تفسير سفر القضاة ١٣ للقمص تادرس يعقوب

الأصحاح الثالث عشر

شمشون

إذ دفع الرب إسرائيل ليد الفلسطينيين أربعين سنة للتأديب، كان يعد لهم شمشون كقاضٍ يخلصهم.

  1. ملاك الرب وامرأة منوح          [1-7].
  2.  ملاك الرب ومنوح               [8-25].
  3. ملاك الرب وامرأة منوح:

 إذ عاد بنو إسرائيل يصنعون الشر دفعهم الرب ليد الفلسطينيين أربعين سنة [1]، وقد كان للفلسطينيين في ذلك الزمان حتى أيام داود شأن عظيم، وهم غرباء عن الكنعانيين، يدعون بالكفتوريين نسبة إلى موطنهم الأصلي كفتور “جزيرة كريت”.

يرى البعض أن الأربعين سنة انتهت بما ورد في (1 صم 7: 13)، فيكون عالي الكاهن قد مات نحو الزمان الذي بلغ فيه شمشون كمال الرجولية. ويرى بعض المفسرين أن شمشون قضى في أثناء أيام قضاء إيلون في شمالي فلسطين، وربما كان بدء عمله في أيام يفتاح. هكذا كان القضاة أحيانًا يظهرون في وقت واحد في مناطق مختلفة، خاصة وأن الفلسطينيين وبني عمون استعبدوا إسرائيل في وقت واحد، فجاء تاريخ يفتاح يعلن إنقاذهم من بني عمون وتاريخ شمشون يعلن معاملات الله مع شعبه بإنقاذهم من الفلسطينيين.

بدء حياة شمشون بظهور ملاك الرب نفسه، وغالبًا ما يكون إعلانًا للأقنوم الثاني، كلمة الله، جاء لامرأة منوح العاقر يعلن لها عن ولادتها لشمشون والتزامها بالاستعداد والتهيئة لمجيء هذا القاضي “شمشون” نذير الرب.

كان والدا شمشون في “صرعة”، مدينة اسمها عبري معناه (ضربة) أو (زنبور)، كانت في ساحل يهوذا ثم صارت لدان (يش 15: 33؛ 19: 41). تعرف اليوم بصرعة أو سوره، تبعد حوالي 14 ميلاً غرب أورشليم، 23 ميلاً شرقي يافا، قائمة على تل يشرف على وادي سورق أو وادي الصرار.

في صرعة وجد رجل تقي يُدعى “منوح”، وهو اسم عبري معناه (نياح) أو (راحة). ولعل والديه كانا يشعران بالمذلة لكن في رجائهما دعاه منوحًا، شوقًا إلى الراحة من الأتعاب … لكن منوحًا لم يقم بأي دور ظاهري ملموس في خلاص الشعب، إنما قدم بتقواه هو وزوجته “شمشون”، رجل الإيمان! ويمكننا القول أن منوحًا وزوجته قدما لله والجماعة المقدسة بحياتهما المقدسة وصلواتهما ثمرًا في الرب، حتى وإن كانا لم يقطفا منه في حياتهما على الأرض.

يقول الكتاب: “وامرأة عاقر لم تلد” [2]؛ وربما حكم عليها الأقرباء والغرباء بأحكام كثيرة في القلب، إذ كان العقر في نظر إسرائيل علامة غضب الله، وعارًا. لكن الله في طول أناته كان ينتظر ما أحوجنا أن نقبل الثمر من يد الله، لا خلال الطبيعة، حتى وإن تأخر، وإن كان في تأخره ما يشوه صورتنا في عيون الناس.

جاء في التلمود أن اسم زوجة منوح “هصلفوتى”، وهو اسم عبري يعني (يعطي الظل عليّ). إن كان منوح يُشير إلى النفس التي وجدت نياحها أو راحتها في الرب بالروح القدس، فإن هصلفوتي تُشير إلى الجسد الذي ينعم بظل الصليب عليه، فلا يمثل ثقلاً، ولا يبقى عقيمًا، ولا يأتي بثمر من ذاته بحسب الطبيعة إنما ينال خلال الوعد الإلهي ثمرًا روحيًا فائقًا هو “شمشون” الحقيقي أي (الشمس) الحقيقية… بتجلي السيد المسيح شمس البر فينا.

“فتراءى ملاك الرب للمرأة، وقال لها: ها أنتِ عاقر لم تلدي، ولكنك تحبلين وتلدين ابنًا” [3].

كانت المرأة في عيني إخوتها موضع عار، لكنها في عيني الله تستحق أن يظهر لها في شكل ملاك، قدر ما تحتمل الرؤية. وها هو يبشرها بنفسه: “ها أنتِ عاقر لم تلدي، ولكنكِ تحبلين وتلدين ابنًا”، وكأنه يؤكد لها أنها حسب الطبيعة لا تقدر بذاتها أن تنجب، لكن ما تناله هو ثمرة وعده الإلهي ومحبته.

أمرها ملاك الرب ألاَّ تشرب خمرًا أو مسكرًا، أي لا تشرب أي مادة تسكرها سواء من عصير العنب أو غير العنب؛ وألاَّ تأكل شيئًا نجسًا… وكأن الرب كان يهيئ لشمشون جوًا مقدسًا وهو بعد جنين في أحشاء أمه! هذا المنع لم يكن في عيني الأم حرمانًا بل مشاركة مفرحة لجنينها الذي دُعي للعمل وتهيئه له وهو بعد في الأحشاء !

بشرها ملاك الرب: “فها أنتِ تحبلين وتلدين ابنًا ولا يعلُ موسى رأسه، لأن الصبي يكون نذيرًا لله من البطن، وهو يبدأ يخلص إسرائيل من الفلسطينيين[5].

إن كان النذير بوجه عام يرمز للسيد المسيح، الممسوح لخلاصنا، فيه يشتم الآب رائحة الرضا نيابة عن المؤمنين جميعًا، لذلك فهو يمثل الرأس الذي لا يُنزع عنه المؤمنون به كشعر رأس يتحدون به ويحيون. لهذا “لا يعلُ موسى رأسه”، حتى لا ينزع المؤمنون عن الرأس.

انطلقت المرأة تخبر رجلها بما رأت وما سمعت، فوصفت له ملاك الرب الذي ظهر على شكل بشري حتى تقدر أن تعاينه وتسمع له وتتحدث معه، وقد وصفته أنه: “كمنظر الله مرهب جدًا[6]. تحدثت مع رجلها بثقة عجيبة في كلمات ملاك الرب ولم تتشك كسارة أمها. لقد ألهبت قلب رجلها نحو رؤيته حتى سأل الله أن يرسله ثانية ويتحدث معه.

  1. ملاك الرب ومنوح:

وثق منوح كامرأته بالوعد الإلهي، وصلى لله قائلاً: “أسألك يا سيدي أن يأتي أيضًا رجل الله الذي أرسلته ويعلمنا ماذا نعمل للصبي الذي يولد” [8]. لقد أخبرته امرأته بكل شيء، وكان في كلامها كل الكفاية، لكن ما طلبه الرجل ليس تأكيدًا لما تمتعت به زوجته من وعد إذ تظهر من لغته ثقته في الوعد … إنما يطلب أن يأتي ليراه ويتمتع بصوته، وينال البركة التي نالها امرأته.

حقق الله لمنوح طلبته فظهر ملاك الرب لامرأته ثانية وهي جالسة في الحقل، فأسرعت تخبر رجلها الذي دخل معه في حوار مفتوح. وإذ كرر له ملاك الرب الوعد والوصية الخاصة بابنهما، سأله كجدعون (6: 18-19): “دعنا نعوقك ونعمل لك جدي معزي[15]… لكن يبدو أن منوحًا ظنه إنسانًا – ربما نبيًا – فأراد أن يقدم له جدي المعزي كطعام مطبوخ. وقد صحح له ملاك الرب الأمر، بقوله: “ولو عوقتني لا آكل من خبزك، وإن عملت محرقة فللرب أصعدها” [16]. لا يُفهم من هذا أن المتكلم لا يقبل المحرقة، وإنما لأن منوحًا ظنه إنسانًا فلا يليق تقديم محرقة له ما لم يدرك منوح حقيقة أمره. بنفس الطريقة يقول السيد المسيح للشاب: “لماذا تدعوني صالحًا، ليس أحد صالحًا إلاَّ واحد وهو الله” (مت 19: 17)، مؤكدًا له أنه لا يليق دعوته صالحًا ما لم يعترف أولاً بلاهوته.

لقد أكد له ملاك الرب أنه لا يجوز تقديم العبادة إلاَّ لله وحده، وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [لله وحده يليق العبادة، هذا ما نعرفه من الملائكة أنفسهم، فإن كانت الملائكة أسمى من الخلائق الأخرى في المجد لكنهم خليقة لا يُقدم لهم العبادة، إنما نعبد الرب[109]].

احتار منوح في أمر المتكلم فأراد التعرف عليه من اسمه ليقدم له التكريم اللائق، قائلاً: “ما اسمك حتى إذا جاء كلامك نكرمك؟[17]. كأنه يقول له: أريد أن أتعرف عليك من اسمك حتى إذا ما تحقق كلامك ليّ ولزوجتي أرد لك الجميل حسب ما يليق بشخصك.

جاءت الإجابة: “لماذا تسأل عن اسمي وهو عجيب؟![18]، وجاءت في الترجمة السبعينية: “لماذا تسأل عن هذا؟ إنه أيضًا عجيب!”. هكذا يُدعى اسم الله “عجيبًا”، إذ جاء في أشعياء: “لأنه يولد لنا ولدٌ ونعطى ابنًا وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًا رئيس السلام” (إش 9: 6). وكما يقول القديس غريغوريوس النيصي: [نتعلم من هذا أنه يوجد اسم واحد للطبيعة الإلهية هو “العجيب” يكشف عن ما ينبع في القلب بخصوصها بطريقة لا يُنطق بها[110]]. بمعنى آخر أن اسمه “عجيب” أي فائق للإدراك والنطق يدخل بالقلب كما بالفكر إلى حالة من الدهشة والعجب.

خلال الاسم “عجيب” كُشف شخص المتكلم أنه أقنوم إلهي، لذا قام منوح ليقدم جدي معزي تقدمة له على الصخرة [19]. ما هذه الصخرة إلاَّ السيد المسيح، حيث فيه تقدم ذبائح حبنا، إذ صار هو نفسه ذبيحة حبنا.

ما أن أصعد منوح جدي المعزي والتقدمة على الصخرة حتى انسحب قلبهما إلى منظر عجيب. لقد شاهدا صعود لهيب نار من الصخرة – أي من المذبح – نحو السماء، وقد صعد ملاك الرب في لهيب المذبح، فسقطا على وجهيهما إلى الأرض [20]. امتلأ رهبة وخشية إذ رأيا ملاك الرب يرتفع إلى السماء وسط اللهيب الناري. إنها صورة حية للعمل الخلاصي بالصليب، ففيه يقدم السيد المسيح نفسه ذبيحة حب ملتهبة نارًا، خلالها يمحو كل خطايانا (جدي المعزي)، ويرتفع بنا خلال لهيب محبته كأعضاء في جسده المقدس… يحملنا معه إلى سمواته لنصير نحن أنفسنا لهيب نار أي شعلة التهبت باتحادها معه.

“فقال منوح لامرأته نموت موتًا لأننا قد رأينا الله. فقالت له امرأته: لو أراد الرب أن يميتنا لما أخذ من يدنا محرقة وتقدمة، ولما أرانا كل هذه، ولما كان في مثل هذا الوقت أسمعنا مثل هذه” [22-23].

لقد تعلم منوح من موسى أنه لا يستطيع أحد أن يرى الله ويعيش (تك 32: 2، خر 33: 20). لكن امرأته أدركت أن الله برحمته أظهر نفسه لا ليميتهما بل ليقبل محرقتهما وتقدمتهما ويريهما بعضًا من أسراره ويهبهما مواعيده. أظهر نفسه قدر ما تحتمل بصيرتهما أن تنظره، حتى ينعما بما هو لخلاصهما وبنيانهما. وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم على لسان الله نفسه: [لا أُعلن جوهري ذاته، إنما أتنازل (في رؤى) بسبب ضعف هؤلاء الذين يرونني[111]].

رأت امرأة منوح في الرؤيا ثلاث أمور: الله يقبل المحرقة والتقدمة علامة رضائه عليهما، وأنه أراهما كل هذه الأسرار علامة قدرته الفائقة التي لا تحد، واسمعهما وعده لهما بإنجاب ابن نذير له علامة حبه لهما.

بعد هذه الرؤيا ولدت امرأة منوح ابنًا دعته “شمشون”. يرى القديس جيروم أن الكلمة مشتقة من “شمس” و”أون” (أي قوة)، وكأن اسمه يعني (قوة الشمس). ويرى البعض أنها تعني (شمسي)، وآخرون أنها تعني (قوي) مشتقة من كلمة “شمم”.

تمتع منوح وامرأته بهذا المولود الذي جاء رمزًا لشمس البر، المخلص الحقيقي، يسوع المسيح، وكما يقول الكتاب: “ابتدأ روح الرب يحركه[25]

فاصل

سفر القضاة : 123456789101112131415161718192021

تفسير سفر القضاة: مقدمة123456789101112131415161718192021

زر الذهاب إلى الأعلى