تفسير سفر الحكمة ١٣ للقمص تادرس يعقوب

الأصحاح الثالث عشر

بين تأليه الطبيعة وتأليه المصنوعات البشرية

العبادة الوثنية

بعد أن أبرز في الأصحاحات السابقة حكمة الله الفائقة وحبه ورعايته للبشرية، مستخدمًا كل وسيلة ممكنة لنفعها وخلاصها، الآن يعلن مدى ما انحدر إليه الإنسان، خاصة قدماء المصريين والكنعانيين من جهة ممارستهم للعبادة الوثنية، وقد خصص لهذا الموضوع ثلاثة أصحاحات (ص 13- 15).

ويُعتبر سفر الحكمة من أكثر الأسفار التي عالجت موضوع عبادة الأوثان في شيء من التفصيل.

يقدم الحكيم ثلاثة أشكال لهذه العبادة:

  1. تأليه عناصر الطبيعة وقواها (13: 1-9).
  2. عبادة الأصنام (13: 10-15: 17).
  3. عبادة الحيوانات (15: 18- ص19).

إذ يتعرض لتأديب الله للوثنيين يقسمهم فريقين: فريق يتعبد للمخلوقات دون الخالق، أي للطبيعة، وفريق يتعبد للأوثان التي هي من صنع الإنسان.

  1. عبادة الطبيعة (13: 1-9).
  2. مقدمة لعبادة الأصنام (13: 10).
  3. صور خشبية (13: 11-14: 2).
  4. صرخة لله ضد الوثنية (14: 3-11).
  5. أصل الوثنية وشرورها (14: 12-31).
  6. صرخة ثانية لله (15: 1-6).
  7. صور فخارية (15: 7-13).

* خاتمة (15: 14-17).

في هذا الأصحاح [حك 13] يوضح الكاتب حماقة الإنسان الذي لا يميز بين الخالق والخليقة، فإذ رأى جمال الخليقة وإبداعها وقدرتها ظنها آلهة، فحوّل رجاءه عن الخالق القدير المحب إلى الخليقة العاجزة الفانية.

  1. بين التأليه والإعجاب بالخالق1-9.
  2. تأليه العمل الإنساني الميت10-19.
  3. بين التأليه والإعجاب بالخالق

بالتأكيد جميع الناس الذين يجهلون الله،

هم مغرورون طبعًا بأنفسهم،

فإنهم لم يقدروا أن يعرفوا الكائن من الخيرات المنظورة،

ولم يعرفوا الصانع من اعتبار أعماله. [1]

إذ كان الإنسان يجهل تعليل الظواهر الطبيعة، كقدرة الشمس على الإنارة، والتدفئة والتطهير وتحديد النهار والليل، وأيضًا قدرة النار على الالتهام، والبرق الذي يظهر إلى لحظات ويختفي، فيظن أن الإله غاضب على البشر الخ، هذا كله دفع البعض إلى إقامة هذه القوى والظواهر آلهة. وقد حذر الله شعبه من الاقتداء بالوثنيين في هذا الأمر: “لئلا ترفع عينيك إلى السماء، وتنظر الشمس والقمر والنجوم وكل جند السماء التي قسمها الرب إلهك لجميع الشعوب التي تحت كل السماء، فتغتر وتسجد لها وتعبدها” (تث 4: 19).

إذ سقط الإنسان في هذه العبادة، لذا وردت تسبحة الثلاثة فتية في أتون النار تعالج هذا الأمر حيث يقدم الإنسان التسبيح لله داعيًا كل الخليقة أن تتعبد معه لله.

“باركي الرب يا جميع أعمال الرب، سبحيه وزيديه علوًّا إلى الأبد… باركي الرب أيتها السماوات… الملائكة… الشمس والقمر والنجوم… الأمطار والأندية… السحب والرياح… النار والحرارة الخ.”

فإن كان الإنسان ينبهر بجمال الخليقة وقدرتها يليق به أن يسبح خالقها الذي أبدع في الخلقة من أجل الإنسان.

أغبياء هم جميع البشر الذين يفشلون في معرفة الله من خلال دراستهم لأعماله، معتبرين أعماله نفسها آلهة. حقًا إن أعماله عظيمة ومجيدة، لكن ليس من وجه للمقارنة بينها وبين صانعها. لم يقدم الكاتب براهين عقلية أو فلسفية على وجود الله حقيقة واقعة ليست موضوع نقاش وحوار، وإنما موضوع خبرة وحياة.

في جهالة أحل الإنسان جمال المخلوقات وقوتها عوض إبداع الخالق وقدرته اللانهائية.

يتحدث الله مع البشرية خلال خليقته، وكما يقول القديس بولس: “لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته، حتى انهم بلا عذر” (رو 20:1). ويقول داود النبي: “السماوات تحدث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه” (مز 1:19). وكتب البابا أثناسيوس الرسولي: [أعطى الله بكلمته (اللوغوس) المسكونة أن تكون، وذلك لكي يتمكن أن يتعرف عليه البشر من خلال أعماله، هذا الذي بطبيعته غير منظور، لأن الفنان وإن لم يُرَ يُعرف من أعماله.]

v     الخليقة ذاتها بتناغمها معًا ونظامها تعلن عن عظمة الطبيعة الإلهية[514].

الأب يوحنا الدمشقي

v     كيف أعلن الله عن نفسه؟ هل بصوت من السماء؟ ليس مطلقًا! صنع الله كرسي أبهة قادر أن يجتذب البشر أكثر من الصوت. وضع أمامهم الخليقة الضخمة، حتى يستطيع الحكماء والأميون، والسكيثيون والبرابرة أن يصعدوا إلى الله، متعلمين من خلال رؤية جمال الأشياء التي يرونها[515].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     يليق بكل الذين يعيشون على هذه الأرض أن يبدأوا باستخدام الحواس للأمور المحسوسة لكي يعبروا منها إلى معرفة الأشياء العقلية. لكن يلزم ألا تقف معرفتهم عند الأمور الحسية[516].

العلامة أوريجينوس

v     في كل الأمور المنظورة تستحوذ علينا التذكارات الواضحة لصانع الخيرات. فلا نعطي أية فرصة للخطايا، ولا نترك موضعًا في قلوبنا للعدو، وإن كان لنا الله ساكنًا فينا بتذكرنا الدائم له[517].

القديس باسيليوس الكبير

v     يسهل جدًا أن نفهم أن خالق الملائكة والرئاسات والقوات هو الذي في لحظة من قوته صنع كل هذا الجمال العظيم للعالم من العدم، إذ لم يكن له وجود، وأعطى كيانًا لأشياءٍ وعللٍ لم يكن لها وجود[518].

القديس أمبروسيوس

v     أيضًا قال النبي: “السماوات تعلن مجد الله” (مز 19: 1). هل سيقول الوثنيون عند الدينونة إنهم كانوا يجهلون وجود الله؟ ألم يسمعوا السماوات ترسل صوتًا خلال التناسق في نظام كل الأشياء، يتحدث بوضوح كما ببوقٍ؟ ألم تنظروا ساعات الليل والنهار باقية بلا تغيير، والنظام الصالح للشتاء والربيع والفصول الأخرى ثابتة لا تتحرك؟… مع هذا فإن الله لم يصنع هذا النظام العظيم هكذا ليعلم الوثنيين فيكونوا بلا عذر، وإنما وصفه لكي يأتوا إلى معرفته. لكن بفشلهم في التعرف عليه يحرمون أنفسهم من تقديم أي عذرٍ[519].

القديس يوحنا الذهبي الفم

لكنهم حسبوا النار أو الريح أو الهواء اللطيف،

أو مدار النجوم أو المياه الجارفة،

أو أنوار السماء، آلهة تُسير العالم. [2]

ما يشغل الكاتب ليس أن الله خالق فحسب، وإنما وهو الخالق يعتني بخليقته. فالحياة لا تسير مصادفة ولا حسب مصير محتم كما ظن كثير من الفلاسفة والمنجمين، فيظن البعض أن الأفلاك أو غيرها تسير العالم في أمر مُحتم، إنما الله في أبوته يرعى العالم ويعتني به.

v     حاول الوثنيون أن يبلغوا إلى السماء، لكنهم إذ حطموا النور الذي كان فيهم، وعوض ذلك عهدوا بأنفسهم للظلمة التي لتعقلهم. بحثوا عن غير الهيولي في أجسامٍ، وعن غير المحدود في أشكال مخلوقةٍ، وبهذا فقدوا انسجامهم مع النور[520].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     شرع موسى يتكلم (قائلاً): في البدء خلق الله السماء والأرض (تك 1:1)،

من بعد ذلك شرع المعلم يدوّن ما صار في أيام القدرة الخالقة الستة،

بالنبوة العالية البصر شاهد الخفيَ يدعو اللاشيء، يقوم ويصير شيئًا،

والرموز والأصوات التي وُجهت إلى الخلائق، سمعها موسى ورآها بنور النبوة،

كان قد دخل إلى كنز اللاهوت مثل قيّم ولم تُخفَ عنه ثروات القدرة الخالقة،

وكما شاهد وكما سمع في المحل السامي، وضعه في كتابه المعلم الذي يكرز عن الخلائق.

قال: في البدء خلق الله السماء والأرض، وبرهن بأن للعالم منشأ وبداية،

من جبل سيناء انزل موسى تعليمًا ممتلئًا نورًا إلى العالم الذي اظلَّم بالوثنية،

لما كان يُسجد للخلائق على اختلاف أشكالها، كانت تُحسب مثل آلهة في طبائعها،

واظلم العالم بمحبة الأصنام الباطلة، ونسيت الخليقة الباري ولم يعد يُذكر،

وسجد البشر إما للنار، وإما للمياه، وللكواكب وللحيوانات وللطيور.

القديس مار يعقوب السروجي

فإن حسبوا تلك آلهة لأنهم خُلِبوا بجمالها،

فليعلموا كم سيدها أعظم منها،

لأن الذي خلقها هو أصل الجمال. [3]

لقد خُلب البشر بجمال الخليقة، ولم يتأملوا في حب الخالق، لذلك نزل إليهم كلمة الله الخالق لكي بحبه العملي على الصليب يسحبهم من الضلالة، ويدخل بهم إلى الحق الإلهي.

v     سحابة من الأخطاء غطت قلوبهم. فإذ كان يجب عليهم أن يكرموا خالق الكل خلال المخلوقات الجميلة التي أوجدها، التصقوا بما لديهم قائلين إن الأمور التي أمكنهم رؤيتها كفيلة بخلاصهم[521].

أمبروسياستر

v     خرجت أشعتك على الجهات وأنارتها، وهوذا الشعوب تتنعم بنورك الذي أبهجها،

أشعتك بددت كل ظلمة عبادة الأصنام، وأقامت لك صورة النور بين المظلمين،

أرسلت رسالة إلى المجوس بكوكب النور، وجذبتهم وأخرجتهم من الظلمة إلى نورك،

ركض رسولك ليبشر المظلمين، فمهّد الطريق هناك لإشراقك حتى يسير فيه (زك 6: 12)…

أرسل النور ليقتل الظلمة في موضعها، ويصنع دربًا في تيه عبادة الأصنام،

ألقى شعاعًا واحدًا من أضوائه في البلد، وبإشراقه بدد ليل الضلالة القوي،

أتى لينير كل العالم بولادته، وأرسل أولاً إلى بداية الأرض (الشرق الأقصى) لتأتى عنده،

أرسل رسولاً نورانيًا وكارزين إلى البلد البعيد عن التعليم ليجلبه حتى يسترشد،

وضع على كتف الهمجيين نير الإشاعة، وسيّرهم على الدرب ليأتوا إلى خدمته…

أصنام مصر رأت المخلص وارتجفت وخافت منه، كما كُرز من قبل النبوة (إش 19:1)…

أعمدة مصر الحاملة للأصنام ارتجفت كلها بذلك الذي جاء ليكسرها بصلبه،

تهدمت كل منصات الذبائح برئيس الأحبار الذي جاء إلى الذبح حتى يبطلها،

دخل الحق وهمس (في آذان) الأصنام وأفزعها، ودعاها لتسقط ولو أنها لا تسمع،

كانت مثل هذه الأمور تقال من قبل العدالة لأصنام مصر الغنية بالسجدات:

أسقطي أيتها الضعيفة، كفى أنك انتصرت بالاستعارات، لقد جاء المسجود له، فاتركي له المكان ليقوم على مُلكه،

أيتها القشور المجففة افرغي المكان لابن الله، أيتها المصورة من قبل الضلالة، انزلي من قصورك،

أيتها الأصنام الفاسدة التي صارت فخاخا للساجدين لها، انكسري ولا تصطادي بعدُ للفساد،

أيتها الضعيفة انهزمي من الجبار الذي أتى إليكِ، ولا تقومي بعدُ في موضع الملك الذي وصل،

أيتها المصنوعة التي أخذتِ اسم الله وأقلقت الأرض، هوذا الصانع قد نزل من موضعه ليفضحك،

خرجت الريح لتجمع الأشواك من الحقول، فاهرب أيها الزوان من العاصفة سيدة الجهات،

خاف فوج عبادة الأصنام من الجبار، وبُشرت صفوف الأصنام بالسقوط[522].

القديس مار يعقوب السروجي

وإن دهشوا من قدرتها وعملها،

فليفهموا منها كم مُكوِّنُها أقدر منها. [4]

الإنسان الساقط من مركزه وكرامته ومجده يفقد الأمور التي وهبها الله له، ويقف متطلعًا إلى الطبيعة وما فيه على أنها روح، وقد دعي ذلك بالأرواحية animism، فعبد الحجارة والأنهار والينابيع، كما عبد الأشجار والحيوانات. في اختصار كلما أعجب بقوةٍ أو جمالٍ أو سمةٍ معينةٍ في كائن ما تعبد له. نذكر على سبيل المثال:

 العجل كرمز للإنجاب.

الحية كرمز لتجديد الحياة، حيث تخلع جلدها الخارجي ليحل محله جلد جديد، يهبها حيوية ونشاطًا.

النسر والصقر كرمزٍ للحكمة وقوة الإبصار من بعيد.

الظواهر الطبيعية كالعواصف والرياح والنار كرمزٍ للقوة التي لا يقدر الإنسان على مقاومتها.

الجنس والدعارة لإشباع الشهوات الجسدية في إباحية بلا ضابط.

الأباطرة والملوك والأبطال حتى بعد موتهم.

كثيرًا ما يقف الإنسان أمام الطبيعة في ذهول من قدرتها وعملها، لكن يليق به أن يدرك قدرة خالقها العجيب.

فإن عظمة المخلوقات وجمالها،

يُؤديان بالقياس إلى إدراك خالقها. [5]

ما تتسم به الخليقة من عظمة وجمال يكشفان عن عظمة أدراك خالقها!

v     “لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مُدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته” (رو 1: 20). ما يعنيه هو هذا: لقد وضع خلقته في الوسط، أمام عيون البشر، لكي ما يدركوا الخالق من أعماله. الأمر الذي أشار كاتب آخر: “فإن عظمة المخلوقات وجمالها يؤديان بالقياس (نسبيًا) إلى التأمل في خالقها” (حك 13: 5). انظروا العظمة. تعجبوا من قوة صانعها! أتنظرون الجمال؟ لتندهشوا لحكمة مبدعها! هذا ما عناه النبي عندما قال: “السماوات تُحدث بمجد الله” (مز 19: 1)[523].

القديس يوحنا ذهبي الفم

v     هو نفسه بكونه فوق الكل، الحاكم والملك ومدبر القوة، يفعل كل شيء لمجد أبيه ولمعرفته، حتى من خلال الأعمال نفسها يعلمنا[524].

v     نحن نتعلم من المخلوقات بدون أن نطلب منها أصواتًا، بل إذ نسمع الكتب المقدسة فإننا نؤمن، وبرؤيتنا لنظام جميع الأشياء وانسجامها، نعرف أن هذا خالق جميع الكائنات وربها وإلهها، وندرك عنايته المذهلة وسيادته على الكل[525].

البابا أثناسيوس الرسولي

v     يستحيل على الأعين البشرية أن ترى الطبيعة الإلهية، إنما تدرك قوتها بعض الإدراك خلال أعماله الإلهية. يقول سليمان: “ فإن عظمة المخلوقات وجمالها، يُؤديان بالقياس إلى التأمل في خالقها[526].

إنه لم يقل إن الخالق يُرى خلال خليقته، بل أوضح أن ذلك يكون “نسبيًا“، فإن الله أعظم من أن يدركه أي إنسان خلال معاينته عظمة الخليقة. وإذ يرتفع قلبه أكثر بمعاينته أكثر (لعظمة الخليقة) ينال إدراكًا أعظم نحو الله[527].

v     لتدحض المجدفين على الخالق الحكيم الصالح، ولتدرك مما تسمعه وما تقراه وما تكتشفه أن “من عظمة الخليقة وجمالها يُعرف صانعها إدراكًا نسبيًا[528].

وإذ نحني رُكبنا بوقار صالح أمام صانع العوالم، أقصد عالم الحس والفكر، ما يُرى وما لا يُرى، فإنك تمجد الله بلسانٍ مقدسٍ يلهج بالمعروف وشفتان لا تسكتان، وقلب لا يمل قائلاً: “ما أعظم أعمالك يا رب. كلها بحكمة صُنعت”[529]، يليق بك الإكرام والمجد والجلال من الآن خلال كل الدهور. آمين[530].

القديس كيرلس الأورشليمي

غير أن أولئك الناس يستوجبون توبيخًا أخَفَ،

فلعلهم لا يضلُّون إلاَّ لأنهم يلتمسون الله،

ويرغبون في الاهتداء إليه. [6]

هنا يترفق الحكيم بالوثنيين الذين انجذبوا إلى عظمة الخليقة وقدرتها وجمالها، فأعطاهم في البداية نوعًا من العذر. ربما كان قصدهم الله نفسه، وإذ بحثوا عنه في الخليقة انبهروا بجمالها وانحرفوا عن هدفهم.

عاد الحكيم يوبخهم لأنه وإن أعطاهم شيئًا من العذر، لكنه يتطلع إلى ما وهبهم الله به، ألا وهو العقل، القادر أن يتعدى حدود المنظورات ليؤمن بمن هو غير منظور، لو أنهم كانوا صادقين في البحث عن الحق.

بما أنهم يعيشون فيما بين أعماله،

يبحثون (عنه) باجتهاد فيغُرُّهم منظرها،

لأن المخلوقات المنظورة جميلة. [7]

إذ اتسم سليمان بالحنو والشفقة، عاد مرة أخرى ليقدم للوثنيين عذرًا بسبب إغراء جمال الخليقة الجذاب.

مع ذلك فهم أيضًا لا يغفر لهم. [8]

إذ يتطلع الحكيم إلى الوثنيين وهم يرغبون في الاهتداء إلى الله، يبحثون عنه باجتهاد يعذرهم إلى حدٍ ما، لكن إذ يجدهم يتصرفون بغير تعقل بسبب انجذابهم للجمال الزمني والملذات يعلن عن دينونتهم وعدم المغفرة لهم ماداموا لا يرجعون إليه.

لأنهم إن كانوا قد بلغوا من العِلم

أن يدركوا كنه العالم،

فكيف لم يهتدوا بأكثر سرعة إلى سيده؟ [9]

مما يزيد من مسئوليتهم في عدم معرفتهم لله أنهم يبحثون في العلوم الخاصة بالطبيعة، ويدركون بعض أسرارها، وكان يليق بهم أن يبحثوا عن الله، فإن التعرف عليه أسرع وأسهل من التعرف على أسرار الكون.

خلق الله الإنسان سيدًا للخليقة الأرضية، وأعطاه عقلاً لكي يتعرف على أسرار الكون، ويتمتع بالمعرفة.

يمتدح سليمان الحكيم البحث في العلوم والتعرف على قوانين الطبيعة، فالله لم يخلق العقل لكي ندفنه بل كموهبة نضرمها للبنيان.

ولا يقف الأمر عند معرفة، أسرار الكون، بل يعبر المؤمن إلى ما وراء الطبيعة، لينعم بمعرفة السماويات ويتذوق عذوبة عربونها، ويختبر الشركة مع السماوي، خالق السماء والأرض.

 يأسف الحكيم لما وصل إليه الإنسان من الانحطاط، فعوض ارتفاعه إلى السماويات انحط إلى العبادة الوثنية التي تجحد الله الحقيقي، وتدفع بالإنسان إلى الانغماس في الرجاسات، بل وإلى العنف وسفك الدماء.

v     في قلوب الأمم تحول تكريم الله الواحد الأكثر نقاوة إلى عبادة دموية لآلهة متنوعة[531].

الأب قيصريوس أسقف آرل

v     جميل هو العالم دون شك، وسامٍ في فخامة حجمه كما في نظام مكوناته، سواء تلك التي في الدائرة المائلة أو التي في الشمال أو في شكله الكروي. لكن ليس هذا بل مُبدعه هو الذي يلزم أن نعبده. فإن جاءكم رعاياكم، لا يمكنهم أن يهملوا تقديم الخضوع لكم، أنتم حكامهم وسادتهم، والذين يحصلون منك على ما يريدون، ويقدمون أنفسهم لعظمه بلاطكم. وإن حانت لهم الفرصة أن يأتوا إلى البيت الملكي فإنهم يلقون نظرة إعجاب على مبناه الجميل، لكنهم يقدمون الاحترام لكم بصفتكم “الكل في الكل”.

أنتم أيها الملوك تبنون قصوركم وتزينونها لأنفسكم، أما العالم فلم يُخلق لأن الله محتاج إليه. فإن الله هو كل شيء لذاته. نور لا يُقرب منه، عالم كامل، القوة والعقل.

إن كان العالم آلة موسيقية تتحرك في زمنٍ مُقاس بطريقة جيدة، فإنني أعبد الكائن الذي أعطاها هذا التناغم، وعزف عليها النوتة الموسيقية، وغنى مقاطعها المتناسقة، ولا أعبد الآلة ذاتها.

في المسابقات الموسيقية لا يتَّوج الحكام القيثارات متجاهلين العازفين عليها…

إن كان أحد يدرك لعناصر العالم المختلفة على أنها قوى الله، فإننا لا نقترب إلى القوى لنقدم لها الخضوع، إنما نقدمه لصانعها وسيدها. إنني لا أطلب من المادة ما لا تستطيع أن تعطيه، ولا أتخطى الله وأقدم الكرامة للعناصر، التي تعجز عن صنع شيء ما غير ما قُدر لها.

فبالرغم من جمال منظرها بسبب مهارة خالقها إلا أنها لا تزال تحمل طبيعة المادة…

بينما أُعجب من السماوات وعناصرها، من أجل إبداعها، لكنني لست أعبدها كآلهة، عالمًا أن قانون الفناء يسيطر عليها[532].

العلامة أثيناغوراس

  1. تأليه العمل الإنساني الميت

بعد أن تحدث عن تأليه الخليقة أو بعض المخلوقات أو الظواهر الطبيعية يتحدث الآن عن تأليه العمل الإنساني مثل الأصنام والتماثيل. في حديثه عن الخليقة ربما وجد عذرًا يقدمه عنهم، وإن كان هذا العذر غير مقبول، لأنه كان يلزم أن ينشغلوا بالخالق لا الخليقة مهما كان جمالها أو قدرتها، وكان يليق بهم أن يستخدموا عقولهم التي وهبهم الله إياها، فيدركوا ما وراء الخليقة. أما أن يتعبد الإنسان لتمثال خشبي أو معدني أو من الحجارة، ففيه سخافة وبؤس.

لكن ما أشقى أولئك الذين

جعلوا رجاءهم في أشياء ميتة،

فسموا أعمال أيدي الناس آلهة،

ذهبًا وفضةً مصنوعةً بمهارةٍ،

وتماثيل حيوانات،

أو حجرًا لا يُستعمل صنعته يدٌ قديمة. [10]

بلغت الغباوة بالإنسان أن يستعبد نفسه لما يصنعه هو بيديه، الأشياء الميتة. يقوم صائغو الذهب والفضة، أو النحاتون، أو النجارون بالإبداع في تشكيل صنمٍ ميتٍ. جاء في سفر إرميا النبي: “لأن فرائض الأمم باطلة، لأنها شجرة يصنعونها من الوعر، صنعة يدي نجار بالقدوم بالفضة والذهب يزينونها، وبالمسامير والمطارق يشددونها فلا تتحرك. هي كالعين في مقثاة فلا تتكلم، تحمل حملاً لأنها لا تمشي، لا تخافوها، لأنها لا تضر، ولا تصنع خيرًا” (إر 10: 3-5).

v     وضع الله معرفته في القلوب البشرية منذ البداية. لكن هذه المعرفة بثوها بجهالة في خشبٍ وحجارةٍ، وبهذا أفسدوا الحق، على الأقل قدر ما استطاعوا، بينما الحق ثابت لا يتغير، له مجده غير المتغير[533].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     مثل طبيب حكيم قبل أن يتحدث عن المرض أشار إلى علله ومصدره. للإعداد لانتقاد شرهم بدأ بالإشارة إلى مصادر ضعفهم: الطمع والخداع والتجمعات الفاسدة، مظهرًا شيئًا فشيئًا من الأمور التي جعلتهم يسقطون في هوة الهلاك، إذ يضيف: “عمل أيديهم” (إش 2: 8). فإنه أي شيءٍ أكثر سخافة من أن نرى إنسانًا يصنع إلهًا؟ اعتاد الكتاب المقدس أن يشير إلى الأصنام بأنها “رجاسات” (مت 15:24، دا 31:11، 11:12)[534].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

في (إشعياء 44) تحدث عن الحاجة إلى حدادٍ ونجارٍ وغيرهما من أصحاب المهارات لعمل الصنم الذي يتعبد له الوثنيون.

وهذا حطَّاب ماهر ينشر شجرة يسهل نقلها،

فيُجرِّدها بمهارةٍ من قشرها،

ثم بحسن صناعتِه يصنعها إناءً،

يصلح لخدمة العيش. [11]

مهارة النجارين هي هبة من الله، لكن بكمال حريتهم يمكنهم أن يسيئوا استخدام هذه الهبة…

كان يليق بالنجار أن يستخدم مهارته في صنع أدوات منزلية أو زراعية أو للإبحار كالسفن الخ لنفع البشرية، أما أن يصنع منها تمثالاً ليحتل مركز الخالق، فهذه جريمة وتعدي على الوصية الإلهية.

v     بعبادتهم أشياء من خشبٍ وحجرٍ لا يرون أنهم بينما يطأون بأقدامهم ويحرقون ما لا يختلف عنها بأي حالٍ من الأحوال يدعون أجزاء من هذه المواد آلهة. وما كانوا يستعملونه في خدمتهم منذ وقتٍ وجيز ينقشونه ويعبدونه بحماقتهم، دون أن يروا أو يفكروا مطلقًا أنهم لا يعبدون آلهة بل صنعة خراط.

لأنه طالما كان الحجر غير منحوت، والخشب غير مشغولٍ، فإنهم يطأون الواحد، ويستخدمون الآخر لأغراضهم المختلفة، حتى في الأغراض الوضيعة. ولكن حينما يصورها الصانع حسبما يتفق مع مهارته، ويصوغ المادة في شكل رجلٍ أو امرأةٍ، فإنهم إذ يشكرون الصانع يشرعون في عبادتها كآلهة، بعد أن كانوا قد اشتروها من الخراط بثمنٍ. وفضلاً عن هذا فإن صانع التماثيل كثيرًا ما يصلي لمصوغاته، كأنه قد نسي العمل الذي أتمه هو نفسه، ويدعو تلك التي كان يقطِّعها وينحتها ويخرطها قبل ذلك مباشرة آلهة[535].

 البابا أثناسيوس الرسولي

ويستعمل نُفايتها وقودًا،

لإعداد طعامه فيشبع. [12]

لا ينكر دور النجار في صنع الأدوات الخشبية النافعة، حتى النفايات تُستخدم وقودًا لطي الطعام.

في إشعياء 44 يصور لنا النبي كيف يستخدمون الخشب جزءً منه للتدفئة، وآخر لطهي الطعام، وبقيته يصنعون منه آلهة صنم يخرون ويسجدون لها ويصلون لها قائلين: “نجني لأنك أنت ألهي” (إش 44: 17).

v     إن كانت إلهًا للزم أن يكون كل الشجر إلهيًا، فلماذا تستخدمون ما يتبقى من الخشب لكي تحصلوا على نار تفيدكم في إعداد الطعام؟… ألستم تضعون الخشب في النار، من ذات نوع الخشب الذي تتعبدون له؟ فكيف تطرحون الواحد وتتعبدون للآخر. بحق يضيف: “لا يعرفون ولا يفهمون، لأنه قد طمست عيونهم عن الأبصار، وقلوبهم عن التعقل. ولا يردد في قلبه وليس له معرفة ولا فهم، حتى يقول نصفه قد أحرقت بالنار…” (إش 18:44-19)[536].

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

أما النفاية التي لا تصلح لشيء،

وهي خشبة معوجَّة ومعقَّدة،

فإنه يأخذها، ويعتني بنقشها في وقت فراغِه،

ويُصورها بخبرة ليكسب أوقات الراحة،

فيُمثل بها شكل إنسان. [13]

في شيء من التفصيل يصف كيف يُصنع الوثن، ففي سخرية يُظهر أنه لا يصنع حتى من حجر كريم، وإنما من نفايات الشجر، أما قوله: “خبرة ليكسب أوقات الراحة“، فيفيد أن الإنسان وقد صار في فراغٍ داخلي لا يجد شيئًا نافعًا يمارسه، فيتفنن في تصوير تمثال. حقًا أن الفراغ الداخلي هو وراء الإلحاد!

يصور الحكيم نجارًا يذهب إلى الغابة ويختار شجرة أو بعضًا من فروعها، يقوم بقطعها، ويذهب بها إلى منزله أو ورشته. يقوم بتقسيمها إلى أجزاء وشرائح ثم ينزع عنها غلاف الشجرة الخارجي، وبعد أن يستخدمها في صنع أية أداه للمنزل أو الزراعة الخ يبحث عن نفابة، لا ليستخدمها وقودًا، بل ليصنع منها تمثالاً يتعبد له.

يشير هنا إلى غرور الأباطرة والملوك، فيصنعون تماثيل لأنفسهم ليعبدهم الناس في أثناء حياتهم وبعد مماتهم، بهذا يظنون أنهم يمارسون السيادة على الشعب حتى بعد موتهم. وفي نفس الوقت يظن بعض البسطاء في ضعفهم أن حياتهم في أيدي هؤلاء الجبابرة حتى بعد موتهم.

في استخفاف بعبدة الأصنام يُظهر الكاتب أنه يمكن صنع صنم من نفاية الأخشاب، وفي هذا عار!

v     يقول (إش 13:44) انه ينسخ (للصنم) سمات لا إلهية بل بشرية، ويشكل صورة إنسانية ويعبد صورته هو كإله. عندئذ يعلمنا (النبي إشعياء 14:44) أن الغابات التي على الجبال وهبها الخالق للبشر لكي يسمح لهم أن تُستخدم في إشعال النار وخدمة احتياجات أجسادهم. أما هؤلاء فعلى النقيض يأخذون أغصانًا دائمة الخضرة أو سنديانة، أو شجرة صنوبر هذه التي غرسها إله المسكونة وأمدها بالمطر لنفع الإنسان وإمداده بخيرات مادية كثيرة، لكنهم يستخدمونها في خلق آلهة[537].

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

أو يُشبهها بحيوان حقير ويدهنها بالقِرمِز،

ويُحمِّر سطحَها بالحُمرة،

ويطلي كلَّ عيبٍ فيها. [14]

ومما يزيد الأمر سخافة أن النجار يصنع تمثالاً لا لإمبراطور أو ملك وإنما لحيوانٍ أو حشرة تافهة، ويُبدع في نحت التمثال وتكوينه، فيسجد له الإنسان ويتعبد له، ويقدم له ذبائح وتقدمات.

كانوا يرون في الطيور والحيوانات رموزًا معينة. فالصقر والنسر معروفان بحدة البصر، لذا كانا يرمزان للحكمة وبُعد النظر. والعِجْل يرمز للخصوبة، والحيَّة للحياة حيث تغير جلدها بين آن وآخر.

ويجعل لها محرابًا يليق بها،

فيضعُها في الحائط ويثبِّتها بالحديد. [15]

في استخفاف جديد يسخر بالذين ينشغلون بعمل هياكل تُثبت بالمسامير على الحائط لكي تُحفظ فيها التماثيل حتى لا تسقط وتتحطم. فالتمثال عاجز عن أن يحمل نفسه، فتحمله المسامير.

يسخر الكاتب من المقام أو المسكن الذي يثبت بالحديد على حائط ليوضع فيه الصنم.

بقوله: “يليق بها” يسخر بالتمثال الذي لا يليق به إلا أن يوضع كما على حائط، لا عمل له ولا قدرة له على الحركة.

فقد يحتاط لئلاَّ تسقط،

لعِلمِه أنها لا تستطيع أن تعين نفسها،

إذ هي تمثال يفتقر إلى من يعينه! [16]

التمثال الذي يحتاج إلى مسامير حديدية لتثبيته أو تثبيت هيكله في الحائط، ويخشى صاحبه من سقوطه، كيف يمكنه أن يقيم الساقطين؟

يعرض الحكيم ضعف الآلهة الوثنية، فهي عاجزة عن أن تعين نفسها فكيف تعين من يتعبد لها، هذه الآلهة الميتة كيف تهب الحياة للغير، والعاجزة عن الحركة كيف تسند الإنسان في تحركاته وأسفاره.

لقد قدم لنا الكتاب المقدس بعهديه كما التاريخ الكنسي عبر الأجيال حتى يومنا الحاضر، كيف يشتهي الله أن يرد الإنسان لي سلطانه الأول في جنة عدن.

نعطي هنا أمثلة قليلة:

وهب الله يشوع بن نون سلطانًا ليوقف حركة بعض الكواكب حتى يطول النهار ويحقق نصرة على الأشرار المقاومين للحق الإلهي (يش 10).

أعطى الله إيليا لنبي سلطانًا فتنزل نارًا تحرق قائدي الخمسين ورجالها، لأنهما يتعجرفان على الله نفسه في شخص نبيه (2 مل 1: 10)، وأيضًا يطلب نارًا من السماء تلتهم ذبيحة ليرد الشعب إلى معرفة الله الحقيقية (1 مل 18: 38). كما أعطاه.

وهب الله كثير من القديسين سلطانًا على الطبيعة والحيوانات المفترسة، لكن في حدود حتى لا يسقطوا في الكبرياء. من هؤلاء القديسة أناسيمون[538] التي كانت الأسود تصادقها.

v     يا لها من غباوة خطيرة – أي نوع من الآلهة هذه هي آلهتك التي يُمكن أن تُسرق؟ أما تخجل من القول: “لماذا سرقتها؟”[539]

القديس يوحنا ذهبي الفم

ولكن إن أراد أن يصلي،

من أجل أمواله وزواجه وأولاده،

فلا يخجل أن يُخاطب ما لا نفسَ له،

ومن أجل العافية، يبتهل إلى ما هو ضعيف. [17]

يتطلع الله إلى البشر الذين من أجلهم خلق العالم بكل إمكانياته وجماله، فيراهم يطلبون من قطعة خشبية أن تسندهم في تدبير أموالهم أو حياتهم الزوجية أو أولادهم أو من أجل شفائهم، بينما هذا التمثال جامد لا حياة فيه، وعاجز حتى عن الحركة.

في دهشة يتهكم الكاتب على من يطلب الصحة من صنم ليس فيه حياة، ويسأل القوة مما لا قوة فيه، ويطلب العون ممن بلا خبرة، ويطلب حماية في أسفاره من صنم عاجز عن الحركة.

ومن أجل الحياة،

يتوسل إلى ما هو ميت،

ومن أجل الإغاثة،

يتضرع إلى ما ليس له خبرة تمامًا،

ومن أجل سَفرٍ ناجحٍ،

إلى ما لا يستطيع أن يخطو خطوة. [18]

v     أي شيء أكثر سخافة من هؤلاء الناس؟ فمع أنهم مُنحوا عقلاً، وتمتعوا بامتيازات عجيبة من قبل رأفات الله، يقوموا بعبادة حجرٍ بلا حياة، وهم أبعد ما يكون من أن يخجلوا، أو يشعروا بشيء من السخافة. يتعاملون معها كما مع حيوانات عجماوات. لذلك كتب بولس أيضًا هذه الكلمات: “أنتم كنتم أممًا منقادين إلى الأوثان البُكم كما كنتم تُساقون” (1 كو 2:12). بحق قال: “بُكم”، أُناس لهم موهبة الكلام يتمتعون بالعقل والاستماع، يلجأون إلى أشياء ليس لهم هذه السمات، بل يشبهون حيوانات بُكم. أي عذر يمكن أن يكون لمثل هؤلاء الناس؟[540]

 القديس يوحنا ذهبي الفم

ومن أجل ربحٍ ومشروعٍ ونجاح عمل يديه،

يلتمس قوةً مما لا قوة في يديه. [19]

يحتاج الإنسان الذي مات بالخطية إلى القادر أن يقيمه من الموت، والذي يتعرض إلى متاعب من محاربات شيطانية وأمراض ومضايقات إلى من يرفعه فوق الألم ويعبر به إلى الحياة المطوّبة ومن يسير في الحياة كما في رحلة عابرة إلى القادر أن يرتفع به إلى السماء، والمحتاج إلى قوة للعمل وقدرة على التفكير للنجاح إلى ذاك القدير واهب القوة. من يقدر أن يهب هذا كله للإنسان إلا كلمة الله المتجسد وحكمته السماوي! كيف يستبدل الإنسان هذا السماوي محب البشرية بتمثال ميتة عاجزة عن قيادة نفسها؟!

v     “إنهم يزرعون الريح، ويحصدون الزوبعة؛ زرع ليس له غلة، لا يصنع دقيقًا” (هو 7:8).. ليس من ثمر لجني حصادك من خدمة الصنم، أما حزمهم فمثل سنابل قمح حطمها الريح، تظهر سيقان كثيرة من الخارج، لكن ليس فيها بذرة واحدة. هكذا هي طبيعة الوثنية، فمن جانب يمكن أن تأخذ صورة رجلٍ أو امرأةٍ، أو أسد أو أي حيوان آخر خلال فن (النحت)، ومن الجانب الآخر فهي محرومة من أية قوة أو طاقة[541].

 ثيؤدورت أسقف قورش

العبادة الوثنية في إشعياء 44

يقدم لنا إشعياء أصحاح 44 تصويرًا رائعًا عن فساد العبادة الوثنية، مظهرًا أن الأوثان وصانعيها والمتعبدين لها جميعهم يحملون خزيًا وبطلانًا. فصناع الأوثان جادُّون لا يهتمون بالجوع ولا العطش ولا التعب (إش 44: 12)، من أجل صنع الفأس من الحديد وطرق صفائح لإقامة التماثيل. وهكذا أيضًا بالنسبة للنجارين الذين يبذلون كل الجهد لحفر تماثيل خشبية. الجميع يتعبون ولا يكلون لإقامة تماثيل معدنية أو خشبية عاجزة عن تقديم الخلاص، بينما يتهاون أولاد الله في جهادهم الروحي بالرغم من تمتعهم بإمكانات إلهية قادرة على تمتعهم بالخلاص الأبدي. وكأن هؤلاء العاملين باطلاً يدينون أولاد الله المتهاونين، وكما قال رب المجد يسوع أن أبناء هذا الجيل أحكم من بني الملكوت (لو16: 8).

من جانب آخر فإن صنع التماثيل المعدنية يستنفذ طاقة الصناع، بينما صنع التماثيل الخشبية يرافقه لهو بما تبقى من الأخشاب، إذ تستخدم في الموقد للدفء أو لطهي الطعام في الوقت الذي فيه يهدئون ضميرهم بالعبادة للخشب المنحوت تمثالاً.

أخيرًا ماذا تقدم عبادة الأوثان (أو اعتزال الله):

أ- عمى البصيرة الداخلية وظلمة داخلية (إش 44: 18)، بينما المسيح هو شمس البرّ (مل 4: 2).

ب- جهلاً وعدم معرفة (إش44: 19)، بينما المسيح هو بِرُّنا.

ج- جوعًا فيأكل الإنسان رمادًا (إش44: 20)، بينما السيد المسيح هو الخبز السماوي.

د- كذبًا وخداعًا وتضليلاً (إش44: 20)، بينما السيد المسيح هو الطريق والحق.

بمعنى آخر نجد في مسيحنا الاستنارة الداخلية والمعرفة والشبع والحق وكل احتياجاتنا، أما خارجه فلا يوجد إلا الفراغ الداخلي والشعور بالعزلة وفقدان البصيرة الداخلية.

v     إنه يظهر (إش 12:44- 13) أن تشكيل ما تُدعى آلهة يعتمد على مصادر كثيرة. فإن الخالق (لها) يحتاج إلى حدادٍ ليُعد الأدوات وإلى مشحذ ليجعل الأدوات حادة. ومن جانبه كحرفي ماهرٍ يحتاج إلى فحم ونار لمساعدته. بجانب هذا فإن صانع هذه الأشياء يختبر شهوة الأكل والشرب. كل هذه الأمور المتلاحقة لازمة لصنع إله للأغبياء كي يتعبدوا له[542].

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

 


 

من وحي الحكمة 13

أنت هو الخير الأعظم

v     نفسي متعطشة إلى الخير،

تبقى تسبحك من أجل فيض سخائك.

كل ما هو حولي يشهد بحبك لي، ورعايتك الفائقة.

وهبتني هذا العالم الجميل،

قدمت لي كل إمكانية للحياة السعيدة.

لم تعوزني شيئًا من أعمال كرامتك.

الأرض والمحيطات والجلد والفضاء وكل الكواكب تصرخ،

تحدثني بلغة الإبداع عنك، يا أيها الفنان السماوي!

صوت الطبيعة لا يفارق أذني!

لك المجد يا خالقي العجيب!

 

v     في غباوة عبد آبائي الخليقة لا خالقها.

أعطوك الظهر، وقاموا بتأليه ما قدمته لهم.

عبدوا العطية لا العاطي!

بهرهم جمال عمل يديك وقوته،

عوض التسبيح لك، سبحوا الكائنات الزائلة!

لماذا ألقي باللوم على آبائي،

فإني أشكو نفسي إليك.

كثيرًا ما استعبدت نفسي لما وهبتني إياه،

عوض أن أسوس لأمور الزمنية،

صرت بإرادتي عبدًا لها.

ملكتني عوض أن أملكها.

تحركني كألعوبة في يديها،

عوض أن أحركها لبنيان نفسي.

ردّ لي حريتي وكرامتي، والحكمة التي قدمتها لي.

 

v     كيف أعبد ما هو بلا حياة،

وأتركك يا أيها الحياة الأبدي؟

أنت خالق الكل وواهب الحياة.

لأقتنيك، فأنت الخير الأعظم.

أنت واهب السلطان والحرية.

أنت مشبع النفس والجسد معًا!

أنت الكل لي.

 

v     لتدخل باب قلبي، فلا يكون لآخر موضع فيه.

تحتله، وتقيم ملكوته داخله.

تُعلن مجدك وسلطانك، فيّ.

لتدخل وتسكن فيه، فأثبت فيك.

لتستريح في داخلي،

فاستريح في حضنك الإلهي!

 

v     إلهي، ليس لنفسي عريس سواك!

ليس لي قوة إلا بك.

ليس لي من عدم فساد إلا بالاتحاد معك.

ليس لي ربح إلا باقتنائك!

لأعبدك بكل كياني،

يمجدك جسدي، وتسبحك نفسي،

وتتغنى لك إرادتي التي قدستها!

أخيرًا أصرخ إليك،

لتسرع وتأتي، يا حبيب نفسي،

فإن قلبي لن يلتصق بمحبة العالم.

إنه يترقب عبوره السريع إليك.

 لتأتِ إليّ، وأنا آتي إليك بروحك القدوس!

زر الذهاب إلى الأعلى