يخلِّص إنساناً عاقلاً؟ نعم، لا لأنه دم حيوان غير عاقل، بل لأنه يصوِّر مسبقاً دم المعلِّم. (فإن كان مجرَّد رمز لدم المسيح صنع خلاصاً، فكم يكون دم المسيح؟!).

15 – في ذلك اليوم في مصر رأى الملاك المهلك (ملاك شر) مجرَّد مسحة دم خروف الفصح فلم يجرؤ أن يدخل ويقتل، أمَّا اليوم فالشيطان لن يختبر نفسه مرَّة أخرى، إذ يرى لا شبه الدم بل الدم نفسه ممسوحاً على شفاه المؤمنين وقد صارت أبواباً لهيكل فيه المسيح! فإن كان الملاك المهلك وقف بلا حراك لمَّا رأى مسحة دم الفصح على الأبواب فكم بالحري حينما يرى الحق ذاته.

الكنيسة تكوَّنت من جنب المسيح:

16 – وإن كنت تريد أن تدرك قوة الدم من مصدر آخر، انظر من أين خرج أولاً وأين كان منبعه، إنه فاض من على الصليب من جنب المعلِّم. هكذا يقول القديس يوحنا إنه عندما مات المسيح وهو على الصليب جاء أحد قوَّاد المائة وطعنه في جنبه بالحربة وفي الحال خرج ماء ودم: الماء كان رمزاً
للمعمودية والدم للإفخارستيا. لذلك قال خرج دم وماء، ولكن اليهود ذبحوا الذبيحة ولكني أنا الذي حصدت الجائزة – أخذت الدم – الذي للخلاص الذي تحصَّلنا عليه من الذبيحة.

17 – وخرج من جنبه ماء ودم. يا أحبائي لا تدعوا هذه الحقيقة السريَّة دون تفكُّر لأني لا أزال أحتفظ بسر آخر، قلت إنه كان في هذا رمز للمعمودية والإفخارستيا في هذا الماء والدم، ومن هذين السرّين قامت الكنيسة “بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس(تي 5:3)، من خلال المعمودية والإفخارستيا. بهذا يكون المسيح هو الذي كوَّن الكنيسة من جنبه تماماً كما صنع الله حواء من جنب آدم وهو نائم.

18 – وهكذا أيضاً موسى في وصفه للإنسان الأول يخبرنا أن آدم قال: «هذه عظم من عظامي ولحم من لحمي» (تك 23:2) مشيراً بذلك بالنبوَّة إلى جنب المسيح. فكما أن الله في ذلك الوقت أخذ ضلع آدم ومنه صنع المرأة، هكذا المسيح أعطانا الدم والماء من جنبه وصنع الكنيسة. وكما أخذ الضلع من آدم وهو مثقَّل بالنوم، هكذا أعطانا الدم والماء من بعد موته، أولاً الماء ثمَّ الدم. فما كان عند آدم النوم العميق أصبح هنا عند المسيح الموت على الصليب.

19 – أرأيتم كيف وحَّد المسيح نفسه بعروسه، وكيف بطعام جسده ودمه أعطانا غذاءنا تماماً كالأم التي بعد أن تُخرج وليدها تطعمه من دمها ولبنها، هكذا المسيح يطعمنا نحن الذين ولدهم…

21 – احرصوا لئلاَّ نرجع ونصير مديونين مرَّة أخرى للصك القديم. فالمسيح جاء مرَّة واحدة ووجد شهادة أسلافنا تحت المديونية التي كتبها آدم وأمضاها. آدم أمضى الدين فيما يخص الخطية ووضعنا نحن المزيد عليه ديوناً. وبهذا الصك القديم كانت اللعنة وكانت الخطية وكان الحكم بالموت (الروحي) وإدانة الناموس. ولكن لمَّا جاء المسيح فقد رفع هذه جميعاً وسامح بها، والقديس بولس يصرخ: «وكتاب يد خطايانا (ديوننا) الذي كان ضدًّا لنا رفعه من الوسط (بين الله وبيننا) مسمِّراً إيَّاه على الصليب» (كو 14:2 حسب النص). لم يقل إنه محا الصك ولا قال ألغاه بل سمَّره على الصليب حتى لا يعود له أثر باقٍ، هذا هو السبب في كونه لم يكتفِ بأن يمحوه بل مزَّقه على الصليب تمزيقاً، بالمسامير تمزَّق الصك وأماته تماماً، حتى لا يعود يصلح مرَّة أخرى.

22 – هو لم يمزِّق الصك المكتوب عن خطايانا في ركن سرِّي ولكن جهاراً على مرأى من كل العالم ومن أعلى الصليب، لكي تراه الملائكة ورؤساء الملائكة والقوات العليا، وأيضاً المناكيد الأشرار الشياطين يرونه، هؤلاء الذين جعلونا مديونين للديَّان بديوننا، ولكن الآن مُزِّق الصك حتى لا يكون لهم علينا سيادة بعد.

 

المعمودية مقابل الخروج من مصر:

23 – ولأنه قد مُزِّق صك خطايانا القديم فليتنا نكون صاحين منتبهين حتى لا يُكتب علينا صك آخر، لأنه لا يوجد لنا صليب آخر ولا غفران خطايا مرَّة أخرى أو تجديد. أنا أحذِّركم حتى لا تركنوا إلى الإهمال. أنتم خرجتم من مصر فلا تطلبوا مصر مرَّة ثانية ولا شرورها ولا طينها وطوبها، فإن أمور الحياة أيضاً هي طين وطوب، فالذهب نفسه قبل أن يصير ذهباً كان طيناً.

24 – اليهود رأوا المعجزات وأنتم سترون أكثر وأشد بريقاً من تلك التي رآها اليهود في خروجهم من مصر. أنتم لم تروا فرعون ولا جيوشه الغارقة ولكن رأيتم غرق الشيطان وجيوشه في بحر المعمودية. اليهود عبروا البحر وأنتم عبرتم الموت، هم أُنقذوا من يد المصريين وأنتم أُنقذتم من يد الشيطان، هم أَلقوا عبوديتهم للبرابرة وأنتم ألقيتم عنكم عبوديتكم للخطية.

25 – أتريدون أن تعرفوا طريقاً آخر قُضي لكم فيه بأعاجيب أكثر: في أيامهم لم يكن اليهود يستطيعون أن يروا وجه موسى لأنه كان متجلِّياً مع أنه كان زميلاً لهم في العبودية وقريباً منهم، وأمَّا أنتم فرأيتم وجه المسيح في مجده. والقديس بولس يقول: «نحن جميعا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف» (2كو 18:3). واليهود بعد مصر دخلوا القفر، أمَّا أنتم فبعد الخروج من عبودية الشيطان تأتون إلى السماء. كان موسى قائداً ممتازاً أمَّا نحن فقائدنا هو الله.

26 – موسى كان حليماً أكثر من كل الناس على الأرض (عد 3:12)، ونحن لنا موسى الجديد “المعلِّم” الذي له أكثر من منتهى الوداعة فهو متواضع القلب أيضاً. موسى في ذلك الزمان رفع يده نحو السماء فنزل المن (خبز الملائكة)، والآخر هنا رفع عينيه نحو السماء فأحضر لنا طعام الحق للحياة الأبدية. موسى ضرب الصخرة وجعل أنهار ماء تفيض، وهذا موسى الآخر يمس المائدة فتنزل من السماء ينابيع الروح، تفيض على الجميع يلتفُّون حولها من كل جانب ويتلقون ماء الخلاص.

27 – وإذ لنا مثل هذا الينبوع وحياتنا الآن هكذا، ومائدتنا تنوء تحت ثقل بركات الروح تفيض من كل جانب، ليتنا نتقدَّم بقلوب مخلصة وضمائر مطهَّرة حتى نستقبل نعمته وإحسانه لملء عوزنا بالنعمة ومحبة البشر التي للابن الوحيد ربنا ومخلِّصنا يسوع المسيح الذي به ومعه للآب والروح القدس المحيي المجد والكرامة والقوة الآن وكل أوان ودهر الدهور. آمين.

 

 

العظة الرابعة([8]) 

مخاطبة المعمَّدين الجدد على قول بولس الرسول

«إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة» (2كو 17:5)

 

مقدِّمة:

يقدِّم ناشر الكتاب ملاحظته على هذه العظة فيقول:

إن التعييد الذي يعيِّدونه للمولودين جديداً كان في أنطاكية يستمر سبعة أيام من بعد معموديتهم، أي من يوم عيد القيامة إلى الأحد الذي يليه. كما يُصنع لعرس الزواج في الحياة المدنية. وكان في كل يوم يجتمع المعمَّدون الجدد للصلاة. وعلى مدى أسبوع القيامة كان القديس يوحنا ذهبي الفم يخاطبهم بسلسلة من العظات تشبه مجموعة الخمس عظات التي تبدأ بالعظة الحالية (عظات رقم 4 إلى 8).

هذه العظات التوجيهية ليست مثل التي لكيرلس الأُورشليمي التي أُلقيت أيضاً إلى المولودين الجدد أثناء أسبوع القيامة، فذهبي الفم في هذه العظات لا يعود يشرح الأسرار وطقوسها، ولكنه يعلِّم ما هي الأخلاق اللائقة بالحياة الروحية. وكان يدفعه إلى ذلك هذا الموسم الروحي الجديد (الخمسين المقدَّسة) الذي يلي الصوم، إذ كان يعتبر أن الطبيعة البشرية لا تكون ضعيفة في أي وقت مثلما تكون في وقت الراحة، ومن ناحية أخرى فإن عدو النفوس يثور علينا بالأكثر حينما يرى الإنسان حاصلاً على عطايا روحية فائقة فيزيد من تجاربه.

وذهبي الفم لا يتعب ولا يمل من الحث على الزهد والتعفُّف الروحي (تلك الفضائل التي كانت الحياة الرهبانية مثالاً أعلى لها) في احتقار أباطيل الحياة والتأمُّل في بركات السماء ومشتهياتها. وكانت عظاته دائماً ترمي إلى تحاشي شر الفتور والاستهتار بالروحيات، اللذان هما الفرصة والسبب لكل سقطة، وأيضاً ترمي إلى تقويم النفوس في الاتزان والتحكُّم والسهر الروحي. والتعاليم الأخلاقية التي يقدِّمها هنا ذات قيمة روحية عالية، فهذه توجيهات ثمينة من الله للاحتفاظ بما أعطانا من نعم فائقة.

 

العظة:

المعمَّدين الجدد هُم فرحة الكنيسة:

1 – أرى اجتماعكم اليوم أكثر إشراقاً من باقي الأيام، والكنيسة فرحة من أجل أولادها. فالكنيسة تنظر أولادها فرحة مسرورة حينما ترى نفسها أُمَّا مخصبة كحقل مزدهر. فاعتبروا أيها الأحباء فرحة الكنيسة حينما ترى كم من البنين حولها([9])، أخرجتهم إلى الوجود كأم روحية وفي ليلة واحدة. ولكن لا نندهش لأن الحمل بالأولاد الروحانيين الجدد لا يحتاج إلى زمن ولا تعب([10]).

2 – فليتنا نفرح مع الكنيسة لنشاركها فرحتها، لأنه إن كان هناك فرح في السماء عندما يتوب خاطئ واحد فكم يكون الفرح بالنسبة لنا حينما نمجِّد الله على إحسانه وعلى نعمته هذه التي تفوق الوصف! لأن نعمة الله حقـًّا كبيرة ولا يُنطق بها. فما هي قدرة الإدراك التي تستطيع أن تتابع إحسانات الله وهداياه التي بلا حصر التي يغدقها على جنس البشر؟!

3 – كانوا أمس وما قبل يوم أمس عبيداً للخطية، واليوم قُبلوا في مرتبة البنين، خلعوا حمل خطاياهم ولبسوا الثوب الملكي، يعيشون في منافسة بهاء السماء ذاتها، نراهم يضيئون أكثر من النجوم بل يضيئون وجوه من يتطلَّع إليهم. والنجوم تضيء فقط بالليل ولا تظهر أبداً في نور النهار، أمَّا هؤلاء فيضيئون بالليل والنهار سواء. لأنهم نجوم روحية تفوق الشمس. والمسيح معلِّمنا استخدم صورة الشمس ليعبِّر عن ضياء الأبرار في الدهر الآتي كعلامة عندما قال إن الأبرار يضيئون كالشمس. هكذا يُقارن البار
بضياء نور الشمس، ليس فقط لأن ضياءهم هكذا شديد ولكن لأنه لا يوجد شيء آخر في عالم الماديات أكثر ضياءً من الشمس.

4 – في هذا اليوم أحتفل بهؤلاء الذين يضارعون الشمس في ضيائها، وأنا لا أحتضنهم بذراعيَّ الجسديتين ولكن أُظهر محبتي لهم بهذا التعليم الروحي. وأوصيهم بأن يقدِّموا مقدار السخاء الفائق الذي أسبغه علينا المعلِّم ونور الثوب الذي استحقوا أن يلبسوه. والقديس بولس الرسول يقول: «لأن كُلَّكُم الذين اعتمدتُم بالمسيح قد لبستُم المسيح» (غل 27:3). لذلك فأنا أُنبِّهكم أن تعملوا كل ما تعملون على أساس أنكم فعلاً لابسون المسيح الخالق كل الأشياء ومعلِّم طبيعتنا لأنه ساكن فيكم. وحينما أقول المسيح أعني أيضاً الآب والروح القدس، لأن هذا ما قاله المسيح نفسه لنا ووعدنا به عندما قال: «إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً.» (يو 23:14)

5 – فمثل هذا الإنسان (الحامل المسيح في قلبه) وإن كان يسير على الأرض لكنه يكون كمن يحيا في السماء. لأنه يحفظ فكره وتصوُّرات قلبه في الأشياء التي فوق ولن يخاف بعد مؤامرة الشياطين الأردياء، لأن الشيطان لا يحتمل ضياء بهاء مثل هؤلاء الناس.

6 – أنتم جنود المسيح الجدد الذين تسجَّلت أسماؤكم اليوم كمواطنين سمائيين، وقد دُعيتم إلى هذه المائدة الروحانية لتتمتعوا بأطايب المائدة الملوكية (ربما تكون هذه العظة قد قيلت في ليلة العيد) فأظهروا غيرتكم التي تستحق هداياه وعطاياه حتى تربحوا نعمة أكثر من فوق. إن معلِّمنا محسن، وحينما يرى إمتنانكم على ما أعطي محتفظين به فإنه يفيض من نعمه أكثر، حتى ولو كان ما نقدِّمه نحن قليلاً لكنه هو يزيد من عطاياه.

القديس بولس المَثَل الأعلى للمعمَّدين الجدد:

7 – لنا مَثَل في القديس بولس معلِّم المسكونة كلها، فقد كان مضطهِداً للكنيسة، في كل مكان يذهب إليه يجر رجالاً ونساءً ويلقيهم في السجن، خالق المصاعب والمتاعب للمسيحيين كإنسان فقد عقله. ولكن بعد أن نال خيرات حب المعلِّم له واعتمد واستنار بنور الروح القدس، ترك الظلمة التي كان يضل فيها وبها واقتيد إلى الحق، لم يؤخِّر التوبة ولكنه في الحال اعتمد غاسلاً خطاياه. والذي كان أداة في يد اليهود، عاد فأربكهم في دمشق إذ أخذ ينادي بالمسيح المصلوب أنه ابن الله.

8 – أترون أمانة قلب القديس بولس مبرهناً لنا بهذه الحوادث أنه كان يعمل أعماله السابقة عن جهل، وأنه مستحق كل رحمة من فوق وأن يقاد إلى طريق الحق؟ فالله حينما يرى بجوده أن نفساً تسير في الضلال بجهالة لا يرذل هذه النفس أو يسلِّمها لتخريب حياتها، ولكنه يُظهر لها صلاحه لخلاصنا. على أنه ينبغي
أن نوجد مستحقين لأن نحصد بركات نعمته الآتية من فوق كما صنع بولس الرسول.

9 – ما صنعه شاول كان عن جهل وعدم إيمان، كما يعترف هو أن غيرته كانت بحسب الناموس، ولكنه تسبَّب في متاعب وإرباك للجميع. ولكن لمَّا تعلَّم من رب الناموس نفسه أنه على خطأ([11])، أدرك سهوه وخطأه في الحال بلا تأخير، وبعد أن تعمَّد واستنار انطلق يشهد بقوة.

10 – وبعد أن كان ثائراً كالأسد مقتحماً البيوت، انظر إليه الآن بعد أن تغيَّر كحمل وديع … أتنظرون مدى التغيير، وكم هو صار مختلفاً عمَّا كان … وكيف أضاف إلى نعمة الله التي أعطاها له ما قدَّمه هو أيضاً في الخدمة من غيرة، من حرارة، من إيمان، من شجاعة، من صبر بعقل متسامٍ وإرادة لا تمل. لذلك كان مستحقاً لمعونة أكبر أتته من فوق.

11 – أنا أشجِّعكم أن تتمثَّلوا ببولس، فقد صرتم مستحقين أن تخضعوا تحت نير المسيح، وقبلتم عهد التبني، والآن عليكم أن تُظهروا من البدء مباشرة حرارة إيمان في المسيح حتى تنالوا نعمة أكثر من الأعالي، فتضيء حُلتكم البيضاء أكثر وتقبلوا عطف ومحبة المعلِّم. فبالرغم من كل ما كان عليكم إلاَّ أنه نظر إلى صلاحه هو وحكم أن تكونوا مستحقين للعطايا الكبرى. لأنه لم يخلِّصكم فقط من خطاياكم وأعطاكم البر بنعمته، ولكنه جعلكم أيضاً قديسين وأبناءً بالتبني والاختيار. فإنه هو الذي أخذ المبادرة في إعطاء هذه كلها. وإن أظهرتم غيرة إزاء عطاياه الجزيلة، وقدَّمتم ما يجب من طرفكم وحافظتم على ما أعطاه لكم، فكيف لا يحسبكم مستحقين لعطايا أعظم من الأُولى؟

الإيمان بالمسيح والمعمودية خليقة جديدة:

12 – القديس بولس المطوَّب الذي قاد الكنيسة كعروس إلى المسيح كعريس، يقول في رسالته إلى أهل كورنثوس: «إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة» (2كو 17:5)، إنه يقطع علينا أن لا نظن أنه يتكلَّم عن الخليقة المنظورة بقوله: «إن كان أحد في المسيح»، وبذلك يعلِّمنا أنه إن كان أحد قد
انضمَّ إلى الذين يؤمنون بالمسيح فهو نموذج للخليقة الجديدة.

خبِّروني إن رأينا سماواتٍ جديدة وأجزاءً أخرى من خليقته فهل يوجد في ذلك فائدة أو ربح بالقدر الذي نرى فيه أحداً قد تحوَّل من الشر إلى الفضيلة والحق، وانتقل من صف الخطأ إلى جانب الحق؟ هذا هو الذي يريد بولس الطوباني أن يقول عنه إنه خليقة جديدة. وللتو يقول: «الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديداً». وبهذا هو يعلن باختصار أن الذين بإيمانهم في المسيح قد خلعوا – كما يخلعون عباءة قديمة – حمل خطاياهم، هؤلاء هم الذين صاروا أحراراً من أخطائهم. واستناروا بنور البر ولبسوا هذا الثوب الأبيض المضيء، الثوب الملكي. من أجل هذا يقول: «إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديداً».

13 – ألا يكون شيئاً جديداً وغير مصدَّق، حينما يتغيَّر إنسان كان بالأمس وأول من أمس يضيِّع وقته في الدعارة والأطعمة الحنجرانية ثمَّ فجأة يعيش حياة ضبط الذات والبساطة؟ ماذا يكون هذا الشيء إلاَّ أنه جديدٌ وغير مصدَّق، إن تغيُّر إنسان كان في ماضيه غير قنوع واستُنفذَ في المسرَّات التي لهذه الحياة وفجأة يرتفع فوق شهواته وكأنه لا يلبس جسداً بعد، ويحيا حياة القناعة والكفاف والعفَّة!؟

14 – أرأيت كيف أن خليقة جديدة قد صارت بالفعل؟ هي النعمة حينما تدخل النفوس وتشكِّلها من جديد مختلفة عمَّا كانت. إنها لا تُغيِّر جوهرهم بل تغيِّر مشيئاتهم، لا تسمح لعيون عقولهم أن تتمتَّع بشيء خاطئ، ولكن تكشف الغمامة التي تعمي العين العقلية. ونعمة الله تجعلهم يرون حقيقة القبح والتشوُّه الكائن في الشر، وتجعل الحق في نظرهم يضيء بجمال حقيقته.

17 – أترون كيف أن المعلِّم يخلق كل يوم خليقة جديدة؟ وإلاَّ فمن هو هذا الإنسان الذي أقنع ذلك الذي عاش في نقع شهواته التي لهذا العالم وعَبَد الحجر والخشب معتقداً أنها آلهة، حتى يقوم فجأة ويرتفع إلى أعلى الحق ويعود يحتقر ويرذل كل هذه المسرَّات ويرى أن الحجر حجر والخشب خشب ويعود يعبد خالق كل شيء واضعاً إيمانه فيه فوق كل ما في هذه الحياة؟

16 – أرأيتم لماذا الإيمان في المسيح والعودة إلى الحق تُدعى خليقة جديدة؟ أنا أنصحكم أنتم الذين استُنرتم وانفتحتم على الطريق، والذين لتوّهم ذاقوا خيرية المعلِّم أن نسمع كلنا لنصيحة الرسول: «الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديداً».

ليتنا ننسى كل الماضي، وكمواطنين في عالم جديد ليتنا نعيد تشكيل حياتنا ونعتبر كل كلمة وكل عمل هو لمجد ذلك الذي يحيا فينا.

 

 

من العظة السادسة([12]) 

 

المعمَّدون الجدد ينبغي أن يبقوا جدداً كل الحياة:

21 – أقصد بالمعمَّدين الجدد كل الذين تعمَّدوا حتى منذ سنة أو أكثر، الذين استحقوا العطية أي الروح القدس. لأن لقب “المعتمد” هو عنوان يظل جديداً بطبيعته، وعلينا أن نستمتع بهذا اللقب مدى الحياة، لأن جدَّة الحياة التي دُعينا إليها لا تعرف القدم ولا تخضع للقدم، لا تعرف اليأس أو القنوط، أو يمكن للزمان أن يخفيها أو يطغي عليها المرض. فالمعمودية جديدة ولا تستسلم لشيء ولا تُقهر إلاَّ بالخطية، فالخطية إذا مسَّتها جعلتها تحس بثقل السنين.

22 – الخطية هي أثقل كافة الأحمال: اسمعوا إلى النبي الذي يقول: «لأن آثامي قد طمت فوق رأسي كحمل ثقيل أثقل مما أحتمل» (مز 4:38)، وليست الخطية حملاً ثقيلاً فقط ولكنها فاسدة الرائحة جدًّا. اسمع باقي ما يقوله المزمور: «لقد أنتنت قاحت حبر ضربي من جهة حماقتي» (مز 5:38). هذه هي الخطية ليست حملاً ثقيلاً فقط بل رائحتها نتنة لا تُطاق! ثمَّ اسمع السبب والمنبع «من جهة حماقتي»، فالحماقة هي إذن أصل للخطايا والشرور. ويمكن لرجل شاخ وشاخت أيامه بحسب الجسد أن يكون شاباً ومولوداً جديداً، بحسب الروح وبجمال النعمة التي عليه. كذلك قد يكون شابٌ قليل الأيام ولكنه شاخ وانحنى تحت ثقل الآثام. وهكذا حيثما وَجدت الخطية منفذاً فإنها تجلب العار والقبح.

23 – من أجل هذا أنا أعظ المولودين حديثاً والمولودين قديماً. فالذين قدمت معموديتهم أنا أشجِّعهم أن يغسلوا ما ألمَّ بهم بالدموع والاعتراف والتوبة سيِّدة العودة، ليتخلَّصوا من الفساد الذي ألمَّ بهم. أمَّا المعمدون حديثاً فأنا أشجِّعهم أن يحتفظوا بلمعان حياتهم ويتحفَّظوا على جمالهم الروحي حتى لا تلحقهم لطخة تجعلهم في مستوى عدم الطهارة. انظروا إنساناً لابساً حُلَّة جديدة أنيقة كيف يمشي محترساً لئلاَّ يلحقها من السوق ما يُتلف جمالها مع أن هذا لا يُسيء إلى نفسه. لأن الحُلَّة تتغيَّر إن لم يكن بالعث فبالزمن، فإذا اتَّسخت تُغسل، أمَّا النفس إذا اتَّسخت إن كان من اللسان أو الفكر، حينئذ تكون مرفوضة ويثقل حملها مرَّة أخرى.

 

24 – لهذا احتفظوا بثوب زيجتكم بأصالته وجماله حتى تدخلوا به الزيجة الروحية العليا، حتى تبقى وتدوم وليمتكم بأسرارها لتحيوا ساهرين إلى مدى الزمان، حافظين ثوب عرسكم مشعاً بلا فساد.

25 – بهذا تجعلون العريس يقبلكم بكل المحبة وتضيئون على مدى الزمان، لأن النعمة تزداد بالسهر والمحبة والعمل الصالح. فلنتحفَّظ على ما أخذنا لنستحق حب المحسن إلينا بنعمة ومحبة ابنه الوحيد ربنا يسوع المسيح الذي له مع الآب والروح القدس المجد والقوة والكرامة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

 

من العظة التاسعة([13]) 

للذين يتقدَّمون للمعمودية

لماذا تُسمَّى المعمودية غسل الميلاد الثاني وليس غسل مغفرة الخطايا؟

 

1 – كم أحببت واشتقت إلى إخوتي الجُدد، وأنا أقول إخوتي منذ الآن من قبل وقت ميلادكم الجديد. وأنا أفرح بعلاقة القربى بيننا وحتى قبل أن تولدوا، لأني أعلم إلى أي درجة من الكرامة وإلى أي آفاق ستدخلون، فلن تدخلوا إلى مستوى فقير بل إلى الملكوت، ملكوت السموات! لذلك فأنا أتوسَّل إليكم أن تذكروني حينما تأتون إلى الملكوت.

2 – وكما قال يوسف لرئيس سُقاة فرعون: اذكرني عندما تسير الأمور حسنة معك. هكذا أقول لكم. فإني جئت لأشرح لكم أمور السماء وأحضر لكم أخباراً سعيدة عن تلك البركات: ما لم تسمع به أذن أو تراه عين ولا خطر على قلب بشر، هذه هي الأمور التي أعدَّها الله للذين يحبونه (1كو 9:2). وها أنا أقول لكم: بعد ثلاثين يوماً يدعوكم الملك إلى موطنكم الحقيقي، إلى أُورشليم الحرَّة، إلى المدينة السماوية، حيث يُعطي الملك نفسه في أيديكم الكأس المهولة المملوءة قوة والأثمن من كل خليقة.

3 – الذين نالوا العماد يدركون مدى قوة هذه الكأس، وستعرفون أنتم أيضاً بعد قليل عندما تلبسون الحلة الملكية وتدثّرون بالقرمز الذي انغمس في دم المعلِّم، وتضعون على رؤوسكم الإكليل الذي يضيء من كل ناحية أكثر من الشمس، هذه هي هدايا العريس أكثر مما نستحق ولكنها مناسبة لجوده.

المعمودية غسل الميلاد الثاني:

12 – دعوني أخبركم أولاً بأسماء الغسيل السرِّي لأنه ليس له اسم واحد ولكن له أسماء بطرق متنوعة. هذا الحميم يُسمَّى: “غسل الميلاد الثاني Regeneration = Paliggenes…aj”. لقد خلَّصنا كقول القديس بولس: «لا بأعمال في برٍّ عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلَّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس» (تي 5:3). وتسمَّى أيضاً: “استنارة”: «تذكَّروا الأيام السالفة التي فيها بعدما أُنرتم صبرتم على مجاهدة آلام كثيرة»، وأيضاً «لأن الذين استُنيروا مرَّة وذاقوا الموهبة السماوية
وصاروا شركاء الروح القدس وذاقوا كلمة الله الصالحة وقوَّات الدهر الآتي وسقطوا لا يمكن تجديدهم أيضاً للتوبة»
(عب 6: 4-6)، وتُدعى أيضاً “معمودية”: «لأن كُلَّكُم الذين اعتمدتُم بالمسيح قد لبستُم المسيح» (غل 27:3). وسُمِّيت “دفناً”: «لأنكم دُفنتم معه بالمعمودية للموت». وتُدعى أيضاً “ختاناً”: «وبه أيضاً ختنتم ختاناً غير مصنوع بيد، بخلع جسم خطايا البشرية، بختان المسيح» (كو 11:2). وسُمِّيت صليباً: «عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليبطل جسد الخطية، كي لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية.» (رو 6:6)

من العظة العاشرة([14])

زمـن المعمودية([15]):

5 – لماذا اختار آباؤنا القديسين هذا الزمن بالذات – زمن الفصح والقيامة – لم يكن السبب في ذلك أمراً بسيطاً مع أن النعمة هي النعمة وهي لا تتأثَّر بالزمن، لأن النعمة من الله. ولكن ملاحظة الزمن المناسب له علاقة بمعنى سر العماد. فلماذا إذاً كرَّس آباؤنا هذا العيد للعماد في هذا الوقت؟ لأن ملكنا الآن انتصر وغلب في حربه ضد الأعداء وكل الشياطين. والآن قد ألغى الخطية ومحا الموت وأخضع الشيطان وأخذ أسراه.

6 – لهذا كان هذا اليوم: فنحن نحتفل اليوم بنصرة الملك، ولهذا السبب قرَّر آباؤنا أن توزَّع هدايا الملك في عيد نصرته، لأن هذه هي عادة الملوك أن يوزِّعوا الكرامات في يوم انتصارهم.

7 – لهذا حرص آباؤنا أن يحتفلوا بالمعمودية في هذا اليوم لكي يذكِّروكم بالمعلِّم في يوم نصرته، ولكي يتزيَّن الاحتفال بالعيد بمن لبسوا الثوب الأبيض اللامع وقد صاروا شركاء المعلِّم، لأن القديس بولس يقول: إنه صُلب على خشبة فنحن نُصلب معه في المعمودية، لأن المعلِّم قال إن المعمودية هي صليب وهي موت.

 

المعمودية صليب وموت وقيامة:

8 – يقول القديس بولس الرسول: «أم تجهلون أننا كل مَنْ اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته. فدفنَّا معه في بالمعمودية للموت» (رو 3:6و4)، وأيضاً: «إنساننا العتيق قد صُلب معه ليبطل جسد الخطية، كي لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية» (رو 6:6). إذن، ينبغي أن لا نفزع حين نسمع عن الموت والصليب لأن الصليب هو موت الخطية.

9 – أرأيتم كيف أن المعمودية هي صليب، حتى أن المسيح نفسه دعا المعمودية صليباً([16]): «لي معمودية اعتمد بها» (لو 50:12). وما دليلنا أنه يقصد بالمعمودية الصليب؟ ذلك لأنه لمَّا جاوب على سؤال التلميذين وأمهما أن يجلس الواحد عن يمينه والآخر عن يساره قال: «لستما تعلمان ما تطلبان. أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا وأن تصطبغا (تعتمدا) بالصبغة (لمعمودية) التي أصطبغ (أعتمد) بها أنا» (مر 10: 38و39). أترى كيف أنه يدعو الصليب معمودية، والآلام يدعوها كأساً؟

10 – قال ذلك لأن دمه المتفجِّر على الصليب كان عتيداً أن يغسل ويصبغ العالم كله، لذلك يقول ق. بولس إننا اتحدنا معه بشبه موته في المعمودية. ولم يقل موته ولكن بشبه موته، لأن الموتين ليسا لشيء واحد، فموته هو موت الجسد وموتنا نحن هو موت الخطية.

11 – ولكن شركتنا في موته ليست لأجل الحزن، فبعد قليل ستشتركون أنتم أيضاً في عطاياه وبركاته (فموته وصليبه كان ألماً وحزناً أمَّا شركتنا في صليبه وموته فهي خلاص وفرح وسلام). والقديس بولس يقول: «إن كنَّا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضاً معه» (رو 8:6). لأن في معموديتنا يوجد موت ودفن وقيامة في آن واحد، والذي يعتمد يخلع إنسانه العتيق ويلبس إنسانه الجديد ويقوم «كما قام المسيح بمجد الله الآب» (رو 4:6). أرأيت كيف يدعو القديس بولس المعمودية قيامة أيضاً؟!

([1]) St John Chrysostom, Baptismal Instructions, Ancient Christian Writers, vol. 31, New York, 1963.

([2]) Jean Chrysostome, Huit catéchèses baptismales inédites, Sources chrétiennes 50, Paris, 1957.

([3]) وقد صدرت لهما ترجمة إنجليزية منذ القرن الماضي في مجموعة: NPNF, 1st series, vol. IX, pp. 159-171

([4]) St. John Chrysostom, Baptismal Instructions, Ancient Christion Writers, vol. 31, pp. 23ff.

([5]) St. John Chrysostom, Baptismal Instructions, Ancient Christian Writers, vol. 31, pp. 43 ff.

([6]) نص الدعاء والاستدعاء الذي يُقال في صلاة طقس الإكسورسزم بحسب الخولاجي البربريني:

(F.C. Conybeare and A.J. Maclean, Rituale Armenorum, Oxford, 1905, pp. 392-393).

[الله القدوس الذي نعتبره برعدة ونرفعه في مقامه وتوقيره الأعلى غير المدرك في جميع أعماله وقوته، قد سبق وعيَّنك أيها الشيطان للغضب والعقاب الأبدي وهو يأمرك بواسطتنا أنتَ وأعوانكَ وكل قدرة تعمل معك أن تبتعد بعيداً عن الذين قبلوا علامة الصليب باسم الرب يسوع المسيح إلهنا الحقيقي. وأنا آمرك أيها الكلي الشر النجس والكذَّاب، الروح المعادي، آمرك بقوة يسوع المسيح الذي له كل السلطان مما في السماء وعلى الأرض، اترك واذهب بعيداً عن الذين استعدوا لنوال حميم العماد المقدَّس. آمرك بآلام مخلِّصنا الرب يسوع المسيح وبثمن جسده ودمه وبحق مجيئه المخوف لأنه سيأتي على السحاب ويدين الأرض ويدينك أنت وكل قوة تعمل معك إلى جهنم النار وإلى الظلمة الخارجية حيث الدود الذي لا يموت والنار التي لا تُطفأ].

([7])  Ibid., pp 56 ff.

([8])  Ibid., pp 66 ff.

([9]) تعبير القديس يوحنا ذهبي الفم عن الكنيسة أنها “أُم” تعبير محبَّب إليه في كل تعاليم المعمودية. والمعمَّدون ليلة عيد القيامة يُعَيِّدون بالمئات وفي المدن الكبرى بالآلاف. وفي سنة 404م في القسطنطينية كان المُعمَّدون في العيد ثلاثة آلاف نفس كما ذكر بالليديوس (Dialogus 9, PG. 47, 33,34). وفي أنطاكية ليس أقل من ذلك حيث كان تعداد الأرثوذكس فقط 100.000 نسمة. والكنيسة هي أُمنا لأنها هي التي أحضرتنا إلى العالم الروحي والمسيح هو والدنا.

([10]) من أقوال القديس يوحنا ذهبي الفم بخصوص أن الميلاد الروحي بلا ألم:

+ [من إحسانات هبة الله أنها تضع رجالاً بلا عرق] (العظة التاسعة للمعمَّدين: 19 ACW, vol. 31, pp. 137,138).

وأيضاً:

+ [يا للطلقات الطاهرة التي للولادة الروحية! يا للميلاد الروحاني الصانع أولاداً جدداً! هنا حمل بلا رحم وولادة بلا بطن وحمل أطفال بلا لحم، فحمل أطفال الروح هو بنعمة الله وإحسانه. والميلاد الروحي ملؤه الفرح والتهليل. أمَّا الميلاد من الجسد فيبدأ بالدموع وينتهي بالصراخ، والدخول إلى الحياة في العالم من خلال الدموع وكأن الطبيعة تتنبَّأ بما هو آتٍ. قبل الخطية والسقوط قال الله: «أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض»، ولكن بعد الخطية: «تكثيراً أُكثر أتعاب حبلك بالوجع تلدين أولاداً» (تك 16:3)، فكان الحمل والولادة عقاباً. دموع في الميلاد ودموع في الممات. وقماط في الميلاد وقماط في الممات. أمَّا ميلاد الروح فيولد مسلَّحاً للعراك مع العدو حرّ اليدين والرجلين. لا دموع بل تهنئة وحب.] (In prin. act. 3, cited in ACW, vol. 31, p. 245).

([11]) ذهبي الفم يعتبر القديس بولس نموذجاً للمعمَّدين جميعاً، وذهبي الفم يبجِّل ق. بولس ويحبه كرسول للأُمم بدرجة لا يمكن مقارنتها بين جميع آباء الكنيسة. وقوله: [ أنا أحب جميع القديسين أمَّا بولس فهو فوق الجميع، الإناء المختار البوق السمائي الذي قاد الكنيسة كعروس لعريسها] (في شرحه للرسالة الثانية لأهل كورنثوس 1:11). لذلك يعتبر ق. بولس نموذجاً للموعوظين والمعمَّدين: [كونوا مثل بولس الذي بجهاده وغيرته وشوقه تاجر في مواهبه التي أُعطيت له وربح] (في مقدِّمة أعمال الرسل)، [فور خروجه من ماء المعمودية انطلق في الحال يجاهد ويقود المعركة] (عظة في قيامة الرب). [بولس كان عظيماً في معموديته ولكنه صار أعظم حينما أخذ يبشِّر ويُفحم اليهود] (العظة الخامسة للمعمَّدين). ومن محبته لبولس الرسول التمس له العذر في سلوكه السابق بقوله: إنه فعل بجهل وعدم إيمان، التي قالها ق.بولس نفسه. وهنا يعطي ذهبي الفم صورة متفائلة للغاية للعناية الإلهية: إذا كانت نفس لها نية صالحة لا يتركها الله ولكنه يقودها بعيداً عن طريق الخطأ.

 ([12])Ibid., pp 101 ff.

 

([13])  Ibid., p 131.

([14])  Ibid., pp. 149 f.

([15]) ما أن دخلت الكنيسة القرن الثالث حتى صار ميعاد المعمودية في جميع كنائس العالم في أيام أسبوع الآلام الأخيرة وتكمل في ليلة عيد القيامة. وذلك في زمن تكاثر فيه عدد الموعوظين بدرجة عالية. وقد وجد الآباء مناسبة رمزية كبيرة في زمن القيامة. فهو زمن نصرة المسيح وغلبته على الخطية والموت والشيطان. وأسبوع الآلام هو زمن تسليم هذه المواهب التي اكتسبها المسيح وأهمها الصلب والموت والقيامة. فكان أنسب زمن موافق لمعنى المعمودية وقيمتها وهدفها، التي أهم ما فيها خلع العتيق ولبس الجديد ليقوم الإنسان الجديد مع المسيح. علماً بأن العقيدة اللاهوتية للمعمودية هي الموت مع المسيح والقيامة مع المسيح، فصارت القيامة هي الزمن المستقر في الشرق والغرب ( Ibid., p. 306, n.20).

([16]) يشرح القديس يوحنا ذهبي الفم المعنى في موضع آخر (العظة العاشرة في شرح رسالة رومية NPNF, 1st ser., vol. XI, p. 405):

[ماذا يعني بولس أننا اعتمدنا لموته؟ يعني أننا نموت (في المعمودية) تماماً كما مات هو، لأن المعمودية هي صليب، لأن المعمودية هي بالنسبة لنا تماماً كالصليب والموت بالنسبة له. هو مات ودُفن بالنسبة للجسد ونحن نموت ونُدفن، إنما كلاهما موت ولكن ليس للشيء نفسه. فموت المسيح كان موت الجسد وموتنا نحن هو موت الخطية].

 

زر الذهاب إلى الأعلى