الرجل الذي رأى الله

 

البُعدَة المحبطة

عندما خرج السيد سمعان من بيته حاملاً تحت إبطه منشاره، وفي يده قدومه، تعلقت به ابنته مرثا حتى نهاية الحارة، وهي تلح عليه بإحضار ثوب العيد الأحمر معه عند عودته.

كانت عيناها حمراوين من فرط البكاء، وقد كست الكآبة والأحزان وجهها فبدت كالزهرة الناضجة التي ذبلت أوراقها. ونظر إليها وقلبه يتمزق، واغتصب ابتسامة وكانت مريرة، وهز رأسه وقال وهو رأسه يدور: «حاضر». وشعرت الطفلة ببعض الطمأنينة، فعادت إلى أمها وقد كفكفت دمعها، عاذة بأحلامها الصغيرة.

ومضى السيد سمعان في طريقه، لا يلوي على شيء، ودمعة حارقة تود أن تفر من عينه. وتمنى من كل قلبه أن يبكي، ولكنه لم يستطع، فقد تحجرت الدموع في مآقيه. ولأول مرة شعر بضآلته وضعة شأنه؛ فهو لا يقدر أن يسعد ابنته، ويحيل دنيانا إلى نعيم. ما ذنب الطفلة البريئة؟ كل رفيقاتها الصغيرات على وجوههن البشر والترحاب بعيد القيامة، يملأن البيوت والحارة بفرحتهن وتهليلهن باليوم المرتقب السعيد. ونكس رأسه بالهواجس: نعم، كيف يحقق لابنته ما تريد؟ إن رزقه القليل بالكاد يفي بالخبز الجاف… فأين المعجزة؟

صلاة المحتاج

ورفع وجهه إلى السماء وقال في انكسار: «ألست أنت القائل يا رب: اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم؟»

موسى يتسلم لوحي الشريعة
موسى يتسلم لوحي الشريعة

وأضاف في تأكيد: «إنك تطعم الطيور التي لا تزرع ولا تحصد، فكم بالحري أن تطعميني وأنا أكدح وأعرق طوال أيامي من أجل حصاد قليل لا يشبع؟»

كان السيد سمعان أيام زمان، إذا ما مزقه الشقاء وانتابه الهم والغم وأشرف على اليأس، هرع إلى أمه. وكانت امرأة صالحة، تتكلم رغم جهلها بكلام الإنجيل، فقد كان أبوها عريفاً في كنيسة «السيدة بربارة» بمصر القديمة، فنشأت فيها الإيمان العميق. وكانت تقول الأمثال: «قرّة العين تهب الحكمة».

ذكرى الحكمة والسلوى

كانت تمسح دمعه، وتخفف من شجنه، وتقول له: «يا بني، منذ الأزل الورد ورد والشوك شوك. لا الحلو صنع نفسه حلواً، ولا المر صنع نفسه مراً. ونحن البشر كهذا الورد، كهذا الشوك، كهذا الحلو، كهذا المر. قدرنا مكتوب على جباهنا ولا مفر. بعضنا من المهد ينعم بجنته، وبعضنا الآخر من أحشاء أمه يحمل جحيمه على ظهره. هي حكمة لا نعرفها ولن نعرفها. هي إرادة الله عز وجل، والله لا يريد بعباده شراً، فقد خلق الإنسان على صورته».

وتصمت لحظة وتعود تقول: «إن في ذلك، بلا شك، ميزان الحياة، ليستقيم فيها كل شيء. فالغالب يكمله المغلوب. فطوبى لمن يرضى بنصيبه المقسوم، فإن أجره عظيم. انظر إلى ملك الملوك، جاء فقيراً وذهب فقيراً. ألم يقل المسيح على الملأ جهاراً نهاراً: «مملكتي ليست من هذا العالم»؟ ونحن الفقراء نتعزى بكلام المسيح، فملكوتنا ليست أيضاً من هذا العالم».

ويحس سمعان بالراحة والأمان. فأيام المرء على الأرض قصيرة، أما حياته الأخرى فأبدية، حياة بلا نهاية. وهناك ما لا يخطر على بال إنسان، هناك ما لم تره عين، وما لم تسمعه أذن. فكيف يبيع الآخرة بالدنيا الزائلة؟ ليكن مثل أيوب الذي جربه الرب فابتلاه بكل المصائب، ولكنه ازداد تمسكاً به، ونعم بملكوت السموات في أحضان إبراهيم وإسحاق ويعقوب.

يرسم سمعان على صدره شارة الصليب، فيهرب من داخله الشيطان. ولكن أين أمه الآن؟ أين هي لتمسك بيده تخرجه من ظلمة الهم إلى نور اليقين؟ أين هي لتشد من أزره في محنته، وتعينه على الصعاب بكلامها الذي مثل البلسم الشافي لكل الجراح؟

لقاء الأمل غير المتوقع

وفتح دكانه الصغير في صمت. كان يود أن يتوارى من جاره الكوَّاء الذي يداينه بخمسين قرشاً، طال وقت دفعها له. ولكن الكوَّاء خرج إليه وقال مبتسماً: «أكثير عليك أن تقول: صباح الخير؟».

«لا مؤاخذة، اعذرني، عندي ما شغلني عن تحيتك».

«الحال من بعضه. ألقِ بأحمالك عليه. قل يا رب».

«قلتها كثيراً».

«الكفر يا رجل، هذا ما أخشاه».

«معاذ الله! ابنتي…».

«أعرف. ما ذنبها؟ كل شيء يدبر».

«كيف؟».

«هل أنت تعلم علم الغيب؟ هذا ملكه».

وجلس العم رزق الكوَّاء يقص عليه حلماً رآه في المنام، وضحك الرجل من كل قلبه، وقال له: «أؤكد لك بأنك سترى خيراً عميماً هذه الأيام. إن أحلامي لا تنزل إلى الأرض».

وقام العم رزق إلى عمله، وهو يقول له: «سأرسل لك الشاي».

«لا أعرف كيف أرد جميلك».

وربت الكوَّاء على كتفه في حنو وإخاء، وقال في وداعة: «كلنا أخوة في المسيح».

الليل والضياع

ونزل كلام العم رزق على سمعان برداً وسلاماً، فرسم على صدره علامة الصليب، وألقى بكل أثقاله على الله.

وحل المساء. وعَدَّ سمعان نقوده، كانت قليلة لا تسمن ولا تشبع. وانقبض قلبه، وانتابه الذعر والقلق والأسى من جديد.

وأغلق دكانه. كان لا يدري أين يذهب وإلى أين يتجه. ليس في مقدوره أن يعود إلى بيته، حيث تنتظره ابنته عودته بفارغ الصبر. ماذا يقول لها؟ هل يقول إنه عجز عن تحقيق أملها الصغير؟ ستقابله حتماً بالعويل والبكاء والصراخ، ستقضي ليلة ليلاء. وهو لا يستطيع أن يحتمل آلامها. إن دموعها كقطرات من الجمر تنزل على قلبه كالشواظ تحرقه وتشويه.

نعمة مرثا والمعاناة الجديدة

وإن مرثا جاءته على نهاية الأيام، بعد أن ملأ قلبه وقلب امرأته اليأس من الخلف وإنجاب الأولاد. لم يصدق زوجته عندما أسرت إليه ذات يوم بأنها حامل، فضحك ساخراً. ظن أنها تداعبه، قال لها يمازحها: «أتضحكين على ذقني في آخر الزمن؟».

وابتسمت زوجته ملأت ثغرها ابتسامة مشرقة، وقالت: «نذرت نذراً للعذراء. سرت إليها على قدمي من هنا إلى كنيستها في الزيتون، وناديت عليها من كل قلبي: يا أم المكلوم المحروم. وهناك، في المذبح المقدس، برق فجأة نور ساطع قوي، وتملكتني الرجفة، وغمرتني الرهبة، اصطكت أسناني، وارتعشت رعشة المحموم. وكأن يداً حانية كجناح الطير تلمسني. وذهب النور كما جاء، ليسكن قلبي ليضيء أعماقي بالإيمان الراسخ العميق».

وحدثت المعجزة فعلاً! الشجرة العقيم أثمرت أخيراً. وأنتِ يا مرثا، إلى الأبوين الفقيرين، كالنبراس تهدي قلبيهما إلى مرفأ الرضى.

وقال في نفسه متبرماً: «ليتها ما جاءت! ليتها ظلت في طيات المجهول كما كانت. حرام أن تتعذب دون ذنب ودون جرم».

وثقل رأسه بالمخاوف، وغامت عيناه، وشعر بالأرض تميد به.

المفاجأة الإلهية

وتحامل على نفسه، وجرَّ قدميه جراً، وسار في الطرقات على غير هدى. يدخل شارعاً ليخرج من آخر، بلا هدف أو غاية. كان يود أن يهرب من شيء ملح يمسك بتلابيبه يحيل دنياه إلى جحيم.

كانت المدينة الكبيرة تموج بالحركة والضوضاء، الناس كأنهم في يوم الحشر. الأنوار تسطع هنا وهناك، الحياة تشرق بكل معانيها على كل الوجوه. الأطفال في رفقة آبائهم يبتاعون لهم كل احتياجاتهم من ملابس وأحذية ولعب وحلوى.

هو وحده وحيد، لا أحد يحس به، لا أحد يشعر بما يشقيه. الكل عنه لاه، الكل عنه مشغول. أيصرخ في هؤلاء القوم قائلاً: رفقاً بي؟!

كل شيء يخرج له لسانه في شماتة. أثواب العيد من مختلف الألوان تطل عليه من واجهات المحلات، اللعب والأحذية والجوارب وشتى المأكولات المعروضة في كل مكان تزيده هماً على هم. آه، لو يستطيع أن يبتاع لابنته السعادة المحرومة منها! إنه على أهبة الاستعداد أن يتنازل عن باقي أيامه، عن طيب خاطر، في سبيل ثوب العيد لطفلته!

تساءل في ألم: «لماذا تركتني يا إلهي؟». وسرى في جسده التعب، ولكنه لم يتوقف عن السير. متى يرحل الليل ويطلع النهار؟

الكتاب والكنز الخفي

وعلى ناصية شارع شبرا، كان هناك بائع «روبايكيا» يعرض بعض الكتب القديمة على بائع لِبّ وفول سوداني. ووقفت عينا سمعان على كتاب بينها مرسوم عليه صليب، فدق قلبه في صدره، وخاف أن يصنع الرجل منه قراطيس يبيع فيها للناس بضاعته. فهرع إلى بائع الكتب القديمة، وتناول الكتاب يتصفحه. فقال له البائع: «اقتنيته ضمن هذه الكتب والصحف من أسرة هاجرت إلى أستراليا الأسبوع الماضي».

كان الكتاب مكتوباً بلغة لا يعرفها، ومجلداً بجلدة سوداء، وفي صفحاته صوراً دينية. وسأله سمعان: «كم ثمنه؟».

«خمسة قروش… كثيراً؟ خذه بركة».

وأعطى سمعان القروش الخمسة. لم يفكر مطلقاً أنه في حاجة إلى هذه النقود. كان الشيء الوحيد الذي يهمه أن يحافظ على الكتاب الذي يحمل رسم الصليب من أي عبث.

وفي الطريق، وهو يزيل عنه الغلاف الأسود، جحظت عيناه وكادتا أن تخرجا من محجريهما، واندفعت من شفتيه شهقة دهشة وذهول. كان بين الغلاف وجلدة الكتاب ثلاث ورقات مالية جديدة، كل منها فئة عشرة جنيهات. ورفع وجهه إلى السماء، دون أن ينبس بكلمة ما، وسالت دموعه على وجهه غزيرة.

وكأنما يسمع صوت العم رزق الذي كشف عنه الحجاب يقول له: «طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله».

زر الذهاب إلى الأعلى