تفسير سفر الحكمة ٧ للقمص تادرس يعقوب

الباب الثاني

يا لعظمة الحكمة!

حك 7 – حك 9

 

  1. الحكمة للجميع 7.
  2. الحكمة العروس الخالدة 8.
  3. صلاة سليمان 9.


 

الحكمة بين يديك

في القسم السابق (حك 1- حك 6)، يدعو الحكيم كل إنسانٍ، خاصة الملوك والرؤساء والقادة، إلى طلب الحكمة.

مقارنة بين الحكماء الأبرار والجهلاء الأشرار

بعد أن كشف عن التكامل بين الحكمة والبٌر واهب الخلود، وعن دور الحكمة في حياة الإنسان، قدٌَم مقارنة عملية بين الحكماء الأبرار والجهلاء الأشرار:

  1. يتمتع الحكماء بالبٌر واهب الخلود، بينما ينغمس الجهلاء في الملذات الزمنية الفانية.
  2. يحمل الحكماء روح الحب، ويحمل الجهلاء روح الكراهية والبغضة نحو الأبرار، لأنهم يدينوهم حتى وسط آلامهم وفي صمتهم.
  3. يتعرف الحكماء على خطة الله من نحو الإنسان، خاصة ما يسمح به من تأديبات، بينما يسخر الجهلاء من الأبرار، حاسبين أنهم فقدوا الحياة بعدم مبالاتهم بالملذات الزمنية.
  4. يتمتع الحكماء الأبرار بالفضائل كثمار حية ترافقهم، حتى وإن لم يكن لهم أبناء، أما الأشرار فيركزون على كثرة النسل تخليدًا لذكراهم، ولكن بلا جدوى.
  5. لا يرهب الحكماء الموت، لأن نفوسهم بيد الله هنا على الأرض وفي الأبدية، وأما الجهلاء فيتطلعون إلى موت الأبرار المبكر أو حرمانهم من أبناءٍ يخلدون ذكراهم، أو دخولهم في ضيقات، أنها جزاء عادل لهم.
  6. تتركز أنظار الحكماء على السماء، مما يسكب عليهم روح التهليل، أما الجهلاء فيحملون نظرة سوداوية، فيفقدون كل رجائهم، ويسخطون على حياتهم مهما تمتعوا من بركات زمنية.
  7. ليس من وجهٍ للمقارنة بين مصير الحكماء الأبرار الأبدي ومصير الجهلاء الأشرار. فيقف الأولون بجرأة أمام من كانوا يضطهدونهم، ويرتعب الجهلاء، مدركين أنهم كانوا أغبياء، حرموا أنفسهم من التمتع بالتبني لله.

v     عند صوت البوق ترتعد الأرض وشعوبها وأما انتم فتفرحون.

سيولول العالم عند مجيء الرب للدينونة، وستضرب قبائل الأرض صدورها.

للحال يرتعب الملوك في عريهم، لكنك يا من تبدو فقيرًا و قرويًا ستكون ممجدًا و ضاحكًا، وتقول :”تطلع يا ربي المصلوب، تطلع يا من تقضي إلي[259]ّ”.

القديس جيروم

  1. بينما يتمتع الحكماء الأبرار بشركة الأمجاد السماوية، يُغلق الباب أمام الجهلاء الأشرار، فندمهم لا يدفعهم إلى التوبة والرغبة في الرجوع إلى الله.

أخيرًا يختم الحكيم القسم الأول بتحذير ختامي للملوك والقادة وكل إنسانٍ لئلا يفقدوا فرحتهم في طلب الحكمة.

تساؤلات عن الحكمة

بعد أن رفعنا سليمان الحكيم كما إلى السماء لنطلب الحكمة، أو شخص ربنا يسوع المسيح بكونه بٌرنا واهب الأمجاد، يجيب في القسم الثاني على بعض التساؤلات، مثل:

v     هل الله يحابي الوجوه، يعطي البعض، ويحرم البعض الآخر؟

v     لماذا نال سليمان الحكمة، بينما لم ينلها بعض الملوك؟

v     ما هو دور الحكمة وعملها في حياة سليمان الملك؟

v     كيف يمكننا نوال الحكمة؟

v     كيف صلي سليمان لطلب الحكمة، فنالها؟

تجيب هذه التساؤلات على الذين يدعون أنهم يطلبون الحكمة من الله ولم ينالوها.

هذا هو موضوع القسم الثاني من السفر (حك 7 – حك 9). هذا ويُلاحظ أن الملك سليمان يمتدح الحكمة ويكشف عن ماهيتها، ويعلن عنها أنها عطية الله، تُقدم لسائليها. يعالج هذا القسم الحكمة كشخصٍ له سماته وعمله في الخليقة. وقد جاء هذا القسم مطابقًا لما ورد في أمثال 8.

يخصص الكاتب هذا الفصل كله لإبراز الحاجة إلى الحكمة ومدى عظمتها. فبعد وصفه لها، وشرحه لدورها في حياة الأبرار والأشرار، يقدم لنا صورة رائعة عن عظمة الحكمة، وكيف ركز سليمان صلواته على طلبها.

  1. سرّ نوال سليمان الحكمة (حك 7)

كملك عظيم لا يختلف سليمان عن أي إنسان في الحبل به ومولده ومماته. يشارك الكل ذات الهواء وذات الأرض…

أما لماذا طلب سليمان الحكمة من الله ونالها، فإنه لم يتحقق هذا عن محاباة له، إنما لأنه طلبها بكل قلبه، إذ كان يدرك قدرها:

أ. فضَّلها عن العرش والغنى (8:7).

ب. أحبها فوق الصحة والجمال، واتخذها نورًا له، “لأن ضوءها لا يغرب” (7: 10).

ج. حسبها أم ومصدر كل البركات (12:7).

د. أدرك أنها تُقدم له معرفة بالكون (17:7). فهي “مهندسة كل شيء، هي علمتني” (21:7).

هـ. تحل في النفوس القديسة، فتُنشئ أحباء لله وأنبياء” (27:7)، وتهبهم المعرفة الصادقة.

و.”فيها روح الفهم القدوس” (22:7).

ز. تعٌَرف على سماتها الحقيقية، فصارت لها مكانتها في قلبه في وفكره، تحتل مركز الصدارة في أعماقه.

  1. العروس الجميلة الخالدة (حك 8)

 بعد أن تحدث عن سرٌ نواله الحكمة، كشف لنا الحكيم عن مدى ارتباطه بها. إنها عروسه المحبوبة لديه جدًا، يعشقها، وهي لا تكف عن أن تعمل في حياته بلا توقف.

إنها تبلغ من غاية إلى غاية بالقوة، وتدبر كل شيء بالرفق (1:8).

اتخذتها لي عروسًا، وصرت لجمالها عاشقًا، فإن في نسبها مجد، لأنها تحيا عند الله، ورب الجميع قد أحبها” (2:8، 3).

“لأنها تعلم العفة والفطنة والعدل والقوة التي لا شيء للناس في الحياة أنفع منها” (7:8).

مفرجة لهمومي وكربي” (9:8).

أنال بها الخلود” (13:8).

ليس في معاشرتها مرارة، ولا في الحياة معها غمّ، بل سـرور وفرح” (8: 16).

  1. صلاته من أجل نوال الحكمة (حك 9)

أخيرًا، يقدم لنا صلاة سليمان كمثالٍ عمليٍ لنا، حتى نطلب الحكمة الإلهية، ونمارس طلبتنا لها من الله بذات الروح.

“هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك” (4:9).

<<


 

الأصحاح السابع

شخصية سليمان

كثيرًا ما سُئلت: كيف يُمكن اعتبار سليمان الملك أحد رجال الإيمان؟ لكنني إذ أقف أمام هذا الأصحاح انحني بكل تقدير لهذه الشخصية. فإنه وإن كان سليمان قد مرّ بمرحلة مُرة خلال زواجه بأجنبيات لكسب الملوك المحيطين به، فدفعن إياه إلى عبادة آلهتهن الوثنية (1 مل 11: 1-8)، فإن هذا الأصحاح يقدم لنا صورة فريدة عن هذه الشخصية:

أولاً: ما كتبه عن نفسه بكونه إنسانًا لا يختلف في قليلٍ أو كثيرٍ عن أي فقير يكشف عن تواضع هذا الملك الذي نال شهرة فائقة، ليس في عصره فقط، وإنما إلى عصور كثيرة.

تحدث عن تصويره في بطن أمه كثمرة علاقة زوجية، وثمرة لذة، أمر يخجل أي صبي صغير أن يذكره عن نفسه. ولست أظن أنه كان يُمكن لأي كاتب أن يتحدث هكذا عن هذا الملك العظيم، لو لم يسجل بنفسه هذا بروح التواضع.

ثانيًا: يقدم لنا هذا الأصحاح صورة رائعة عن مشاعر هذا الملك وأحاسيسه من جهة تقديره للحكمة. لقد فضلها عن العرش والصولجان والغنى والصحة والجمال، وحسبها أمًا للخيرات، ومصدرًا لها.

ثالثًا: تمتعه بالحكمة ونواله شهرة حتى بين الملوك لم يدفعه إلى التشامخ، بل اشتهى بكل قلبه أن يتمتع كل الملوك والقادة بما يتمتع به.

رابعًا: مع شهرته بالحكمة والقدرة على الكلام، حسب نفسه غير أهلٍ للحديث عنها، ما لم يلهمه الله القدرة على الكلام.

خامسًا: حديثه عن سمات الحكمة تكشف عن ما تمتع به سليمان من إشراقة العهد الجديد عليه، ليتعرف على الحكمة كأقنومٍ إلهيٍ، هو كلمة الله وحكمة الله، وكأنه قد التقى بالسيد المسيح وتعرف عليه وتمتع بالشركة معه.

الحكمة للجميع!

إذ ذاق سليمان الحكيم الحكمة الحقيقة التهب قلبه حبًا نحو كل البشرية، فاشتهى أن يفصح عن سٌر تمتعه بالحكمة، بروح التواضع المملوء حبًا، حتى ينفتح باب السماء أمام الجميع. كشف الحكيم عن حقيقة هامة، وهي أنه وإن كان ابن داود الملك العظيم البار، لكنه لا يحمل طبيعة تختلف عن طبيعة أي إنسان. دخل إلى العالم بذات الطريق الذي يدخله كل إنسانٍ. ألا وهو أنه ثمرة الزواج بين والديه، وتربى كطفلٍ في قماط، ولم ينجُ من الصرخات التي يصرخها أبناء الفقراء الُمعدمين، وسيخرج من العالم كما يخرج سائر البشر، خلال طريق الموت.

أما عن انفراده بما ناله من حكمة فائقة فسرٌه هو تقديره لها وشوقه العملي نحوها. لقد فضلها عن كل شيء في العالم!

والآن يطلب من الله أن يهبه الحكمة السماوية ليتكلم عن الحكمة، فإن اللسان البشري يعجز عن أن يُعبِّر عن حقيقتها. كما يعترف سليمان أن كل ما تمتع به من علوم ومعرفة هي عطايا من الحكمة الإلهية.

وأخيرًا يتحدث الحكيم عن الحكمة بكونها بهاء النور الإلهي.

  1. سليمان ليس إلا إنسانًا 1-6.
  2. تقدير سليمان للحكمة 7-14.
  3. طلب الإلهام الإلهي للحديث عنها 15-17.
  4. العلوم والمعرفة عطايا الحكمة الإلهية 17-21.
  5. الحكمة بهاء النور الإلهي22-30.
  6. سليمان ليس إلاَّ إنسانًا

إني أنا أيضًا إنسان قابل للموت،

مساوٍ لجميع الناس،

مُتَّحّدِّرٌ من أولِ من جُبِلَ من الأرض، [1]

من جهة حياته الزمنية يعترف الحكيم أنه ينتسب إلى آدم، الإنسان الأول، مثله مثل كل البشر، وليس من أصل آخر حتى يحابيه الله. وهو بهذا يفتح باب الرجاء للكل.

ربما يتساءل البعض: هل لدى الله محاباة، فأعطى سليمان الحكمة بهذه الصورة الفائقة؟ أو كان لسليمان طبيعة بشرية تَختلف عن طبيعتنا حتى يتمتع بهذه الحكمة؟

يعلن سليمان الحكيم أن ما تمتع به من حكمة سامية ليس لامتياز في طبيعته، فإن كل البشر أيا كانت إمكانياتهم أو قدراتهم أو مركزهم أو ثقافتهم أو عمرهم أو جنسياتهم متساوون يحملون ذات الطبيعة البشرية.

بنفس الروح تساءل البعض: هل كان للرسول بولس طبيعة مختلفة عن سائر البشر، حتى يبلغ هذه القامة الروحية العالية، ويحتل مركز الصدارة في خدمة الأمم، ويعمل به الروح القدس كما بطريقة فريدة؟

وما نتساءله بخصوص سليمان الحكيم والرسول بولس نتساءله بخصوص كثيرين كاختيار إبراهيم أبًا لجميع الأمم، وداود الملك ليأتي من نسله السيد المسيح مخلص العالم وغيرهم.

 كثيرًا ما أجاب القديس يوحنا الذهبي الفم على مثل هذه التساؤلات.

v     يلزمنا حينما نُحث على ممارسة فضيلة ما ألاَّ نقول أن هؤلاء كانوا شركاء لطبيعة غير طبيعتنا، أو أنهم ليسوا بشرًا. لهذا قيل عن العظيم إيليا: “كان إيليا إنسانًا تحت الآلام مثلنا” (يع 5: 17). هل تدركون أن إيليا قد أظهر من ذات شركته للآلام أنه إنسان مثلنا؟ مرة أخرى قيل: “إني أنا أيضًا إنسان لي ذات الآلام مثلكم” (راجع حك 7: 1). هذا يعطي طمأنينة من جهة شركة الطبيعة[260].

v     لم تكن طبيعة بولس الرسول تختلف عن طبيعتنا؛ ولا نفسه مختلفة عن نفوسنا، ولا عاش في عالمٍ آخرٍ، بل سكن في نفس العالم وخضع لنفس القوانين والعادات، لكنه فاق في الفضيلة كل البشر في الماضي والحاضر.

الآن، أين هؤلاء المعترضون على صعوبة الفضيلة وسهولة الخطية؟

فهذا الرجل يدينهم بكلماته: “لأن خفة ضيقتنا الوقتية تُنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبدىٍ” (2 كو17:4).

فإن كانت ضيقاته مُحتملة وخفيفة، فكم بالأحرى ضيقاتنا التي إن قارناها بضيقاته صارت كلا شيء أو مجرد لذٌات؟[261]

القديس يوحنا الذهبي الفم

يعلن الكاتب أن الحكمة للجميع، وأن الحكيم الحقيقي يشتهي أن تتمتع كل البشرية بالحكمة معه. هذا على خلاف ما كان يعتنقها كثير من الوثنيين والفلاسفة حيث يحسبون أن الفلسفة أو محبة الحكمة قاصرة على فئة مختارة. ويحرص كثيرون منهم على تخبئة ما يظنون أنها حكمة، وكأنها ملكية خاصة بهم لا يُقترب إليها.

v     لنستخف بهذا كله وننال روح الحكمة الذي ليس فيه همّ، ونسرع لنوال الثروة التي ليس فيها خداع، ونذهب إلى الملذات التي يُقال عنها “فردوس النعيم”[262].

العلامة أوريجينوس

وقد صُوِّرتُ جسدًا في بطن أمٍّ،

وفي مُدة عشرةِ أشهرٍ تكوَّنتُ في الدم، من زرع رجلٍ.

ومن اللذة التي تصاحب النوم. [2]

بقوله “صُورت جسدًا في بطن أمٍّ”، يبرز الحكيم يٌد الخالق الخفية العاملة في أحشاء كل أمٍ، فإنه وإن كان الجنين هو ثمرة علاقة جسدية تحمل لذة بين الزوجين، لكنها ليست علاقة أثيمة، بل يباركها الله نفسه الذي أسس الزواج. فالجنين هو من خلقة الله الذي يهتم به، ولكن يتحقق بناموس الزواج الطبيعي. جاء في إرميا النبي: “قبلما صورتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدستك، جعلتك نبيا للشعوب” (إر 1: 5).

اعتبر مدة الحمل به عشرة أشهر حيث استخدم في حساباته التقويم القمري (الشهر القمري يعادل 28 يومًا) لا الشمسي.

ولما وُلدتُ تنفستُ أنا أيضًا الهواء المُشتَرَك،

وسقطت إلى الأرض،

كما هي طبيعة الإنسان،

وكان البُكاء صُراخي الأول،

كما هو لجميع الآخرين. [3]

لا ينسى سليمان الحكيم عطايا الله العامة والتي لا تقدر بثمن، يشترك فيها الغني والفقير، ويتمتع بها الطفل منذ ولادته، مثل الهواء الذي يتنسمه، والأرض التي يعيش عليها، بل وحتى الصرخة الأولى بعد ولادته مباشرة، التي بدونها لا تنفتح الرئتان لتعملا.

ما أجمل أن نتذكر العطايا الإلهية المجانية والمشتركة بين كل البشر.

يرفع كثير من آباء الكنيسة  قلوبهم بالشكر لله الذي لم يأتمن إنسانًا على العطايا الثمينة بل قدمها عامة ومشتركة للجميع، مثل الماء والهواء والشمس الخ، بينما ترك الكماليات مثل الذهب والفضة والحجارة الكريمة والثياب الثمينة للملكية الخاصة، حتى يمارس الأغنياء فضيلة العطاء، والفقراء فضيلة الشكر للذين يعطون لهم إياها.

v     أقمت لي السماء سقفًا، وثبت لي الأرض لأمشي عليها…

 القداس القديس غريغوريوس اللاهوتي

v     ماذا يعنى الرسول عندما يقول: “بل الله الحي الذي يمنحنا كل شئ بغنى للتمتع” (ا تي 6: 17)؟ يعطينا الله بفيض كل الأشياء الضرورية أكثر من المال مثل الهواء والماء والنار وأشعة الشمس والأشياء التي من هذا النوع. ومع ذلك لا يمكن القول بأن الغني لديه أشعة شمس أكثر من الفقير، ولا يمكن القول بأن الغني يتنفس هواء أكثر من الفقير. كل هذه الأشياء مُتاحة للكل بطريقة مشتركة وبالتساوي. لماذا خلق الله الأشياء الأعظم والأهم، تلك التي تمدنا بالحياة، مشتركة للجميع، بينما الأشياء الأقل والدنيئة جدًا أي المال ليس مشاعًا للناس. هذا هو ما أود أن أسأله. لكي يصون حياتنا ويفتح أمامنا طريق الفضيلة، ومن ناحية أخرى لو لم تكن ضروريات الحياة مشتركة، لاستولى عليها الأغنياء بطمعهم المعتاد، وحرموا منها الفقراء. لأنهم إن كانوا قد فعلوا هذا مع الأموال، فكم بالأحرى كانوا يفعلون ذات الأمر مع هذه الأشياء. ومن ناحية أخرى لو كان المال مشاعًا ومتاحًا للجميع، لما كانت توجد فرصة لتقديم الصدقات، ولما وُجد حافز لعمل الخير.[263]

القديس يوحنا الذهبي الفم

ورُبِّيتُ في القُمُطِ والهموم. [4]

من العجيب أنه لم يفارق فكر سليمان، أعظم ملك في عصره، صورته وهو رضيع في قماط، يحمله الناس حسبما يريدونه. هذا المنظر يثَّبت فيه روح التواضع، وينزع عنه أية عجرفة.

فإنه ليس لملِكٍ بدءْ وجودٍ غير هذا. [5]

يدعو الحكيم جميع الملوك ليراجعوا أنفسهم كيف بدأوا الحياة، فيسلكون مع الشعب بروح الأخوة أو الأبوة الحانية، لأن الكل لهم ذات البداية، بلا تمييز بين هذا وذاك.

بل مدخل واحدٌ للجميع إلى الحياة،

وواحد لخروجهم. [6]

ما هو المدخل للحياة سوى أننا وُلدنا عراه، وما هو مخرجنا سوى باب الموت، حيث نخرج من العالم عراه كما دخلنا. وكما قال أيوب: “عريانًا خرجت من بطن أمي وعريانًا أعود إلى هناك” (أي 1: 21).

v     [في رسالة تعزية إلى الكسندرة، إذ فقدت ابنها كتب:]

القرار الإلهي نزعه عنا، ونقله إلى الحياة الأفضل، لذلك إنني انزع سحابة الحزن عني، وأحثكِ أيتها الصديقة العزيزة[264] أن تبددي ألم أحزانك بقوة التعقل، وأن تأتي بنفسكِ في ساعة الاحتياج هذه إلى سحر كلمة الله

أنا أعلم كيف أن هذا الأمر محزن ومؤلم للغاية. عندما يختبر الإنسان قيمة الشيء الذي يحبه وفجأة يُحرم منه، ويسقط في لحظة من حالة السعادة إلى البؤس.

أما بالنسبة للذين وُهبوا الإحساس الصالح ويستخدمون طاقاتهم بتعقلٍ سليمٍ، فإنهم لا يتوقعون حلول أي حدث بشري غير منظور. فإنه ليس أمر بشري مستقرًا، ليس شيء دائمًا، لا الجمال ولا الثروة ولا الصحة والكرامة. ليس شيء من كل هذه الأمور بالنسبة للذين من طبقات عالية جدًا… أنا اعلم أيتها الصديقة العزيزة أنك تعرفين هذا كله. وأرجوك أن تتأملي الطبيعة البشرية، فستجدينها قابله للموت، وقد تسلمت مصير الموت منذ البداية.

قال الله لآدم: “أنت تراب، وإلى تراب تعود” (تك 19:3)…

يخبرنا الكتاب المقدس: “مدخل واحد للجميع إلى الحياة، وواحد لخروجهم” (تك 6:7)

وكل واحدٍ يولد يترقب القبر. ليس الكل يعيشون ذات الفترة الزمنية. فالبعض يبلغون النهاية بسرعة شديدة، وآخرون في أثناء حيوية الرجولة، والبعض بعد أن يختبروا الشيخوخة[265].

ثيؤدورت أسقف قورش

  1. تقدير سليمان للحكمة

أ. تفضيلها عن العرش والغنى

لذلك صليت فأوتيتُ الفهم،

ودعوت فأتاني روح الحكمة. [7]

ما يتميز به سليمان الحكيم أنه رجل صلاة، يؤمن أنه ليس من يملأ كيانه سوى الله، وليس ما يشبع حتى احتياجاته العقلية سوى الله واهب الحكمة والفهم، لذا لا يكف عن الصلاة إلى أبي النور.

يقول القديس يعقوب الرسول: “كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند أبي الأنوار، الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران” (يع  1 :  17).

v     يدعو يعقوب الله “أب الأنوار العقلية”، بمعنى أنه المنير للكائنات العاقلة، فهو واهب هذه العطايا الإلهية يقدمها للكائنات البشرية، وكما يقول يعقوب إنها العطايا الأفضل التي بلا عيب وهي كاملة دون شك[266].

القديس ديديموس الضرير

v     لا يستحق إنسان ما أن ينال شيئًا من أبي الأنوار الذي من عنده كل عطية صالحة إلا أنه ينال ما لا يستحقه[267].

v     هذه هي الحكمة التي تلجم اللسان، نازلة من فوق، ولا تنبع عن قلبٍ بشري. هل يجسر أحد أن ينتزعها عن نعمة الله، بغير زهو الكبرياء، ويجعلها في سلطان إنسان؟[268]

القديس أغسطينوس

يرى العلامة أوريجينوس أن حياة المؤمن رحلة من هذا العالم إلى السماويات حيث يحتاج إلى نور السيد المسيح حكمة الله، الذي يشرق عليه تدريجيًا في هذا العالم، فيدخل من مجدٍ إلى مجدٍ، ويختبر الحياة السماوية حتى يبلغ إلى السماوي نفسه، خالق الكل وواهب كل عطية صالحة.

v     تصعد النفس تدريجيًا إلى السماوات بعد القيامة. إنها لا تبلغ أعلى نقطة فورًا، وإنما خلال مراحل متعددة، حيث تستنير في تقدمٍ بنور الحكمة حتى تبلغ أبى الأنوار نفسه[269].

العلامة أوريجينوس

الصلاة هي طريق التمتع بالحكمة، لأنها هي شركة مع حكمة الله ربنا يسوع المسيح نفسه. ليس من يقدر أن يبلغ إليه ويتعرف عليه ويتحد معه إلا بروح الله القدوس.

ففضلتها على الصوالجة والعروش،

وعدَدَتُ الغنى كلا شيء بالقياس إليها. [8]

إذ يقتني الإنسان الحكمة الإلهي، يصير بالحق ملكًا روحيًا متحدًا مع ملك الملوك. فيستخف بكل كرامةٍ زمنيةٍ تُقدم له، أو سلطان أو غنى. يجد في مسيحه كل كرامةٍ داخليةٍ ومجدٍ وغنى، لهذا يتغنى المرتل قائلاً: “مجد ابنة الملك في خدرها، منسوجة بذهب ملابسها” (مز 13:45).

إذ قبلنا السيد المسيح – حكمة الله – جسدًا له، وصار هو رأسنا، لهذا نتمتع بكرامةٍ عظيمةٍ، إذ رأسنا هو ملك الملوك ورب الأرباب. بهذا ننال كرامة تفوق حتى كثير من السمائيين، كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

v     أتدركون “غنى مجد ميراثه”؟ هل تدركوا عظمة قدرته الفائقة نحو الذين يؤمنون به (أف 19:1)؟ أتدركون رجاء دعوتكم؟

لنكرم رأسنا، فينعكس ما هو للرأس على الجسد، الرأس الذي تخضع له كل الأشياء. بهذا التصوير يلزمنا أن نكون أفضل من الملائكة، وبهذا نُكرم أكثر منهم جميعًا…

لأنه لا يًوضع على رؤوسنا تاج، بل ما هو أعظم، المسيح صار بنفسه رأسنا، ومع هذا نحن لا نبالي بهذا.

الملائكة يكرمون هذا الرأس، وأيضًا رؤساء الملائكة وكل تلك القوات العلوية. فهل نحن الذين هم جسده، لا نهابه لسبب أو آخر؟[270]

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     لا يريد الله أن يعطي ثروات للإنسان الخارجي ويترك الإنسان الداخلي في عوزٍ، إنه يقدم الغنى غير المنظور بطريقة غير منظورة[271].

القديس أغسطينوس

ولم أعادل بها أي حجر كريم،

لأن كل الذهب بإزائها قليل من الرمل،

والفضة عندها تُحسب طينًا. [9]

يقول سليمان الحكيم:”

لأن الحكمة خير من اللآلئ، وكل الجواهر لا تساويها” (أم 8: 11).

“قنية الحكمة كم هي خير من الذهب، وقنية الفهم تختار على الفضة” (أم 16: 16).

المؤمن الحقيقي يتمتع بالشركة مع حكمة الله، فيرى الأمور السماوية غير المنظورة ويستخف بالزمنيات.

إذ يشرق حكمة الله بنوره على النفس البشرية تستنير، فتدرك حقيقة الأمور أنه ليس من وجه للمقارنة بين الحكمة الإلهي وبين الأمور الزمنية، فيرى الإنسان نفسه غنيًا جدًا، ليس في عوزٍ أن يجمع شيئًا ما، بل ويحسب الحجارة الكريمة كلا شيء، والذهب كأنه رمل، والفضة كأنها طين.

v     يرى الإيمان ما وراء رؤية العين الجسدية. العيون الجسدية ليست في رؤوس الحكماء وحدهم، بل وحتى غير الحكماء[272].

 القديس جيروم

ب. تفضيلها عن الصحة والجمال

وأحببتها فوق العافية والجمال،

وآثرت أن اَتَّخذها قبل النور،

لأن النور الصادر منها لا يخفت. [10]

في رسالة بعثها القديس يوحنا الذهبي الفم إلى صديقه في الحياة النسكية ثيؤدور،  إذ أغواه جمال امرأة شابة حسنة الصورة  تدعى  Hermoine، فسقط في حبها ورغب في الزواج منها. أشار فيها إلى اهتمام الإنسان بجمال الجسد، بينما يطلب الله جمال النفس الفائق، وهو في قدرة المؤمن بالنعمة الإلهية.

v     حقًا لقد ثبَّت الله الجمال الجسدي في حدود الطبيعة (أي لا يقدر الإنسان على تشكيل جسده)، أما نعمة الروح فتُعتق من الحبس والعبودية، صاعدة من هذه الحالة، بقدر ما تسمو كثيرًا عن أي تناسق جسدي، وهي تعتمد في ذلك علينا (أي إرادتنا) وعلى نعمة الله.

فسيدنا، بكونه رحيمًا، شرّف جنسنا في هذا الطريق الخاص، تاركًا للطبيعة أن تختص بتشكيل الأمور الصغيرة (الجسد) التي لا تساهم كثيرًا في نفعنا. تحت سلطانها أمور غير هامة، أما نحن فجعلنا فنانين فيما يختص بالأمور التي هي بحق هامة  (أي بإرادتنا نُسلِّم لنعمة الله أن تشكل النفس وتجمِّلها).

فلو ترك الله لنا أن نشكل أجسادنا، لأصبحنا في قلق متزايد، وأضعنا كل أوقاتنا في أمور لا تنفع، وبالتالي كنا نهمل الروح إهمالاً زائدًا.

وبالرغم مما نحن عليه، من عدم إعطائنا هذا السلطان (في اختيار وتشكيل أجسادنا)، نقوم بمجهودات جبارة، وإذ لا نقدر أن نحصل على جمال جسداني حقيقي، ندبِّر بدهاء تقليدات كثيرة، باستخدام المساحيق والأصباغ، والتزين بشعر مستعار، والحُليّ، واستخدام أقلام للحواجب… وكثير من الحيل. فلو أعطيت لنا القدرة على تشكيل الجسد تشكيلاً حقيقيًا، فهل سيكون لنا الوقت الذي نخصصه للنفس وللأمور الخطيرة؟!

لو فرضنا أن هذا هو عملنا، ما كان لنا عمل آخر، بل كنا نقضي كل زماننا فيه، نزين الجارية (الجسد) بزخارف لا حصر لها، تاركين سيدتها (النفس) في حالة مشوهة ومهملة. لهذا السبب أعفانا الله من العمل غير المفيد، واضعًا فينا قوة العمل في العنصر النبيل (النفس).

فمن لا يقدر أن يغير جسده القبيح إلى شكل جميل، يستطيع أن يسمو بالنفس، حتى ولو كانت قد انحدرت إلى أقصى حدود القبح، ليصل بها إلى قمة الجمال. ولا يجعلها محبوبة ومرغوبًا فيها من الصالحين فحسب بل ويجعلها من الله ذاته سيد الكل وإلههم يقول المرتل عندما نطق بخصوص هذا الجمال: “فيشتهي الملك حسنك”  (مز45: 11)[273].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إننا ندرك أن الحكمة الإلهي يطلب جمال النفس الفائق الذي من عمله، فلا ننشغل بجمالنا الجسدي.

v     تسترسل العروس في حديثها مع تلاميذها، فتتحدث عن حقيقة مدهشة عن نفسها حتى نستطيع أن نعلم مدى عظمة حب العريس لبنى البشر الذي أضفي جمالاً على العروس المحبوبة من خلال مثل هذا الحب. تقول: “لا تتعجبوا أن الحق أحبني”. بالرغم من أني صرت سوداء بسبب الخطية ومكثت في الظلال بسبب أعمالي، فإن العريس قد جعلني جميلة من خلال حبه، إذ استبدل جماله بعاري (إش 2:53-3؛ في 7:2). بعد أن حمل دنس خطيتي، سمح لي أن أشاركه في طهارته وأضفى عليَّ جماله. حوّل منظري المنفر إلى جمالٍ، أظهر لي حبه…

بالرغم من إننا صرنا ظلمة بسبب الخطية فإن الله قد أضفى علينا جمالاً وبهاءً من خلال نعمته الفائقة. عندما يسود الليل ويكتنف الظلام كل شيءٍ نجد أنه رغم أن بعض الأشياء تصير مضيئة بالطبيعة إذ حل النهار فإن مقارنتها بالظلمة لا تنطبق على الأشياء التي كانت معتمة قبلاً بالسواد. وهكذا تعبر النفس من الخطأ إلى الحق، وتتبدل صورة حياتها المظلمة إلى نعمة فائقة. انتقل بولس الرسول عروس المسيح من الظلمة إلى النور، إذ يقول لتلميذه تيموثاوس (1 تي 13:1)، كما العروس لوصيفتها، إنه قد صار مستحقًا أن يكون جميلاً، لأنه كان قبلاً مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا ومظلمًا. ويقول بولس الرسول أيضًا إن المسيح جاء إلى العالم لينير للذين في الظلمة. إن المسيح لم يدعُ أبرارًا بل خطاة إلى التوبة، الذي جعلهم يضيئون كأنوار في العالم (في 15:2)، بحميم الميلاد الثاني الذي غسلهم من صورتهم السوداء الأولى…

تشجع العروس بنات أورشليم بحماس إذ تصف لهم صلاح العريس الذي يستلم النفس السوداء ويردها إلى صورة الجمال الأول بالشركة معه. إذن من كان  “كخيام قيدار” يصير مسكنًا مضيئًا لسليمان الحقيقي، أي يسكن فيه ملك السلام. لذلك يقول النص: “أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم”[274].

القديس غريغوريوس النيسي

إذ نتمتع بالنور الإلهي الأبدي – حكمة الله – نحسب كل نور في العالم كلا شيء.

v     مصباحًا واحدًا أنظر، وبنوره أستضيء، والآن أنا في ذهول، أبتهج روحيًا، إذ في داخلي ينبوع الحياة، ذاك الذي هو غاية العالم غير المحسوس!

v     احمل نير ربّك في قلبك، وعجب عظمته في عقلك دائمًا، فينسكب فيك نور ربّك الوهَّاج الذي يضيء قلبك!

الشيخ الروحاني

v     أيّها النور غير المنظور!

أيها البهاء الذي لا يراه بهاء آخر!

أنت هو النور الذي تختفي أمامك كل الأنوار المخلوقة!

أنت البهاء الذي ينطفئ قدّامه كل بهاء خارجي!

أنت هو “النور” مصدر كل الأنوار، و”البهاء” ينبوع كل بهاء!

أنت هو النور والبهاء، أمامك تصير كل الأنوار ظلمات، وكل ضياء بالنسبة لك ليس إلاَّ ظلامًا!

أنت هو البهاء الذي بك تصير الظلمة نورًا، وبك يتلألأ الظلام لمعانًا!

أنت هو النور الأسمى، لا تحجبك سحابة ما، ولا يعوقك بخار، يعجز الليل عن أن يسدل بظلامه عليك، لا يعوقك حاجز ولا تُغرٍقك ظلال!

أخيرا، أنت النور الذي ينير الخليقة الداخليّة على الدوام، ابْتَلِعْني في هوّة جلالك، حتى أعاين كل أعماقك، بقوّة بهاء لاهوتك ذاته، وعمل البهاء المنعكس عليَّ منك!

لا تتركني قط، لئلاَّ يتزايد جهلي وتكثر شروري، فبدونك أصير فارغًا وبائسًا!

بدونك لا يكون لأحد صلاح، إذ أنت هو الحق والصلاح الحقيقي وحده!

هذا ما أعترف به؛ وهذا هو ما أعرفه، يا الله إلهي، أنَّه حيثما وُجٍدْتُ بدونك لا يكون لي غير الشقاء – في الداخل كما في الخارج – لأن كل غني غير إلهي إنّما هو بالنسبة لي فقر مدقع!

القدِّيس أغسطينوس

ج. إدراك مخازنها

فأتتني معها جميع الخيرات،

وفي يديها غنى لا يُحصى. [11]

يعلق الأب ماريوس فيكتورينوس على قول الرسول “حكمة الله المتنوعة (أف 10:3)، قائلاً: الوعود عظيمة هكذا: غفران الخطايا، والوعد بالسماء، والحياة الأبدية والتمجيد، وميراثنا مع المسيح نفسه في قيامته من الموت، بل في وموته نفسه (كهبةٍ لنا). هذا كله يجعل حكمة الله متنوعة[275].

v     بدون الرب يسوع وعمل قوته الإلهية، لا يستطيع أحد أن يعرف أسرار الله وحكمته، أو أن يحصل على الغنى الحقيقي، ويصير مسيحيًا. فإن الحكماء المحاربين الشجعان وفلاسفة الله هم أولئك الذين ينقادون بالقوة الإلهية ويتغذون بها وينضبطون في الإنسان الناطق بها[276].

 القديس مقاريوس الكبير

فسُررت بهذه الخيرات كلِّها،

لأن الحكمة تتقدمها،

ولم أكن عالمًا بأنها أُمٌّ لها. [12]

v     لألتصق بك، فأنت هو الخير وحده، وبدونك ليس للخير وجود! لتكن أنت كل سعادتي، يا كلي الصلاح!

v     ألست أنت هو الخير الفائق، وكل خير إنّما هو مستمدّ منك؟!

v     القلب الذي لا يبتغيك، ماذا يطلب؟! أيطلب الغني الذي لا يملأ العالم أم يبتغي أشياء مخلوقة… وما هذه الرغبة في الأشياء المخلوقة إلاَّ مجاعة دائمة؟! من يقتنيها تبقى نفسه بلا شبع، لأنَّها لا تقدر أن تشبع إلاَّ بك يا إلهي، إذ أنت خلقتها على صورتك…

أيها الرب إلهي… أيّها الفائق القدرة… لقد عرفت الآن موضع سرورك. أنَّها النفس المخلوقة على صورتك كشبهك، تلك التي لا تطلب غيرك، ولا تشتاق إلاَّ إليك!…

القدِّيس أغسطينوس

وما تعلمتُه بإخلاصٍ أُشرِكُ فيه بسخاء،

ولا أكتم غناها. [13]

v     ماذا تطلبين يا نفسي المسكينة؟!

إن أردتِ الحكمة، تجدين يسوع مصدر الحكمة وينبوعها، بل هو الحكمة ذاته!

وإن طلبتِ القوّة والقدرة، فهو القدير!

إن بحثتِ عن اللذّة والسرور، فهو ينبوع الفرح الحقيقي!

إن اشتقتِ إلى السكر، فمحبّته تسكر النفس!

إن جُعتِ إلى الخبز، فهو خبز الحياة!

وإن شغفتِ بالغني، فهو خالق الكل!

وإن أردتِ الراحة، تجدين فيه وحده راحتك!… اقبليه فليس لك من يشبعكِ غيره.

القدِّيس أغسطينوس

د. إدراك أنها طريق الصداقة مع الله

فإنها كِنزٌ للناس لا ينفد،

والذين اقتنوه صاروا أصدقاء الله،

وقد أوصَته بهم،

المواهب الصادرة عن التعلم. [14]

إذ يبرر سليمان عظمة الحكمة، وتقديره لها افضل من العرش الجالس عليه والغنى، يربط الحكمة بالتأديب. فلا يقدر الإنسان أن ينعم بالحكمة ما لم يتقبل تأديبات الرب لبنيانه.

v     عندما نفرح في الصلاة، يهدأ فكرنا لا بمقتنيات العالم بل بنور الحق… تفرح نفوسنا بالله، ولا تكون بعيدة عنه، لأنَّه كما يقول: “به نحيا ونتحرّك ونوجد” (أع 17: 28)، ولكنّه كأخ وكقريب، كصديق لي! (مز 35: 14).

القدِّيس أغسطينوس

v     لا توجد قرابة أو رابطة مثل قرابة النفس لله، أو قرابة الله للنفس[277].

القديس مقاريوس الكبير

  1. طلب الإلهام الإلهي للحديث عنها

ليهب لي الله أن أتكلم كما يليق،

وأن أُجريَ في خاطري ما يليق بما نلته من المواهب،

فإنه هو دليل الحكمة ومرشد الحكماء. [15]

إذ عبَّر سليمان عن رغبته في مشاركة الناس له للتمتع بالحكمة لنفعهم، فإنه قبل أن يصف لهم الحكمة رفع قلبه لله طالبًا أن يهبه كلمة تسنده للحديث عن الحكمة.

v  ربما يعترض قارئ يقظ قائلاً: “إن كان بولس يعرف جزئيًا ويتنبأ جزئيًا، ويرى الآن كما في مرآة في لغزٍ (1 كو 12:13)، فكيف أُعلن له سرٌ الله كما لأهل أفسس بكل حكمة وفطنة (أف 9:1)؟… إنهم لم يتعلموا هذا السرٌ بأنفسهم في كل حكمة وفطنة، وإنما الله الذي في كل حكمة وفطنة يعلن لنا السرٌ قدر ما نستطيع أن نقتبس[278].

 القديس جيروم

وفي يده نحن وأقوالنا،

وكل حكمةٍ وكل علمٍ من عُلوم الصناعة. [16]

v     لتكن أحاديثنا مُعِينَة لكنّ ( أيتها الأرامل)، وليكن كل شيءٍ مخصص لنعمة الله، كما هو مكتوب: “وفي يده نحن وأقوالنا” (حك 7: 16)[279].

القديس أغسطينوس

  1. العلوم والمعرفة عطايا الحكمة الإلهية

فهو الذي وهب لي علمًا يقينًا بالكائنات،

حتى أعرف نظام العالم وفاعلية العناصر [17]

ومبدأ الأزمنة ومُنتهاها وما بينهما،

وتَعاقُب الاعتدالاتٍ وتغير الفصول. [18]

ودوائر السنة ومركز النجوم، [19]

وطبائع الحيوانات وغرائز الوحوش،

وعنف الرياح وخواطر البشر،

وأنواع النبات وخواص الجذور. [20]

يدين سليمان لله بتمتعه بالحكمة وروح المشورة، وأيضًا التعرف على كثير من العلوم مثل الفلك، والفنون، والصناعات. وقد جاء في ملوك الأول: “كان صيته في جميع الأمم حواليه. وتكلم بثلاثة آلاف مثلٍ؛ وكانت نشائده ألفًا وخمسًا،، وتكلم عن الأشجار من الأرز الذي في لبنان إلى الزوفا النابت في الحائط؛ وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك؛ وكانوا يأتون من جميع الشعوب ليسمعوا حكمة سليمان من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته” (1 مل 4: 31-34). تعرف سليمان على طبائع الحيوانات وغرائزهم، وجاء في التقليد اليهودي والفلكلور الشعبي اليهودي، أنه كان يفهم لغات الحيوانات والطيور. كما كان يفهم عاداتهم، وقد وضع أمثالاً مستعينًا بعاداتهم.

v  ها أنتم ترون أن قلب الإنسان الذي يمكنه أن يدرك هذا كله ليس بصغيرٍ. لتتحققوا أن عظمته لا تُقاس بحجم الجسم بل بقوة إدراكه. إنه قادر إن يدرك معرفة عظيمة كهذه للحق![280]

العلامة أوريجينوس

فعرفتُ كل ما خفي وكل ما ظاهر، [21]

ينسب سليمان الحكيم معرفته لعادات الحيوانات والطيور وما يجري في الطبيعة إلى الله نفسه بكونه المهندس الأعظم والخالق العارف بكل أسرار الطبيعة، وقد وهبه حكمة ليتعرف على هذه الأمور.

أما ما في قلوب البشر وأذهانهم فلم يكشفها الله لسليمان، هذه لا يأتمن الله كائنًا ما عليها إلا في حدود ضيقة للغاية لتحقيق خطته. إنه يستر على البشرية فلا يفضح ما في ضمير الإنسان وعواطفه وأفكاره؛ لكنها ستنفضح في يوم الدينونة متى رفض الإنسان أن يستر على نفسه بمراحم الله ونعمته خلال رجوعه إلى الله بالتوبة.

[في حديثه عن أولاد شيث الذين هم أبناء الله الذين رأوا البنات اللواتي من نسل قايين، فالتهبت فيهم الشهوة بسبب جمالهن] هؤلاء سقطوا من الدراسة الحقيقية للفلسفة الطبيعية التي تسلموها من أسلافهم، حيث تتبع الرجل الأول (آدم) دراسة كل الطبيعة واستطاع أن ينالها بوضوح، وسلّمها إلى خلفه على أسس أكيدة، وذلك قدر ما رأى العالم في بدء نشأته، حيث كان لا يزال الإنسان في رقته وبساطته كمن فيه ليس فقط كمال الحكمة هذه، بل ونعمة النبوة التي وهبت له بالوحي الإلهي، حتى أنه بينما كان ساكنًا في هذا العالم غير متعلم أعطى أسماء لكل الكائنات الحية، ولم يعرف فقط ثورة كل أنواع الحيوانات والثعابين وسمومها، بل وميّز بين أنواع النباتات والأشجار وطبائع الأحجار وتغيير الفصول التي لم يكن بعد قد اختبرها.

استطاع أن يقول حسنُا: “الرب وهب لي علمًا يقينًا بالكائنات حتى أعرف نظام العالم، وفاعلية العناصر، ومبدأ الأزمنة ومنتهاها وما بينها، وتعاقب الاعتدالات وتغيير الفصول، ودوائر السنة ومراكز النجوم، وطبائع الحيوانات وغرائز الوحوش، ونغمات الأرواح وخواطر البشر، وأنواع النبات وخواص الجذور، فعرفت كل ما خفي وكل ما ظهر” (حك 17:7-21)[281].

الأب سيرينوس

  1. الحكمة انعكاس للنور الإلهي

لأن مُهندسة كلِّ شيء علمتني،

وهي الحكمة.

فإن فيها روحًا فَطِنًا قدوسًا،

وحيدًا مُتشعِّبًا لطيفًا،

مُتحركًا ثاقبًا طاهرًا،

واضحًا سليمًا مُحبًا للخير حادًا. [22]

حُرًا مُحسنًا مًحبًا للبشر،

ثابتُا آمنًا مُطمئنًا،

يقدِر على كل شيء،

ويراقب كل شيء،

ينفذ إلى جميع الأرواح،

الفهمة منها والطاهرة والأشد لطافة. [23]

يرى البعض أن سليمان الحكيم يقدم في الآيتين 22، 23 واحد وعشرين سمة للحكمة تكشف عن كمالات الله. فان كان رقم 7 يشير إلى الكمال، ورقم 3 إلى الأقانيم الإلهية فان رقم 21 (7×3) يشير إلى كمال الله[282].

حين يقدم لنا الكتاب المقدس سمات عن أقنوم إلهي مثل حكمة الله أو ابن الله، إنما يقدم بلغتنا البشرية ما لا يُمكن التعبير عنه بأية لغة. لان الله لا يمكن الحديث عنه بلغةٍ بشريةٍ يقدم لنا السمات التي نتلامس معها ونتفاعل معها ونحيا بها.

هذه السمات هي:

  1. روح (ع 22).

v     إننا لسنا نعتقد أنه إذ أخلى نفسه، أنه وهو روح صار شيئًا آخر. بل بالأحرى ترك إلى حين كرامة عظمته، مرتديًا جسدًا بشريًا. فقط بكونه صار في شكل بشري أمكنه أن يصير مخلصًا للبشرية. لاحظوا أنه عندما تتغطى الشمس بسحابة يُعاق بهائها لكنها لا تظلَّم. نور الشمس الذي ينتشر على كل الأرض، يخترق الكل بإشراقه البهي، يحجب بواسطة سحابة صغيرة تعوقه لكنه لا يُنزع. هكذا أيضًا هذا الإنسان الذي صار إليه يسوع المسيح (لبسه) بكونه مخلصنا بمعنى أن الله وابن الله لم ينقص لكنه أخفى لاهوته فيه إلى لحظات[283].

 غريغوريوس أسقف الفيرا

  1. فطن أو عاقل (ع 22).

يقدم لنا حكمة الله ذاته، لكي نقتنيه، وبه نصير حكماء، به نتعرف على الله ونعرف أسراره الإلهية، ونأتي إليه.

v     يقول الرسول إن قوة الله سرمدية ولاهوته (رو 20:1). إذ مكتوب أن المسيح هو قوة الله وحكمة الله (1 كو 24:1)… مكتوب: “ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يو6:14). فما تدركونه بخصوص الآب… ما كان يمكنكم أن تدركوه البتة بدون معونة الابن، ولا يمكن لأي فهم أن يصعد إلى معرفة الآب إلا بالابن[284].

القديس أمبروسيوس

  1. قدوس، لا يتسرب إليه شيء نجس (ع 22، 25).

v     وجهت الكلمات “كن كاملاً” لإبراهيم، هذا الذي أُعطي له روح الحكمة، القدوس العجيب في لطفه، الطاهر… من ينال الحكمة لا يمكن إلا أن يكون صالحًا وكاملاً، إذ يقتني كل فضيلة ويكون أيقونة للصلاح[285].

v     إن كان الروح ليس فيه خطية، فهو الله. كيف يمكن أن يخطئ من هو نفسه غافر الخطايا (يو 20: 22) لذلك فهو لا يرتكب خطية، وإن كان بلا خطية فهو ليس مخلوقًا، لآن كل مخلوق يتعرض لإمكانية الخطية، أما اللاهوت السرمدي فوحده بلا خطية وقدوس[286].

القديس أمبروسيوس

v     بواسطة الصلاة تتولد الشركة في قداسة الله في أولئك الذين يُحسبون أهلاً لها… الإنسان الذي يغصب نفسه كل يوم للمواظبة على الصلاة، فإنه يشتعل بالحب الإلهي، ويتقد برغبة نارية من الحب الروحي نحو الله، وينال نعمة كمال تقديس الروح[287].

القديس مقاريوس الكبير

v     إن كان أحد يكرس نفسه لله، إن كان أحد لا يرتبك بأمورٍ دنيويةٍ لكي يرضي من جنده، إن كان أحد يعتزل الذين يعيشون في حياة جسدانية والمنهمكين في الأمور الدنيوية، إن كان لا يطلب ما هو على الأرض بل ما في السماء (كو 3 : 1-2) مثل هذا الإنسان يستحق أن يدعى مقدسًا[288].

العلامة أوريجينوس

v     لا يحسب القول (بأن إنسانًا ما كامل أو قديس) فيه مبالغة إن كان الإنسان يسلك بلا لوم ولم يكن بعد قد بلغ بالفعل إلى نهاية رحلته، وإنما لا يزال يعبر نحو النهاية بطريقه غير معيبة، متحررًا من الخطايا المميتة وفي نفس الوقت يطهر خطاياه غير الإرادية بالعطاء، فان الطريق الذي نسلكه وبه نبلغ إلى الكمال يتطهر بالصلاة النقية[289].

القديس أغسطينوس

  1. وحيد (ع 22): حكمة الله هو ابن الله الوحيد، نزل إلينا ليرفعنا من روح العبودية إلى روح التبني. إذ وهو الابن الوحيد ضمنا إليه وجعلنا أبناء للآب بالتبني وذلك خلال مياه المعمودية، أما هو فالابن الوحيد بالطبيعة منذ الأزل.

الآن وان كنا لسنا أهلاً أن نُدعى عبيدًا لله، لكنه الله يدعونا أبناء له، و شتان ما بين الابن والعبد.

v     كما يحدث أن إنسانًا عنده خيرات عظيمة، وله أولاد وعنده أيضًا خدم، فهو يعطي للخدم نوعًا من الطعام يختلف عن الطعام الذي يعطيه لأولاده المولودين منه. لأن الأولاد هم ورثة أبيهم، يأكلون معه، لأنهم يشبهون آباءهم. هكذا المسيح أيضًا رب البيت الحقيقي، الذي خلق كل الأشياء بنفسه، فإنه ينعم على الأشرار وغير الشاكرين. أما الأولاد الذين ولدهم منه، والذين منحهم نعمته، والذين يتصور هو فيهم، هؤلاء يزودهم – أفضل من الآخرين – بتنعمٍ وغذاءٍ مخصوص طعامًا وشرابًا. وإذ يذهبون مع يسوع أبيهم في كل مكان، فإنه يعطيهم ذاته، كما يقول الرب: “من يأكل جسدي، ويشرب دمي، يثبت فيٌ وأنا فيه”، وأيضًا: “لا يرى الموت” (يو 56:6؛ 51:8). فأولئك الذين يمتلكون الميراث الحقيقي، قد وُلدوا كبنين للآب السماوي، ويقيمون في بيت أبيهم، كما يقول الرب: العبد لا يبقى في البيت إلى الأبد، أما الابن فيبقي إلى الأبد” (يو 35:8)[290].

 القديس مقاريوس الكبير

  1. متشعب (ع 22): يعلن عن ذاته بطرق متنوعة.

v     إلهي… ليتني أعرفك، يا من أنت تعرفني، ليتني أعرفك يا قوّة نفسي! اِكشف لي عن ذاتك، يا معزّي نفسي!

ليتني أعاينك يا ضياء عينيَّ!

أسْرِع يا بهجة نفسي، لأتأمل فيك يا سرور قلبي!

ألهمني حبّك، فأنت هو حياتي!

اَشرِق عليَّ، ففيك يكمن فرحي الحقيقي. فيك عذوبة راحتي. فيك حياتي. فيك كمال مجدي!

القديس أغسطينوس

  1. لطيف (ع 22): غير مادي ولا هيولي، لا يُمكن للإنسان أن يتعرف على أسراره بدون إعلاناته. هذا ما دفع الابن أن يتجسّد بيننا، يُعلن ذاته لنفوسنا، ويقدّم نفسه فردوسًا لمن حُرموا منه. ربّنا يسوع – الكلمة المتجسّد – جاء ينادي في كل مناسبة “أنا هو… كلمات إله محب يقدّم نفسه لنفوس جهلته؛ لو نطق آخر غيره لكان إنسانًا متكبرًا متعجرفًا يقدّم ذاته للنفوس البشريَّة ليغتصب مكانة الله الخالق المشبع لنفوس خليقته.

v     عَضِّدْني أيّها المجد الأبدي، يا فرحي، اِكْشِفْ لي ذاتك يا إلهي حتى أحيا!

القديس أغسطينوس

  1. متحرك (ع 22، 24).

يقول السيد المسيح: “آبي يعمل حتى الآن، وأنا أيضا أعمل” (يو5: 17). إنه يبقى يعمل، فهو البداية في حياتنا الروحية، وهو النهاية. يبدأ معنا عاملاً فينا، ويسير معنا بكونه الطريق، ويحملنا في النهاية إليه حيث نشاركه مجده.

v     المسيح هو بداية فضيلتنا هو بداية الطهارة… المسيح هو بداية التدبير. إذ صار فقيرُا مع أنه الغني (1 كو 9:8). هو بداية الصبر، فعندما شُتم لم يشتم، وعندما ضُرب لم يضرب. هو بداية التواضع، إذ اخذ شكل العبد، مع أنه في عظمة قوته مساوٍ لله الآب. فيه أخذت كل فضيلة أصلها[291].

القديس أمبروسيوس

  1. ثاقب، ينفذ إلى جميع الأرواح، ويجتاز إلى النفوس المقدسة (ع 22، 24، 27).
  2. طاهر (ع 22).، لا يمسه دنس بالرغم من وجوده في كل مكان ويعمل لتقديس الخطاة.
  3. واضح (ع 22).
  4. سليم (ع 22).

v     يسوع الذي يقضي على النقائص في داخلنا، ويسقط أكثر ممالك الشر فسادا[292].

العلامة أوريجينوس

  1. محب للخير ومحسن (ع 22، 23).

إذ يقدم حكمة الله ذاته كنزًا لنا، ينير نفوسنا ويشبع قلوبنا ويدخل بنا إلى غنى المجد الأبدي، لذا دعي بالخير الأعظم. فهو محب للخير، محسن على خليقته، يود أن يقدم ذاته لكل إنسانٍ، ليحمله فيه كمصدر الخيرات، ولا يعوزه شيء قط.

v     والآن فلنعتبر ما تقوله الأناجيل في ضوء الوعود بالخيرات. ولابد لنا من القول أن الخيرات التي يعلن عنها الرسل في هذه الأناجيل هي ببساطة: يسوع. فأحد الخيرات التي يعلنونها هي القيامة. ولكن القيامة – على وجه ما – هي يسوع، فهو القائل: أنا هو القيامة[293].

v     الأمور السماوية، حتى الملكوت السماوي أو المسيح ذاته، ملك الدهور هي في مجملها ملكوت السماوات المُشَبهَّةً بكنزٍ مُخفي في الحقل” (متى 44:13).

أي كنوز؟ قارن الكلمات “المُذَخَّرُ فيه جميع كنوز الحكمة والعلم” (كو 3:2). فتلك الكنوز هي في المسيح. فمن نَبْعِهِ يأتي “الروح” بأنواع مختلفة من المواهب: فللبعض مواهب حكمة، وللبعض مواهب علم أو مواهب إيمان، ولآخرين أياً من نعَم الله (1 كو 8:12)[294].

العلامة أوريجينوس

v     إن وُجد فيَّ شيء صالح، إنّما مصدره أنت، فالخير الذي هو فيَّ هو خيرك أنت أيّها الصالح، منكَ قد تقبَّلتُهُ!

من يُعينني على الوقوف إلاَّ أنت يا إلهي؟!

وما الذي يُسْقِطُني غير اتّكالي على ذاتي؟!

إنَّني سأبقى غارقًا في الطين ما لم تجتذبني!

وأبقى أعمى ما لم تفتح عينيّ!

وأبقى ساقطًا لا أقوم قط ما لم تُعينني يداك! إنَّني أهلك تمامُا ما لم تحرسني عنايتك!

القدِّيس أغسطينوس

  1. حاد (ع 22): أي حازم وعادل مع كثيرة محبته ورحمته اللانهائية.
  2. حر (ع 23).

الحكمة الإلهي حر، لا سلطان للموت عليه، يشتاق أن يرى كل إنسانٍ متحررًا من كل فكرٍ خاطئٍ ومن كل ومن كل خطيةٍ، فلا يكون للموت الأبدي ولا لإبليس سلطان عليه.

v     حسنًا دُعي حرًا ذاك الذي له سلطان أن يقيم نفسه… وحسنًا دُعي حرًا ذاك الذي نزل لكي يخلص الآخرين[295].

القديس أمبروسيوس

v     اتبع العريس السماوي، لتصمد أمام الأعداء غير المنظورين، لتثر حربًا ضد الرئاسات والسلاطين (أف 6: 12)، فتسحبهم أولاً عن نفسك فلا يكون لهم نصيب فيك، وبعد ذلك تطردهم عن أولئك الذين يطيرون إليك طالبين الحماية بمشورتك. اطرحهم تحت قدميك كقائدٍ لهم ومدافع عنهم. لتجحد تلك المجادلات التي ضد الإيمان بالمسيح.

حارب بكلمة التقوى ضد المشورة الشريرة الرديئة. وكما يقول الرسول: “هادمين ظنونًا وكل علوٍ يرتفع ضد معرفة الله” (2 كو 1.: 5). ضع ثقتك، فوق الكل، في ذراع الملك العظيم، الذي بمجرد رؤيته يخاف أعداءه ويرتعدون[296].

القديس باسيليوس الكبير

  1. محب البشر (ع 23).

حكمة الله، ربنا يسوع، محب للبشر قدم ذاته ذبيحة من أجل خلاصهم، وهو يترفق بنا حتى في غضبه وتأديبه لنا.

v     تذكَّر الراعي الذي يتبعك وينجِّيك…

أذكر مراحم الله، كيف يشفي (كالسامري الصالح) بزيتٍ وخمرٍ.

لا تيأس من الخلاص، مسترجعًا إلى ذاكرتك ما ورد في الكتاب المقدَّس أن الذي يسقط يقوم، والضال يعود (إر 8: 4) والمجروح يُشفي، والفريسة تهرب (من الوحش)، ومن يعترف بخطيَّته لا يُحتقر.

الرب لا يشاء موت الخاطي، بل بالأحرى أن يعود ويحيا (حز 18: 32)[297].

القديس باسيليوس الكبير

v     غضب الله ليس انفعالاً، وإلاّ كان يحق للإنسان أن ييأس لعدم قدرته على إطفاء لهيب غضب الله المشتعل بسبب أعماله (أي الإنسان) الشريرة. لكن الله بطبيعته خالٍ من الانفعال حتى إن عاقب وإن انتقم، فإنه لا يصنع ذلك حنقًا، بل عن اهتمام بنا، ففيه حنان وعفو عظيم. وهذا يدفعنا إلى أن تكون لنا شجاعة عظيمة صالحة، وأن نثق في قوة التوبة…

الذين أخطأوا ولو في حقه، لا يرغب في معاقبتهم انتقامًا لنفسه، لأنه لا يصيب لاهوته ضرر، إنما يفعل ذلك لأجل نفعنا، لكنه يمنع انحرافنا الذي يتزايد باستهتارنا وعدم مبالاتنا به.

فكما أن الذي يبقى خارجًا بعيدًا عن النور، لا يضر النور في شئ، بل تقع الخسارة العظمى عليه بكونه في الظلام، هكذا ممن اعتاد أن يحتقر القوة القادرة، لا يضر القوة بل يضر نفسه بأكبر ضرر ممكن.

لهذا السبب يهددنا الله بالعقوبات، بل وقد يصبها علينا، ليس انتقامًا لنفسه بل كوسيلة لجذبنا إليه[298].

v     هذا هو حنو الله أنه لن يُدير وجهه عن توبة صادقة، فحتى إذا كان الإنسان قد اندفع إلى أقصى حدود الشر، عندما يعود إلى طريق الفضيلة، يقبله الله ويرحب به، ويصنع معه كل شيءٍ إلى أن يعيده إلى حالته الأولى.

فالله يعمل إلى أقصى حدود الرحمة، حتى ولو لم يُظهر الإنسان توبة كاملة، فهو لا يتجاهل أمرًا صغيرًا أو زهيدًا، بل يعطى عن هذا جزاءً عظيمًا. ويظهر ذلك من قول النبي إشعياء: “من أجل إثم مكسبه غضب وضربته، استترت وغضبتُ، فذهب عاصيًا في طريق قلبه. رأيت طرقه وسأشفيه وأقوده وأرد تعزيات له ولنائحيه” (إش 17:57، 18).

وسنقتبس مثلاً آخر، وهو أشر الملوك كفرًا، الذي كان يخطئ بتأثير زوجته، لكنه ما أن تأسف ولبس المسوح، ودان أخطاء،ه حتى ربح لنفسه مراحم الله… فقد قال الله لإيليا: “هل رأيت كيف نُخس قلب آخاب أمام وجهي، لا أجلب الشر في أيامه لأنه بكى أمامي” (راجع 1 مل29:21)[299].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     ينظر الله إلى الناس، ويهتم بهم بنوع خاصٍ، ويقود كل الأشياء بتدبير عنايته بحسب الحكمة[300].

القديس مقاريوس الكبير

  1. ثابت في ذاته، غير متغير (ع 23، 27).

مسيحنا هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد (عب 13: 8), غير متغير، يقدم ذاته كصخرةٍ ثابتةٍ، تبنى عليها كنيسته، فلا تقدر أمواج بحر هذا العالم أن تحطمها، ولا يقدر الزمن أن يجعلها تشيخ وتضعف.

v     ليتكم تُبنون على الصخرة إن كنتم تريدون ألا يهدمكم مجرى الماء أو الرياح أو الأمطار. إن أردتم أن تتسلحوا ضد التجارب في هذا العالم، فليكن شوقكم إلى أورشليم الأبدي يبنيكم ويقوي قلوبكم[301].

v     أخلي نفسه، ليس لأنه تغير عن كونه الحكمة الأزلي. فإن الحكمة الأزلي لن يتغير مطلقًا. بالأحرى دون أن يتغير اختار أن يصير معروفًا للبشرية في شكلٍ متواضعٍ[302].

v     خير لي الالتصاق بالله (حك 27:7). فإنني إن لم استقر فيه، لا استقر في نفسي، أما هو فثابت في ذاتهويجدد كل الأشياء. وأنت هو الرب إلهي، حيث انت قائم ولست في حاجة إلى صلاحي (مز 2:16)[303].

v     من هو مثال كلمتك، ربنا القائم في ذاته دون أن يشيخ، ويجدد كل الأشياء[304].

القديس أغسطينوس

v     الذي يحاكيه هو صخرة[305].

العلامة أوريجينوس

v     الله غير المحدود، مع بقائه غير متغير، أخذ جسدًا، وحارب الموت، محررًا إيانا من الآلام، محررًا بآلامه!… هو نفسه قيٌَد القوي، ونهب أمتعته (مت 12: 21) – أي أخذنا نحن منه، نحن الذين صرنا في انحطاطٍ في كل شرٍ، وجعلنا أوانٍ لائقة باستخدام السيد، حيث صارت إرادتنا الحرة مستعدة لكل عملٍ صالحٍ[306].

 القديس باسيليوس الكبير

  1. آمن (ع 23).
  2. مطمئن (ع 23).

إذ حكمة الله فوق كل شيء، لن يمسه أذى، بل ويهب من يرتبط معه الأمان والطمأنينة. إنه يحتضن مؤمنيه، كما تحت جناحيه، يظللهم من حر التجارب ويهبهم روح الغلبة والنصرة.

v     نحن نعيش تحت ظل نعمة المسيح[307].

v     لم يفتخر أحد بانتصاره، أو عزاه إلى شجاعته الشخصية، لعلمهم أن يسوع هو مانح النصرة، “لا يسن أحد لسانه” (سي 21:10). وقد تفهم الرسول ذلك عندما قال: “لا أنا بل نعمة الله التي معي (1 كو 10:15)”.

فليت الله يرشدني (بعد فوزي بمعركة الحياة) … أن لا أعزو انتصاري إلى فضل مني، بل إلى صليبه[308].

العلامة أوريجينوس

  1. قدير (ع 23، 25، 27).

v     إنه هو الذي كان والكائن ويبقى دومًا… الابن الحقيقي، الثابت، غير القابل للتغيير، لأنه هو الله وابن القدير الكلي القدرة، مع هذا تنازل لأجل خلاصنا، لكي يرفعنا ونحن مطروحون[309].

 لوسفير

  1. ضابط الكل ويراقب كل شيءٍ (ع 23، 8: 1)، يملأ المسكونة (8: 1).

إنه فاحص القلوب والكلى، العالم بكل أفكارنا ونياتنا، يأتي ليديننا حسب نياتنا الداخلية وكلماتنا وسلوكنا.

v     لنبغض خطايانا لأجل ذاتها ولنحب ذاك الذي يأتي ليعاقب خطايانا. إنه آتٍ، إن أردنا أو لم نرد[310].

القديس أغسطينوس

  1. ينفذ إلى جميع الأرواح (ع 23).

لأن الحكمة أكثر حركة من كل حركة،

فهي لطهارتها تخترق وتنفذ كل شيء. [24]

يكشف الإيمان بالثالوث القدوس حقيقة الله، أنه ليس بالكائن الأزلي الجامد، تحرك فقط عندما خلق السمائيين والأرضيين، إنما هو حركة حب أزلية قائمة في داخله بين الثالوث القدوس، لم تكن يومًا ما قوة كامنة بلا فعل، إنما فعل الحب كان قائمًا منذ الأزل.

هذا الإله الذي هو الحب العامل يتحرك دومًا، فيخترق النفس البشرية ليطهرها ويقدسها، ويقيم منها أيقونة له، حية وفعالة.

حكمة الله حاضر دومًا، إذ يقول: “ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” (مت 20:28). وسنكون معه أيضًا في العالم الآخر.

هنا ننعم بحضوره معنا وشركتنا معه، وهناك ننعم بوجودنا في أحضانه، نتمتع برؤياه وجهًا لوجه وتكون لنا شركة معه في المجد الأبدي.

v     لا يكفي أن يقول: “أريد أن هؤلاء يكونون حيث أكون” (راجع يو 24:17)، إنما أضاف: “يكونون معي”. فإنه حتى الإنسان البائس يمكن أن يوجد حيث يوجد الله، فإنه أينما وجد البائس فالله أيضًا موجود. أما الطوباويون فهم وحدهم مع الله، فإنهم به وحده يمكنهم أن يكونوا مطوَّبين. ألم يُقل عن الله: “إن صعدتُ إلى السماء فأنت هناك، وإن هبطتُ إلى الهاوية فأنت حاضر” (مز 139: 8)؟ أليس المسيح هو حكمة الله التي تخترق كل مكان من أجل نقاوتها (حك 7: 24)؟ فالنور يشرق في الظلمة، والظلمة لم تدركه (يو 1: 3)[311].

v     إن كانت الحكمة هي الله، خالق كل الأشياء، كما يشهد السلطان الإلهي والحق (حك 7: 24-27)، فالفيلسوف هو محب الله[312].

القديس أغسطينوس

فإنها نفحَة من قدرة الله،

وانبعاث خالصُ من مجد القدير.

فلذلك لا يتسرب إليها شيء نجس. [25]

في الرد على فستوس (من أتباع ماني الذين يتطلعون إلى المادة خاصة الجسد كشيء دنس) يؤكد القديس أغسطينوس أن الجسد في ذاته ليس دنسًا لأنه من صنع الصالح. كل شيء طاهر للطاهرين ، فكم بالأكثر يتطلع القدوس الطاهر إلى كل الخليقة انه ليس فيها شيء دنس أو نجس في ذاتها.

v     يقول الرسول: “كل شيء طاهر للطاهرين” (تي 15:1). إن كان هذا حقيقيًا بالنسبة للبشر الذين قد ينقادون إلى الشر بواسطة إرادة فاسدة، فكم بالأكثر يكون كل شيء طاهرًا بالنسبة لله، الذي يبقى على الدوام غير قابل للتغيير ولا للدنس!… قيل عن الحكمة الإلهية: “لا يتسرب إليها شيء دنس، وتتحرك في كل موضع لطهارتها” (راجع حك 24:7). إنها لسخافة شديدة أن تجد خطأ في التوالد البشري (إذ يرون في العلاقات الجسدية بين الزوجين نجاسة)، الذي وضعه الله، الذي كل شيء طاهر بالنسبة له[313].

v     مع أن كل الأشياء التي أقامها هي فيه، إلا أن من يخطئ لا ينجسه، الذي قيل عن حكمته: “تلمس كل الأشياء بطهارتها، ولا يهاجمها شيء نجس”. فإنها تدفعنا للإيمان بأن الله غير قابل للفساد ولا للتغيير، وهكذا فهو غير فاسدٍ[314].

 القديس أغسطينوس

لأنها بهاء النور الأزلي،

ومرآة صافية لقوة الله،

وصورة لصلاحه. [26]

يدعى السيد المسيح – حكمة الله- بهاء مجد الآب، لأنه إن كان الله نورًا، فلا يمكن أن يوجد نور بدون بهاء، ولا بهاء بدون النور. وليس من زمنٍ يفصل بين النور والبهاء. لهذا وإن كان حكمة الله هو واحد مع الآب في ذات جوهره، ويدعو نفسه: “أنا هو نور العالم”، لكنه يُدعى أيضًا “بهاء النور”. يشرق على النفوس، فتتلامس مع النور وتتعرف عليه. “الابن الذي في حضن الآب هو خبٌَر”. إنه كلمة الآب، يحدثنا لا خلال مقاطع كلمات بل بإشراق الحكمة علينا.

v     هل تبحث عن الابن بدون الآب؟ أعطني نورًا بدون الآب؟ أعطني نورًا بدون بهاء. إن كان قد وُجد وقت لم يكن فيه الابن، فإنه يكون فيه الآب نورًا قاتمًا[315].

v     إن كنت بالحقيقة تستطيع أن تفصل البهاء عن الشمس فلتفصل الكلمة عن الآب[316].

v     ما يفعله الآب، إنما يفعله بالابن، بحكمته وقوته يعمل، فلا يفعل بما هو خارج عنه. إنه يظهر للابن ما يراه هو، ولكن في الابن نفسه يظهر ما يفعله[317].

v     إن كنتم ترون أنه لا يوجد انفصال في النور، فلماذا تطلبون انفصالاً في العمل (عمل الثالوث القدوس)؟ انظروا إلى الله، انظروا كلمته الذي لا يتجرأ… فالمتكلم لا ينطق بمقاطع كلمات، إنما حديثه هو إشراق لبهاء الحكمة، ماذا يُقال عن الحكمة ذاتها؟ “إنها بهاء النور الأزلي”. لاحظوا بهاء الشمس في السماء، وتنشر بهاءها على كل الأراضي وعلى كل البحار مع أنها في بساطة هي نور حسي. إني أتحدث عن الشمس، لننظر إلى مصباحٍ واحدٍ صغير بشعاعٍ هزيل، يمكن أن ينطفئ بنفخة واحدة، يبسط نوره على كل ما هو قريب منه، من اللهيب المنتشر. ترون الانبعاث منه وليس انفصال. إذن لتفهموا أيها الإخوة المحبوبون أن الآب والابن والروح القدس متحدون معًا في ذواتهم بلا انفصال. لكن هذا الثالوث هو الله الواحد، وكل أعمال الله الواحد هي أعمال الآب والابن والروح القدس[318].

v     نقرأ: “الله نور، وليس فيه ظلمة البتة” (1 يو 5:19)، وأيضًا: “الله الذي قال أن يشرق في قلوبنا” (2 كو4: 6). أيضًا في العهد القديم أعطى اسم “بهاء النور الأزلي” (حك 26:7) لحكمة الله، التي بالتأكيد لم تُخلق، بل بها خُلق كل شيء. وعن النور الذي يصدر عن هذه الحكمة قيل: “لأنك أنت تضيء سراجي يا رب، إلهي أنت تنير ظلمتي” (مز 28:18). بنفس الكيفية، في البدء، حيث كانت ظلمة على الغمر، قال الله: “ليكن نور فكان نور” (تك 2:1)، حيث هو النور معطي النور، الله نفسه استطاع وحده أن يفعل ذلك[319].

القديس أغسطينوس

v     يقول النبي: “بنورك نعاين النور” (مز 36: 9). وأيضًا: “الحكمة هي بهاء النور الأزلي ومرآة صافيه لعظمة الله، وصورة لصلاحه” (حك 7: 26). انظروا أية أسماء عظيمة تُعلن! “بهاء“، لأنه في الابن يشرق مجد الآب بوضوح. “مرآة صافية“، إذ يُرى الآب في الابن (يو 12: 45). “صورة صلاحه” لأنه ليس بجسدٍ ينعكس على آخر، بل كل قوة اللاهوت في الابن[320].

القديس أمبروسيوس

v     الذي عنده استنارة هو أعظم من الذي له عقل ومعرفة. لأن الإنسان المستنير قد نال عقله استنارة أكثر من الذي له معرفة فقط. كما يظهر من رؤيته لرؤى داخل نفسه، لا يمكن أن تكون موضع شك. ولكن الإعلان هو شيء أعلى من الرؤى. فإن أمور الله العظيمة وأسراره إنما تُعلن للنفس بواسطة الإعلان والوحي[321].

v     كما تنظر عيوننا الشمس، كذلك ينظر المستنيرون صورة النفس، ولكن قليلاً من المسيحيين يبلغون إلى هذه الاستنارة[322].

v     يتعلم المسيحيون لغة واحدة جديدة، وجميعهم يتهذبون بحكمة واحدة هي حكمة الله… وعندما يسير المسيحيون في هذه الخليقة الجديدة، فإنهم ينالون استنارة سماوية جديدة وأمجادًا وأسرارًا يحصلون عليها من رؤية الأشياء الظاهرة التي يبصرونها بحواسهم[323].

القديس مقاريوس الكبير

v     لنأخذ في اعتبارنا من هو مخلصنا: بهاء المجد. بهاء المجد مولود… مخلصنا هو حكمة الله (1كو 1: 24). والحكمة هي بهاء النور الأزلي (حك 7: 26). فإن كان المخلص مولود دائمًا، لهذا يُقال: “قبل كل التلال يلدني”… فهو دائمًا مولود بواسطة الآب.

العلامة أوريجينوس

تَقدِرُ على كل شيء،

وهي وحدها،

وتجدد كل شيء،

وهي ثابتة في ذاتها،

وعلى مر الأجيال تجتاز إلى نفوس قدِّيسة،

فتنشئ أصدقاء لله وأنبياء. [27]

لا يستعرض حكمة الله القدير قدرته أمام خليقته، لكنه بحبه لها يعمل فيها لتجديدها المستمر. هو لا يتغير، ولا يحتاج إلى تغيير، لأن كماله مطلق ليس له حدود. خلق البشرية قابلة للتغير، لكي من جانب، يهبها حرية الإرادة، من حقها أن تنمو على الدوام، وفي قدرتها أن تهبط بكيانها حتى إلى الدمار. هذا ومن جانب آخر، فإن البشرية إن لم تكن تحمل إمكانية التغير تبقى في حالة جمود، ولا يكون للحياة طعم . فهو يجددها على الدوام إن أرادت، دون أن يتغير هو من جانبه.

v     الله غير قابل للتغير كما كُتب في المزامير: “تغيرهن فتتغير، وأنت هو كما أنت” (مز 27:102)، وفي سفر الحكمة: “تبقى في ذاتها وتجدد كل شيء” (حك 27:7).

 القديس أغسطينوس

v     من أهم واجباتنا هو تمييز الأزمنة والأوقات، حتى نتمكن من ممارسة  الفضيلة. كان الطوباوي بولس يعلم تلميذه أن يلاحظ الوقت، قائلاً: “أعكف على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب (2 تي2:4)، حتى إذا ما عرف الوقتين – المناسب وغير المناسب – يستطيع أن يصنع الأمور التي تناسب مع الوقت ويتحاشى ما هو غير مناسب.

وهكذا فإن إله الكل نفسه يعطي كل شيء في وقته كقول سليمان الحكيم (جا 7:3)، مريدًا بذلك أن يعم خلاص البشر في كل مكان في الوقت المناسب.

وهكذا “حكمة الله” (1 كو 24:1)، ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، أوجد في الأوقات المناسبة، من النفوس المقدسة أنبياء وأحباء الله (حك 27:7). وبالرغم من أن كثيرين قد قدموا صلوات لأجله (لكي يأتي مسرعًا ليقدم الخلاص) قائلين: “ليأتِ من صهيون خلاص الله” (مز 14:7)، أو كما جاء في سفر نشيد الأناشيد على لسان العروس قائلة “ليتك كأخ لي الراضع ثدي أمي” (نش 1:8)، أي ليتك كنت كبني البشر تحمل آلام البشرية من أجلنا. بالرغم من كل هذه الصلوات فإن إله الكل، خالق الأزمنة والأوقات، الذي يعرف ما هو لصالحنا أكثر منا، فإنه في الوقت المناسب، في ملء الزمان، وليس في أي وقت ما اعتباطًا، أعلن كطبيب ماهر طريق شفائنا، إذ أرسل ابنه لكي نطيعه قائلاً: “في وقت القبول وفي يوم الخلاص أعنتك”. (إش 8:49)[324]

v     لا يستخدم الله طريقة واحدة للعلاج، بل بكونه غنيًا يستخدم طرقًا كثيرة لأجل خلاصنا بكلمته، الذي هو ليس بمحدودٍ ولا مقيدٍ ولا معوقٍ في طرق علاجه التي يقدسها لنا، إنما هو غنى، وقادر أن يشكل نفسه حسب احتياجات وقدرة كل نفس.

إنه كلمة الله وقوته وحكمته كما يشهد سليمان عن الحكمة قائلاً: “وهي واحدة وقادرة على كل شيء وثابتة في ذاتها ومجددة الكل ومنتقلة إلى النفوس القديسة في أجيال الأجيال وتجعل أحباء وأنبياء لله“(حك 27:7).

فبالنسبة للذين لم يبلغوا بعد طريق الكمال، يكون (الكلمة) بالنسبة لهم (1 كو 2:3) كقطيعٍ يقدم لهم لبنًا. وهذا ما خدم به بولس إذ يقول: “سقيتم لبنًا لا طعامًا”.

أما بالنسبة للذين تقدموا وتعدوا دور الطفولة الكاملة، ولكنهم لازالوا ضعفاء إذ هم يطلبون الكمال، هؤلاء أيضًا يكون (الكلمة) بالنسبة لهم كطعامٍ قدر طاقة احتمالهم. وقد خدم به بولس أيضًا، إذ قال “أما الضعيف فيأكل بقولاً” (رو 2:14).

وبالنسبة للإنسان الذي يبدأ في السلوك في طريق الكمال، فإنه لا يعود يأكل من الأشياء السابقة بل يكون “الكلمة” للخبز، والجسد للطعام، إذ مكتوب: “أما الطعام القوي فللبالغين الذين بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة” (عب 14:5).

بالحري عندما تبذر الكلمة لا تأتي بثمر متساو في كل الناس، بل يأتي ثمر كثير ومتنوع، يأتي بمائة وستين وثلاثين (مت 8:13)، كما علمنا المخلص باذر النعمة وواهب الروح.

وهذا ليس بأمر مشكوك فيه، ولا بمحتاجٍ إلى من يؤيده، إنما يمكننا أن نتطلع إلى الحقل الذي يزرع فيه (الرب)، إذ نجد أن الكلمة واضحة ومثمرة في الكنيسة، ليس فقط بالعذارى وحدهن يتزين الحقل، ولا بالرهبان وحدهم، بل وأيضًا بالمتزوجين زواجًا مكرمًا، وبعفة الجميع…

لقد أعد الرب منازل كثيرة عند أبيه (يو 2:14)، لكن بالرغم من أن مكان السكنى نجد فيه درجات متنوعة حسب تقدم كل واحدٍ، غير أننا جميعًا سنكون في داخل الحصون، محفوظين في داخل نفس السياج حيث يطرد العدو (الشيطان) وكل جماعته خارجًا[325].

البابا أثناسيوس الرسولي

v     أي شيء مستحيل على الحكمة التي كتب عنها: “إذ هي قديرة وساكنة تجدد كل شيء فيها” (راجع حك 7: 27)؟ نقرأ عن الحكمة ليس كمن تقترب بل تقطن. هكذا لكم السلطان الذي لسليمان الذي يعلمكم عن كلية القدرة التي للحكمة وأبديتها، وأيضًا صلاحها إذ كُتب: “أما الحكمة فلا يغلبها الحقد” (راجع حك 7: 30)[326].

القديس أمبروسيوس

v     سلم الابن نفسه، لكي بكونه البرّ يطرد ما فينا من جورٍ. وتسلم الحكمة ذاتها لكي ما تطرد الجهالة[327].

 القديس جيروم

v     النفس التي ترجع إليه، طالبة رحمته، وهي محتاجة إلى حمايته، ويحضرها إلى حالة سعيدة، حالة التحرر من الشهوات، وحالة الثبات المستمر في كل فضيلة بتجديد الذهن[328].

v     لا يتصور أحد أن نفسه قد استنارت كلها مرة واحدة استنارة كلّية. فلا يزال يوجد قدر من الخطية في الداخل، ويحتاج الإنسان إلى تعب وكدّ كثيرين على حساب النعمة المُعطاة له[329].

القديس مقاريوس الكبير

لأن الله لا يحب إلاَّ من يُساكن الحكمة. [28]

حكمة الله يريد أن يكون المؤمنون أيقونة له، يتسمون بالحكمة التي يقتنونها به، فيلتصقوا به، ويسكن فيهم. لذا يليق بنا أن نطلبها منه.

v     هذا هو الفردوس الذي لا ينضب، بل يفيض بغير حدود، يعطي شبعًا قدر ما نقبل، يترجّى الكل أن يقبلوه مستعطّفًا: “أنا واقف على الباب أقرع؛ إن فتح لي أحد أدخل وأتعشّى معه”، وإن لم يفتح لي، ألح مرّة ومرّات لعلّ قلبه يلين ويفتح لي، لأنّي أحبّه!

جاء متجسّدًا، حتى يعيد إلى النفس سعادتها ويملأ جوانبها، وينزع القلق منها.

يا نفسي المسكينة، ماذا تطلبين؟!

إن أردت الحكمة، تجدين يسوع مصدر الحكمة وينبوعها، بل هو الحكمة ذاته!

القديس أغسطينوس

فإنها أبهى من الشمس،

وأسمى من كل مجموعة نجوم،

وإذا قيست بالنور ظهر تفوُّقُها. [29]

v     الآن هيئة الفضائل عجيبة ومدهشة، خاصة جمال الحكمة كما تخبرنا كل الأسفار المقدسة. فإنها أبهى من الشمس، ومتى قورنت بالكواكب لا يضاهيها أية مجموعة منها. يمكن لليل أن يتغلب على نور مجموعة من الكواكب، لكن الشر لن يقدر أن يهزم الحكمة (حك 7: 29-30)… ليس من شركة بينهما وبين الرذيلة، إنما هي في اتحاد مع بقية الفضائل بلا انفصال[330].

القديس أمبروسيوس

v     فرح نفس عبدك… اُدخل إلى نفسي أيّها الفرح الحقيقي، حتى تبتهج بك! اُدخل إليها أيّها العذوبة الحقيقيّة، أَفِضْ عليها شعاعك أيّها النور الأبدي، حتى تعرفك وتدركك وتحبّك!…

أيها النور الذي يضيء النفس، أيّها الحق البهي، أيّها البهاء الحقيقي الاستضاءة، يا من تضيء لكل إنسانٍ آتٍ إلى العالم. أتيت إلى العالم، والعالم لم يحبّك!

إلهي… بدّد الظلمة الكثيفة التي تخيّم على نفسي، حتى تراك عند إدراكها إيّاك. وتعرفك عند تقبُّلها لك، وتحبّك عند معرفتها لك.

القديس أغسطينوس

لأن النور يعقبه الليل.

أما الحكمة فلا يغلبها الشر. [30]

v     أسْرِع أيّها النور، الذي بدونه لا أقدر أن أرى!

عَضِّدْني أيّها المجد الأبدي، يا فرحي، اِكْشِفْ لي ذاتك يا إلهي حتى أحيا!

القدِّيس أغسطينوس


 

من وحي الحكمة 7

لتدخل أيها الحكمة الإلهي إلى أعماقي!

v     سليمان سبق الجميع وطلبك ليتمتع بك!

حسب عرشه وقضيب ملكة كلا شيء!

سكناك أشبع نفسه، فحسب الذهب قليلاً من الرمل.

ورأي الفضة طينًا بجوارك.

أنت مجده وكنزه وغناه!

 

v     علمني أن أقتدي به،

علمني كيف أطلبك!

أنا أعلم أنك واقف على الباب تقرع.

 لتدخل، ولتملك، ولا يملك آخر عليِّ سواك.

 

v     لتدخل، وبروحك القدوس تجدد على الدوام طبيعتي.

أراك تطلب جمال نفسي، الذي هو من صنع روحك النادي.

فكيف أفسد فكري وطاقاتي ووقتي في البحث عن جمال الجسد الخارجي؟

اقتنيك أيها الطبيب السماوي والدواء العجيب،

فيهرب كل مرضٍ من نفسي.

أنت أثمن من صحة جسدي!

 

v     بماذا أدعوك يا حكمة الله؟

أنت الخير الأعظم، مصدر كل الخيرات،

أنت ينبوع الغنى الذي لا ينضب!

أقتنيك، فتفتح أبواب قلبي،

لأقدم لإخوتي مما وهبتني.

أود أن يتمتع الكل بك،

فتصير البشرية كلها مخازن حبٍ لا تفرغ!

 

v     هب لي مع سليمان حبيبك أن أدعو الكل للتمتع بالحكمة.

أعطني فهمًا وكلمة لأنطق عنك،

يا من لا تستطيع لغة أن تعبَّر عنك!

 

v     لتقتنيك كل البشرية،

فلا يوجد بها خامل ولا متهاون.

يعمل الكل حسب مواهبه!

تشرق على العقول، فتدرك الكثير من الأسرار،

وتنمو المعرفة، ويزداد العلم،

ويسعى الكل في البحث في كل شيء بروح التواضع.

يكتشفون أسرار الطبيعة الظاهرة والخفية!

 

v     اسمح لي أن أتكلم عنك يا بهاء النور الإلهي.

أنت روح، تريد أن تهب كل البشرية أن يعيشوا حسب الروح لا الجسد!

أنت العقل الإلهي،  تود أن تقدس عقولنا بك!

أنت قدوس، تشتهي أن نتقدس بك!

أنت ابن الله الوحيد، تقدم لنا التبني للآب بروحك القدوس في مياه المعمودية.

أنت لطيف ورحوم حتى في غضبك،

تؤدب لا لكي نهلك، بل لكي نحيا بك.

أنت ثابت، تدخل إلى كل نفسٍ تقيم منها مسكنًا لك.

أنت متحرك، تعمل على الدوام، لكي ما تحملنا إلى حضن أبيك.

أنت طاهر، تملأ الكل دون أن يمسك دنس!

أنت واضح، لا تبخل علينا بالإعلان عن ذاتك.

أنت كامل وسليم،  لا تتجزأ؛

تملأ السماء والأرض،

كامل في كل موضع.

أنت محب للخير،  لأنك الخير الأعظم،

تود أن يصير المؤمنون بك محبين للخير حتى بالنسبة لمقاوميهم.

 أنت حاد، حازم، لأنك لا تهاون الشر، ولا تقبل الفساد!

أنتَ حرّ، بذلت ذاتك لكي تحررنا من عبودية إبليس، ومن كل خطية.

أنت المحسن، محب البشر، تقيم منا محبين لكل البشرية.

لن نستريح حتى يستريح إن أمكن الكل!

أنت ثابت في ذاتك، لن تتغير،

تجددنا لكي نتغير فنصير إلى الأفضل.

أنت آمن مطمئن، بك نتمتع بالأمان؛

تمتلئ نفوسنا بالرجاء فتتهلل،

حيث لنا بك موضع في حضن أبيك.

أنت القدير، بك نستطيع كل شيءٍ،

فلا نُصاب بالعجز ولا الفشل!

أنت الديان تراقب حتى أفكارنا ونياتنا الخفية.

لا لتترصد أخطاءنا،

بل لتقدسنا وتكافئنا وتمجدنا!

أنت تنفد إلى جميع الأرواح،

لأنك حياتها، بدونك ليس لها حياة!

أنت الحاضر في كل مكانٍ،

أينما وُجدنا نجد شهادة حية عنك.

هوذا الطبيعة تصرخ شاهدة لك.

هوذا التاريخ يعلن رعايتك الدائمة.

هوذا الأحداث تؤكد أنك ضابط الكل.

هوذا أعماقي تعلن لي بأنه لا ملجأ لي سواك.

 

v     أخيرًا ماذا أطلب منك يا أيها النور الأبدي.

لأقتنيك، فلا تتسلل الظلمة إليّ.

كل أنوار العالم تنطفئ يومًا ما، أما نورك فأبدي.

أنت نوري ومجدي،

أنت كنزي وغناي،

أنت فرحي وسروري،

أنت شبعي ومجدي،

أنت الكل لي!    

زر الذهاب إلى الأعلى