من أين يأتي الشر؟
لا بد وأن الشر يأتي من مكان ما، أليس كذلك؟ يقول الكتاب المقدس: «إله أمانة لا جور فيه. صديق وعادل هو» (التثنية ۳۲: ٤). ويقول أيضًا: «كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان» (يو ١: ٣). فإذا كان خالق كل شيء صالحًا وبلا خطية، كيف وُجِد الشرُّ إذن في العالم؟ ومن أين أتى؟! نحن نعرف أن الشر موجود، وأن الله من خلق كلَّ شيء فكيف نقول إن الله لم يخلق الشر؟ وإن لم يخلقه، فمن أين جاء؟
الله كلى الصلاح والقداسة، ولم يخلق سوى كائنات مثالية. ولكنه أعطى الخليقة البشرية القدرة على الاختيار، أو الإرادة الحرة. كان البشر الأوائل يتمتعون بفرصة لاختيار الثقة في الله، والإيمان بأنه صالح، ويتخذ القرارات التي في صالحهم عندما يعطيهم وصية لكى يطيعوها. ولسوء الحظ استخدموا هذا الصلاح ضد الله ؛ ما جلب الشرَّ إلى هذا العالم.
إمكانية حدوث الشر
هكذا نشأت إمكانية حدوث الشر من الله، ولكن بطريقة غير مباشرة. فقد جاء الشرُّ من سوء استخدام الخير، فيما يُسمَّى «بالإرادة الحرة». قد يكون الله مسؤولًا عن إمكانية حدوث الشر الموجود في العالم، لكنه كان اختيار البشر، الذي جعل من الشر حقيقة في العالم. يمكننا قول إن الله يعطي الاختيار الحر، لكن الإنسان هو من يقوم بهذا الاختيار الحر.
بالطبع كان الله يستطيع أن يخلق عالمًا بلا «حرية إرادة». وكان يمكن أن يكون البشر «مبرمجين» تمامًا لعمل الخير. ولكن في عالم بلا اختيارات سيضيع المعنى الحقيقي لعبارة «أحبك». كما أن الهدف والحقيقة المرضية للحب سيكون باطلاً، وبلا معنى، دون القدرة على الاختيار الحر. أراد الله منا اختبار حقيقة علاقة الحب معه. وكانت المخاطرة الكبيرة هي إمكانية حدوث الشر. ولكن المسؤولية الكبيرة في التصرف بخصوص هذه الإمكانية تقع على عاتق البشر، وليس الله.
واقعية الشر
لذلك جعل الله وجود الشر ممكنًا، لكن البشر جعلوا حدوثه واقعا. لكن ما الذي تسبب في اختيار البشر الأوائل للشر؟ في حالة حواء، اختارت أول امرأة في التاريخ البشري أن تأكل من الشجرة التي أوصاها الله هي وزوجها آدم أن لا يأكلا منها. كان آدم وحواء أول زوجين يتمتعان بقوة الإرادة الحرة. وكان بإمكانهما أن يطيعا الله، ولا يأكلا من الثمرة المُحرَّمة. لكن عندما قالت الحية، أو المُجرِّب، إن الله في الواقع لا يعرف ما يقوله، استمعت إليها حواء. وقالت لها الحية أيضًا إنها ستصير مثل الله عارفة بالخير والشر. ويقول الكتاب المقدس: «فرات المرأة أن الشجرة جيدة للأكل، وأنها بهجة للعيون، وأن الشجرة شهية للنظر. فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضًا معها فأكل» (التكوين ٣: ٦)
أعطى الله حواء كلَّ الخير، وأعطاها القدرة على الاختيار بين معرفة الصواب والخطأ وتحديد كليهما ، أو السماح لله وحده بأن يكون المُحكّم الوحيد الذي يحدد الصواب من الخطأ كان الله ، ولايزال، هو صاحب السلطان في تحديد الصواب من الخطأ. ولكن حواء أرادت أن تتمتع بهذا الامتياز، وأن تكون صاحبة السلطان الذاتي، التي لها القدرة على اختيار ما تعتقد أنه الأفضل لمصلحتها.
لتلخيص الإجابة عن السؤال الذي يستفسر من أين يأتي الشر؟ وما الذي تسبب في اختيار البشر الأوائل للشر؟ اشتهت حواء حكمة الله، وتحديده السيادي لما هو في مصلحة وخير البشر. فقد أعطى الله إلى أول زوجين القدرة على الإرادة الحرة، لكنهما اختارا اتباع رغباتهما الخاصة بدلًا من رغباته. لقد وُلِد الشرُّ من اختيار الإيمان بأن الله يحرم خليقته البشرية من الخير. ونتيجة لذلك، ارتكب البشر الأوائل خطية السيادة الذاتية في عصيان وصية الخالق.
ما هو الشر؟
اختبرت البشرية، الشرَّ، لأول مرة عندمـا مـارس أول زوجين قوة الإرادة الحرة، واختارا عدم الثقة في الله والتمرد عليه. ومنذ ذلك الحين، ونحن نعلم أن الشر موجود فما هو الشر بالضبط؟ هل الشر كيان، بمعنى أنه موجود في حد ذاته، وخارج الإرادة الحرة للإنسان؟
يوضح الكتاب المقدس أن الله خلق كل شئ (يوحنا ۱ : ۱ – ۳؛ وكولوسي ١٥:١-١٧). وإذا قبلنا حقيقة وجود الشر، فكيف يمكن القول بأن الله لم يخلقه؟ يكمن الجواب في حقيقة أن الشر ليس شيئًا أو مادة أو كيانًا يُخلق، لكنه فساد للخير الذي صنعه الله. دعنا نشرح ذلك.
صنع الله البشر، وكان هذا حسنًا. وقد تكرر هذا عدة مرات في سفر التكوين الأصحاح الأول وأعطى الله البشر، منذ البداية، متمثلين في آدم وحواء، قوة الإرادة الحرة، وكان هذا أيضًا حسنًا. وهذا يعني أن الله قد أعطاهما القدرة على «اختيار التصديق والإيمان بأنه المُحكّم الذي يفصل بين الصواب والخطأ، وأنه كان يعرف الأفضل لهما عندما أوصاهما ألا يأكلا من شجرة محددة»، وكان هذا حسنًا. لكن عندما اعتقد البشر الأوائل أن الله لا يعلم ما هو الأفضل لهم، وهو ما أفسد الشيء الحسن، وُلد الشر.
هكذا نرى أن الشر ليس مادة أو كيانا، لكنه فساد ما هو حسن وخيّر. وهذا يعني أن الشر بمثابة طفيل على الخير بعبارة أخرى، يعتمد الشر على وجود الخير، في حين لا يعتمد الخير على وجود الشر. وهكذا في الوقت الذي يمكن فيه وجود الخير دون الشر، لا يمكن أن نجد الشر دون الخير. ومثلما يتطلب «الالتواء» وجود «الاستقامة»، فإن وجود الشر يتطلب وجود الخير قبله.
أصبح الشر حقيقة عندما:
(۱) حدث رفض لِمَا قال الله إنه صواب ويستحق الطاعة.
(۲) حدثت معارضة وعصيان الله. فقد أراد الله من البشر أن يثقوا فيه ويطيعوه. وصمَّم الله كلا منا في الواقع، ليعيش حياة مُشبعة ذات معنى من خلال عبادته، والحياة معه في علاقة حقيقية وعندما اخترنا عدم الثقة فيه، والبعد عن طرقه، أصبح الشر حقيقة موجودة.