جرن المعمودية 

لجرن المعمودية Baptistery كرامته، لأنه رحم الكنيسة الذي يلد بنيها. والمعمودية هي باب الأسرار وقد استمد السر فاعليته من عماد الرب نفسه في مياه الأردن مكملا كل بر الخلاص، وكذلك من أمره الإلهي: «عمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس …» (متی ۱۹:۲۸). 

ولقد مارست الكنيسة المعمودية أولاً في الهواء الطلق، في الأنهار أو البحار أو الينابيع. ويؤكد هذا كتابات القرنين الأول والثاني. فذكر العلامة ترتليان (١٦٠-٢٢٥م) أن القديس بطرس الرسول كان يعمد في نهر التيبر. وتذكر الديداخي، وهي كتاب يعود إلى أواخر القرن الأول الميلادي: «أما بشأن العماد، فعمدوا هكذا بعدما سبقنا فقلناه، عمدوا باسم الآب والابن والروح القدس، بماء جار. وإن لم يكن لك ماء جار، فعمد بماء آخر، وإن لم يمكنك بماء بارد فبماء ساخن» (۱:۷:۲). 

أما المعموديات داخل الكنائس فقد وجدت بها بعد أن تمكن المسيحيون من بناء كنائس بعد انقضاء زمان الاضطهاد، وكثير من هذه المعموديات يعود تاريخها ما بين القرن الخامس والقرن التاسع، وأكبر عدد منها وُجد في غرب الدلتا، ومنطقة أبو مينا، وجميعها ملحقة بالكنائس، وهي ليست مبنى منعزل عن الكنيسة، وهي الملاحظة الهامة التي نجدها دوماً في كنيسة مصر. 

ولحجرة المعمودية بابان واحد تجاه الغرب يدخل منه طالبو العماد، والآخر ناحية الشرق يعبر منه المعمدون الذين استنيروا متجهين صوب المذبح حيث يشتركون في سر الإفخارستيا بعد أن صاروا بنين الله

ومن كتابات آباء الكنيسة في القرن الرابع نفهم أن مبنى المعمودية كان منفصلا عن مبنى الكنيسة . ولعل أهم وصف هو ما يذكره القدّيس كيرلس الأورشليمي (۳۱٥ – ۳۸٦م) في مقدّمة تعليم الموعوظين، حيث يشير إلى الغرفة الكبيرة بالمعمودية. والتعبير اليوناني نفسه يؤكد أنها شئ ضخم. ففيها يتم جحد الشيطان والاعتراف بالإيمان. ومن وصف المؤرخ يوسابيوس القيصري (٢٦٠ – ٣٤٠م ) لكنيسة القديس بولس في صور يذكر مبنى المعمودية كبناء مستقل متصل بمبنى الكنيسة نفسه وملحق بها. والأسقف باولينوس Paulinus أسقف نولا Nola يمدح صديقه النبيل ساويرس الذي “بنى كنيستين ومعموديّة واحدة ملحقة بها، ومتصلة بها”. 

وبحسب شهادة القدّيس أغسطينوس (٣٥٤-٤٣٠م) نعرف أنه كان لكنائس شمال أفريقيا غرفتان منفصلتان للمعمودية، واحدة للنساء وأخرى للرجال. وهذا بعكس ما كانت تمارسه كنيسة أورشليم، إذ لم يرد أي إشارة عنها تفيد عن فصل الرجال عن النساء. 

وجرن المعمودية كما هو ظاهر من بقايا الكنائس القديمة على طول ساحل أفريقيا الشمالي، حيث كنائس المدن الخمس الغربية التابعة لكرسي ،مارمرقس، هو حوض عميق يصل أحيانا إلى مترين وبدرجات سلم حجري في داخل جرن المعمودية نفسه. 

وجرن المعمودية في كنائس مصر يكون عادة مربع الشكل أو مستطيل. ويمكن النزول إليه بسلالم من الناحيتين، وأحيانا أخرى بسلالم من الأربع جهات كما في معمودية قفط مثلاً، وذلك لعماد البالغين. 

ومع أنه في سائر كنائس العالم كانت المعمودية أصلا خارج مبنى الكنيسة، إلا أنه في مصر ، كان الأمر مختلفا صونا لقدسية السر. ولكن التقليد القديم يقول كما يذكر القديس يوستينوس الشهيد (١٠٠-١٦٥م)، والعلامة ترتليان (١٦٠ – ٢٢٥م) أن المعمودية كانت خارج الكنيسة، إلا أن كل الشواهد تدل على أن كنيسة مصر لم تتبع هذا التقليد. ففي العصور المسيحية الأولى، كان جرن المعمودية يوضع في الفناء الداخلي المقابل للكنيسة، أي الرواق وحوض اللقان في الكنيسة القبطية ربما يكون هو الأثر الباقي لهذا التقليد القديم، لأنه يقع فعلا في هذا المكان بالنسبة لنظام بناء الكنيسة القبطية. 

ولازال جرن المعمودية الضخم في كنائس أبي سرجة وأبي سيفين والعذراء بحارة زويله، يغوص في أرضية رواق الكنيسة في مؤخرتها من الجهة الغربية. وعن هذا الرواق أيضا والذي يحوي جرن المعمودية نجد أن كنيسة الدير الأبيض بالقرب من سوهاج والتي تعود إلى القرن الخامس الميلادي تتميز بوجود مدخل غربي في الوسط، ورواق منفصل تماماً عن الأجنحة والصحن بحائط به باب واحد في وسط الحائط الشرقي للرواق يسمح بالدخول إلى الكنيسة. وقد اشتمل هذا الرواق في الماضي على جرن جميل للمعمودية، وهي مازالت حتى اليوم واحدة من أعظم آثار الطقس المسيحى القديمة. 

ولا يوجد مذبح في غرفة المعمودية، ولكن نلاحظ وجود ارتداد دائري في حائطها الشرقي مثل شرقيَّة الهيكل تماماً. وفي هذا الارتداد ترسم صورة للسيّد المسيح وهو يعتمد بيد يوحنا المعمدان في نهر الأردن. 

ولكل معموديّة بعض الأدوات الخاصة بها، مثل صليب معدني غالباً من الفضة ومنجلية للقراءة، وشمعدان للإضاءة أثناء ممارسة السر، ودولاب صغير لحفظ كتاب الخدمة، والزيوت المستخدمة في السر المقدس. وبحسب العادة القديمة يخصص للنساء مكان منفصل بحجاب بسيط داخل غرفة المعمودية

زر الذهاب إلى الأعلى