التفسير القديم للكتاب المقدس – لوقا أصحاح 5

1:5 – 11 التلاميذ الأولون

 وازدحم الجمع عليه لسماع كلمة الله، وهو قائم على شاطئ بحيرة جناسرت. فرأى قاربين راسيين عند الشاطئ نزل منهما الصيادون ليغسلوا الشباك. فركب واحدا منهما وكان لسمعان، فسأله أن يبعد قليلاً عن البر. وجلس يعلم الجموع من القارب.
ولما ختم كلامه، قال لسمعان: «سر إلى العمق، وألقوا شباككم للصيد». ” فأجاب سمعان: «تعبنا الليل كله، يا معلم، ولم نصب شيئا، ولكني، بناء على قولك، ألقي الشباك». وفعلوا ذلك فأمسكوا سمكا كثيرا، وكادت شباكهم تتمزق. فأشاروا إلى شركائهم في القارب الآخر أن يأتوا ويساعدوهم. فأتوا، وملأوا القاريين حتى كادا يغرقان. فلما رأى سمعان بطرس ذلك، وقع على ركبتي يسوع وقال: « ابتعد عني، يا رب، إني رجل خاطي». وكانت الدهشة قد استولت عليه وعلى أصحابه كلهم، لكثرة السمك الذي اصطادوه. ومثلهم يعقوب ويوحنا ابنا زبدى، وكانا شريكي سمعان. فقال يسوع لسمعان: «لا تخف! ستكون بعد اليوم صياد بشر». ولما رجعوا بالقاربين إلى البر، تركوا كل شيء وتبعوه.

نظرة عامة:

تنتشر مفردات صيد السمك التقنية في هذا المقطع، ليأخذ السامع بجد صورة عن صيد السمك كتشبيه لعمل يسوع وكـصـورة للكنيسـة فـي الـزمـن الحـاضـر (أوغسطين). بما أن المسيـح حـاضـر في القارب، فقد أصبح القارب رمزا للكنيسة (مـكـسـيـمـوس الـتـوريـنـي). المعجزة تتعلق «بصيد البشر وهم أحياء»، ببشارة النّعمة التي ترسخ الكنيسة وتجعلها تنمو اليوم، كما سبق أن جذب يسوع البشر إلى كنيسته ببشارة الإنجيل (كيرلس الإسكندري). تدعى الكنيسة إلى السير في العمق كما دعي نوح من قبل (مكسيموس التوريني).

كما تعب الأنبياء طوال الليل، هكذا تعب التلاميذ. يمثل أحد القاربين اليهود ويمثل الآخر الممثلى سمكا الأمم (أفرام). بطرس يعترف، كما يعترف الشياطين، بأن يسوع هو «قدوس الله»، أمـا خـوفـه فـناتج عن حضوره كخاطئ أمام قداسة الرب (كيرلس الإسكندري). أصبحت الأمم «صيد» المهمة الرسولية، إذ يخلب وعظهم الرجل القوي (أوغسطين). صيد الناس أحياء هو إعلان ملكوت الله لهم في يسوع وإدخالهم إليه بأسرار الكنيسة (مكسيموس التوريني).

3-1:5 جلس يسوع في القارب يعلم الجموع

اصطياد السمك يرمز إلى الكنيسة.
أوغسطين:
فلنتذكر معكم حادثتي اصطياد التلاميذ للسمك بناء على وصية الرب يسوع المسيح: الأولى قبل آلامه، والثانية بعد قـيـامـتـه هـاتـان الحـادثـتـان تـرمزان إلى الكنيسة بأكملها، كما هي الآن، وكما ستكون عند قيامة الأموات، إنها تضم الآن، كما ترون، أعـدادا غفيرة مـن الأخـيـار والأشرار. لكنها ستضم بعد القيامة الأخيار وحدهم، أي عددا محدودا.
تذكروا الصيد الأول حيث نرى الكنيسة كما هي في الوقت الحاضر. وجد الرب يسوع تلاميذه يصطادون السمك، حين دعـاهـم ليتبعوه، لم يمسكوا شيئا من السمك طوال الـلـيـل. لكن، لما رأوه، سمعوه يقول لهم. «ألقوا الشبكة». فقالوا له «تعبنا الليل كله، يا معلم، ولم نصطد شيئا! لكن نلقي الشبكة إجابة لطلبك»، فألقوا الشبكة إجابة لوصية الـقـديـر حـدث تمـامـا مـا ابتغاه، وقد كـان مسرورا، كما قلت، ليشير علينا بما ينفعنا. أُلقيت الشباك. والرب لم يكن بعد قد تألم وقام أُلقيت الشباك، فأمسكوا من السمك ما ملأ القاربين ومزق الشباك. ثم قال لهم: «اتبعوني، أجعلكم صيادي بشر».(1) تسلموا منه شباك كلمة الله، فألقوها في العالم كما في بحر عميق، فأمسكوا مسيحيين كثيرين، فما أعجب وأدهش! هذان الزورقان يـرمـزان إلـى الشـعـبـيـن الـيـهـودي والأممي، وإلى المجمع والكنيسة، وإلى المختونين وغير المختونين. (الموعظة 248، 2، علی حادثتي صيد السمك)

7-4:5 صيد السمك العجائبي على يد سمعان والآخرين

يسوع يختار قارب بطرس بدلاً من قارب موسى.
مكسيموس التوريني:
يختار الرب قارب بطرس، ويهجر قارب موسى، أي يرفض المجمع غير المؤمن، ويأخذ الكنيسة المؤمنة. فالله اختار قاربين للصيد من أجل خلاص البشر فـي بـحـر هـذا الـعـالـم يـقـول الرب لتلميذيه: «اتبعاني، أجعلكما صيادي بشر» … تدعى الكنيسة إلى العمق، لتبحر في أسرار السماوات ذلك العمق الذي يقول عنه الرسول: «ما أعمق غنى الله وحكمته وعلمه!» لهذا السبب يقول لبطرس: «سر إلى العمق»، أي إلـى عـمـق الـتـفـكير في الولادة الإلهية. فما أعمق قول بطرس للرب: «أنت المسيح، ابن الله الحي!» … يبحر هذا القارب في أعماق هذا العالم ليصون من فيه، سالمين، عند تدمير الأرض. إن رمزه قائم في العهد القديم. فكما حفظ فلك نوح جميع من فـيـه أحياء عندمـا كـان الـعـالـم يغرق، كذلك تحفظ الكنيسة المبنية على إيمـان بـطـرس جـمـيـع المـنـضـويـن إلـيـهـا سالمين عندما يشتعل العالم.) وكما حملت الحمامة علامة السلام إلى فلك نوح عند انتهاء الطوفان، سيحمل المسيح فرح
السّلام إلى الكنيسة عند انتهاء يوم الدين. (الموعـظـة 1.49-3، عـلـى الـقـاربـين في الإنجيل.)

يواصل المسيح صيد البشر في شباك الوعظ.
كيرلس الإسكندري:
أمر المسيح سـمـعـان ورفـقـاءه أن يبحروا إلى العمق، ويلقوا للصيد شبكتهم. فقالوا له إنهم تعبوا الليل كله ولم يمسكوا شيئا. مع ذلك ألقوا شبكتهم على اسم المسيح، وللحال امتلأت سمكا. فبعلامة مرئية، ويرمز وسمة أعلموا بتحقيق بغيتهم إعلاما عجائبيا، وأدركوا أن تعبهم لم يذهب سدى، وأن اجتهادهم بإلقاء شبكة تعليم الإنجيل سيكون مثمرا. بهذه الشبكة يجب الإمساك بالوثنيين. لكن لاحظ أن سمعان ورفـاقـه عجزوا عن جر الشبكة إلى اليابسة. لم يجسّروا على الكلام من شدة الخوف والـذهـول – فـالمعجزة

أبكمتهم – فأشاروا إلى شركاتهم، وإلى الذين شاركوهم في صيد السمك، أن يهبوا لمسـاعـدتـهـم عـلـى جـمـع الصـيـد. يشارك الكثيرون الرسل في أعمالهم، لاسيما الذين يتقصون معنى ما كتب في الأناجيل المقدسة. وهناك آخرون: الرعاة والمعلمون، ورؤساء الشعوب، المطلعون على تعاليم الحق. الشبكة تجر، والمسيح يملؤها، ويدعو إليها، كما جاء في الكتاب المقدس، الذين هم في أعماق البحر، أي الذين تلاطمهم أمواج الأمـور الـدنـيـويـة الجياشة. (تفسير القديس لوقا 11.12)

بالإيمان يلقي بطرس شباك تعليم المسيح، إذ صـار الـكـلـمـة جـسـدا.
مكسيموس التوريني:
لتفهموا أن الرب كان يشير إلى صيد السمك الروحي قال بطرس: «تعبنا الليل كله، يا معلم، ولم نصب شيئا، ولكني على قولك ألقي الشباك». كأنما قال له «لم نصب شيئا طوال الليل وكنّا نجهد عبثا. ولكن، بعد اليوم، لن أصطاد السمك بعدة الصيد، لكن بالنعمة، لا بتمرين ومـهـارة، بل بمواظبة تساندها التقوى». عندما يلقي بـطـرس الشباك بناء على الكلمة، فإنّما يلقي للناس التعليم في المسيح. وعندما ينشر الشباك المحكمة
بدون النسج بناء على قول السيد، فإنما يعرض حقا الكلام باسم المخلص عرضا ملائما وواضحا. بهذا الكلام يتمكن من إنقاذ النفوس، يقول «تعبنا الليل كله، ولم نصب شيئا كـان بـطـرس عـاجـرا عـن الـرؤيـة ليصطاد سمكا، إذ كانت الظلمة تلفه المسيح، لذلك تعب الليل كله. لكن عندما أشرق عـلـيـه نـور المخلص تبددت الظلمة، فبدأ بإيمانه يميز في العمق ما عجز عن رؤيته بأم عينه. (الموعظة 110، على ذكر الرسولين بطرس وبولس)

يمثـل الـقـاربـان اليهود والأمم.
أفرام:
تعبنا الليل كله. هذه إشارة رمزية إلى الأنبياء. فتعليمه نزل من عل إلى العالم من خلال مـثـل الـبـحـر فـالـقـاربـان يـمـثـلان المختونين وغير المختونين، ويرمزان إلى أتباعهما. ويشيران إلى الاثنين والسبعين، لأن عدد التلاميذ قليل قياسا على ما يجمع من السمك. (تفسير الإنجيل الرباعي لتاتيان 5: 18) 

11-8:5 اعتراف بـطـرس وغـفـران يسوع

يـأتـي خـوف بطرس مـن حـضـور القداسة.
كيرلس الإسكندري:
لهذا السبب تنبهت في ذاكرة بطرس خطاياه السابقة، فارتعد وخاف. وكرجل غير طاهر لم يجسر على تـقـبـل الـطـاهـر. وكـان خـوفـه جـديـرا بالإطراء والمديح، لأنه تعلم من الشريعة كيف يميز بين المقدس والمدنس ( تفسير القديس لوقا 12)

أصبحت الأمم صيدا حيا ليمسكه التلاميذ.
أوغسطين:
هكذا تصبح الأمم «صيدا» بمعنى أن تـكـون الأمـتـعـة الـتـي يسرقها الرجل القوي بعد أن يقيده من هو أقوى منه.( مدينة الله 20. 30)

القارب هو الكنيسة المانحة الحياة.
مكسيموس التوريني:
عادة لا يمنح النّاس حياة على القارب، بل ينقلون علـيـه مـن
مكان في البحر إلى آخر ولا يستريحون فيه. لاحظ أن ذلك القارب لم تعهد قيادته إلى بطرس، لأنّـه الـكـنـيـسـة الـتـي تـعـهد إلى التلاميذ قيادتها. هذا القارب لا يميت، بل يحيي الذين يبحرون عليه وسط عواصف هذا العالم كما لو كانوا في وسط الأمواج. يحمل السمك الميت الذي أمسك من العمق، أما قارب الكنيسة فيعطي الحياة للوجود الإنساني الذي حرر من الاضطراب. الكنيسة تمنح الحياة للذين يشرفون على الموت. (الموعظة 110، على ذكر الرسولين بطرس وبولس)

 

5: 12- 16 إبراء أبرص

وبينما هو في بعض تلك المدن، إذا برجل غطى جسده البرص، فلما رأى يسوع ارتمى على وجهه وتوسل إليه قائلاً: «يا رب، إن شئت فأنت قادر على أن تطهرني». فمد يسوع يده فلمسه وقال: «قد شئت، فاطهر». فزال عنه البرص في الحال. فأوصاه ألا يخبر أحدا بالأمر، لكن: «اذهب إلى الكاهن وأرو نفسك، ثم قدم عن طُهرك ما أمر به موسى، شهادة عندهم». وزاد صيته انتشارا، فتوافدت عليه جموع كثيرة لتسمعه وتشفى من أمراضها، ولكنه كان يعتزل في البراري فيصلي.

نظرة عامة:

إبراء الأبرص جزء لا يتجزأ مـن تـبشير يسوع بملكوت الله، إذ يعلن بوضوح لاهوته القادر على إبراء المرضى، وناسوته عندما يمد يده ليلمس الأبرص (كيرلس الإسكندري). ينقض يسوع شريعة الطهارة عند إسرائيل بلمسه الأبرص. إنه لم يتنجس بل بقي طاهرا وطهر الأبرص، مظهرا أنه لا يمكن أن يتنجس بنجاسة برص الـبـرص (أفـرام). فـهـم يـسـوع أنّ اعتراف الأبرص صادق، لذلك تم شفاؤه بقدرة الكلمة (أمبروسيوس). تصبح أهمية عـمـل يـسـوع مـوضع إعجاب كبير عندما ننظر إلـيـه بـنـور لاهوت العهد القديم، إذ بإرسـالـه الأبرص إلـى الـكـاهـن يظهر أن الشفاء لم يأت من الشريعة، بل من النعمة (أمبروسيوس). ترمز ذبائح اللاويين إلى اعتماد يسوع بدمه على الصليب (كيرلس الإسكندري). كثيرا ما يعتزل يسوع المدن ويذهب إلى البرية، ليعلمنا كيف نصلي (كبريانوس).

12:5- 13 إبراء يسوع للأبرص

يكشف يسوع عن لاهوته وناسوته.
كيرلس الإسكندري:
قـبـل يـسـوع تـوسـلـه وأعـلـن قـدرتـه فـقـال: «قد شئت، فاطهر». منحه أيضا لمس يده المقدسة الكلية القدرة
.

فزال عنه البرص للـحـال، وانتهى وجعه. شاركني، إذا، في عبادة المسيح، هو الذي يـمـارس، في آن، قـدرتـه الإلـهـيـة وقـدرتـه الجسدية. أن يشاء كان عملاً إلهيا بحيث قدم له كل ما شاءه. أما مد اليد فكان عملاً إنسـانـيـا هـذا مـا يدل عـلـى أنـه واحـد بطبيعتين. (تفسير القديس لوقا 12)

لا يتنجس يسوع بلمس الأبرص.
أفرام:
إذهب إلـى الـكـاهـن فـاره نـفـسـك هذه الوصية كانت من أجل الكهنة. فالأبرص كان خائفا من أن يلمسه الكاهن فيتنجس. لكن الرب لمسه ليريه أنه لن يتنجس. فمن انتهـاره تـفر النّجاسة من النجس. (تفسير الإنجيل الرباعي لتاتيان 12. 21)

15-14:5 تعليمات يسوع

يستجيب يسوع لاعتراف الأبرص الورع فيبرئه.
أمبروسيوس:
ارتمى على وجهه، وهذه علامة تواضع كل من يحس بالخزي من خطايا اقترفها، لكن الخزي لم يـحـل دون اعـتـرافـه كـشـف عـن جـرحـه واسـتـجـدى الـعـلاج، واعترف بـالـثـقـوى والإيمان. «إن شئت فـأنـت قـادر عـلـى أن تطهرني». استسلم لقدرة مشيئة الرب. لكنه… وعی نجاسته…
أجابه الرب بقداسة: «قد شئت، فاطهر. ففارقه البرص في الحال». لا شيء بين أمر الله وعمله، لأن العمل هو في الأمر.  هكذا، تكلم، عندما أخرج الكائنات إلى الوجود. لا شك في أن مشيئة الله قوته. وإذا كانت مشيئته هي قوته، فالذين يؤمنون بأن الثالوث واحد يؤمنون أيضا بأن له قدرة واحدة. هكذا، فارقه البرص للحين. (عرض القديس لوقا 5. 2-4)

أرى الكهنة نفسه أنه شفي بالنعمة لا بالشريعة.
أمبروسيوس:
يؤمر الأبرص بأن يري نفسه للكاهن ويقرب ذبيحة عن طهره (۰) عندما يرى نفسه للكاهن، يفهم الكاهن أنه لم يطهر من طريق ما تأمر به الشريعة، لكن بنعمة الله الفائقة الشريعة. وعندما تقرب الذبيحة وفقا لوصايا
موسی يظهر الرب أنه لم يبطل الشريعة، لكنه أتمها. باتباعه الشريعة ظهر أنه يبرئ النّاس من أمراض لم تستطع الشريعة أن تبرئهم منها. «الشريعة روحانية»  ولذلك يتضح أنه يوصي بتقديم ذبيحة روحانية. (عرض القديس لوقا 8.5-9 )

ذبـائـح الـلاويـيـن تـرمـز إلى اعـتـمـاد المسيح بالدم.
كيرلس الإسكندري:
كل إنسان يستطيع أن يرى سر المسيح العميق والـعـظـيـم المـكـثـوب مـن أجـلـنـا فـي سـفر اللاويين فشريعة موسى تعلن دنس الأبرص، وتأمر بعزله وبعدم مخالطته. فـمـاذا لـو بـل مـن مـرضـه تـأمـر بـأن يـعـاد قـبـولـه وتـحـدد بـوضـوح أسـلـوب إعـلان طـهـارتـه… ونرى في الـطـيـور (المقدمة عن طهارة الأبرص المسيح يتألم في الجسد وفقا لما جاء في الكتب المقدسة، لكنه يعلو على الآلام…. طير ذبح، وآخر اعتمد بدمه، فيما أعفي من الذبح، رمزا لما حدث فعلاً. المـسـيـح مـات مـن أجـلـنـا، وعمدنا بموته وخلصنا بدمه. (تفسير القديس لوقا 12)

16:5 كان يعتزل في البراري فيصلي

يعلمنا كيف نصلي.
كبريانوس:
يعلمنا كيف نصلي بالأفعال لا بالأقوال وحدها. كان يصلي باستمرار مظهرا بشهادته ما ينبغي لنا أن نفعله. لقد كتب «كان يعتزل في البراري فيصلي»، و«صعد إلى الجبل ليصلي فأمضى الليل كله في الصلاة». فإذا كان المنزه عن الخطيئة يصلي، فكم ينبغي لنا أن نصلي؟! وكان يواظب على الصلوات بتوسّلات لا تنقطع، يقظان طوال الليل، فكم ينبغي لنا أن نتهجد في ليلنا؟! (الصلاة الربانية 29)

 

17:5 -26 شفاء كسيح كفرناحوم

وكان ذات يوم يعلم، وبين الحضور بعض الفريسيين ومعلمي الشريعة أتوا من جميع قرى الجليل واليهودية ومن أورشليم. وكانت قدرة الرب تشفي المرضى على يده. وإذا أناس يحملون كسيحا على سرير، ويحاولون الدخول به ليضعوه أمامه. فلم يجدوا سبيلا إلى الدخول لكثرة الزحام، فصعدوا به إلى السطح ودلوه مع فراشه من بين القرميد، إلى وسط المجلس أمام يسوع. فلما رأى إيمانهم قال للكسيح: «يا رجل، مغفورة لك خطاياك». فأخذ معلمو الشريعة والفريسيون يفكرون فيقولون في أنفسهم: «من هذا الذي ينطق بالتجديف؟ من يقدر أن يغفر الخطايا إلا الله وحده؟!» فعلم يسوع أفكارهم فأجابهم: «لماذا تفكرون هذا التفكير في قلوبكم؟ فأيما أيسر ؟ أن يقال: مغفورة لك خطاياك أم أن يقال: قم وامش.  فلكي تعلموا أن ابن الإنسان له سلطان على الأرض ليغفر الخطايا»، ثم قال للكسيح: «أقول لك: قم واحمل فراشك واذهب إلى بيتك».  فقام من وقته بمشهد منهم وحمل ما كان مضطجعا عليه ومضى إلى بيته وهو يمجد الله. فاستولت الحيرة عليهم جميعا، فمجدوا الله، وملأهم الخوف فقالوا: «اليوم رأينا عجائب!»

نظرة عامة:

عندما حمله أصدقاؤه على سرير وصعدوا به إلى السطح ودلوه بفراشه إلى وسط المجـلـس أمـام يـسـوع، أظـهـروا غيرتهم وإصرارهم، وأثبتوا أن كل مريض وكل خاطئ يحتاج إلى وسطاء أمام الرب (أمبروسيوس).

أظهر يسوع الطبيب أنه حاضر في خلقه. أبـرأ الـنـاس روحـيـا بـغـفـرانـه خـطـايـاهـم وجسديًا بـابـرائـه الـكـسيـح (كيرلس الإسكندري). أثبت أنه قادر على شفاء الشخص روحـا وجسدا (أمبروسيوس). إنّ غـفـران يـسـوع للـخـطـايـا يـؤدي إلى جدل وتساؤل عما إذا كـان غـفـرانـه للـخـطـايا تجديفا أو تدليلاً على أنه ابن الله (أفرام).

فيسوع القادر على معرفة قلوبهم وعقولهم قادر أيضا على غفران الخطايا. النقطة الرئيسة التي أثارها يسوع هي إعلانه أن لابن الإنسان سلطانا لغفران الخطايا، وهذا السلطان سيعطى لـكـنـيـسـتـه (كيرلس الإسـكـنـدري). أمـر الـكـسـيـح الـذي شـفـاه بالعودة إلى بيته كأنه في عودة إلى الفردوس (أمبروسيوس).

19-17:5 الكسيح وأصدقاؤه

يحتاج المرضى والأثمة إلى وسطاء.
أمبروسيوس:
تعلم يا من تدين غيرك أن تكون مسامحا وتعلم يا من تزداد مرضا أن تكون غافرا. فإذا كنت لا تثق بالغفران للخطأة الهالكين، أدع الكنيسة لتصلي لك. كرامة للكنيسة، سيغفر الله ما رفضته أنت. علينا أن نؤمن بأن جسم الكسيح قد شفي، وأن نعترف بشفاء الإنسان الداخلي الذي قد غفرت خطاياه. (عرض القديس لوقا 10.5-12)

20:5 معجزة الغفران

يسوع الطبيب يبرئ الناس جسديًا وروحانيا:
كيرلس الإسكندري
لما قال المخلص للكسيح «يا إنسان، مغفورة لك 
خطاياك»، خاطب الجنس البشري. فعندما يـنـال المـؤمـنـون بـه الشـفـاء مـن أمـراض النفس، يغفر لهم ما ارتكبوه من المعاصي والآثام. وكأنه يقول له: «ينبغي إبراء نفسك قبل إبراء جسدك، وإلا فإنك ستخطأ أكثر إذا نلت القدرة على السير. ولو لم تطلب ذلك، فأنا كإله أنظر إلى أمراض النفس التي جعلتك مريضا». (تفسير القديس لوقا 12)

يسوع يبرئ الشخص كله.
أمبروسيوس:
شاء الرب أن يخلص الخطأة، وأعلن عن نفسه من معرفته للأسرار وقدرته على إجـراء المعجزات. أضاف: «أيما أيسر؟ أن يقال: مغفورة لك خطاياك أم أن يقال: قم وامش». في هذه الآية يظهر مثال القيامة. وهو، إلى جانب شفائه جراح الجسد والعقل، يغفر خطايا النفوس ويزيل ضعف الجسد، هكذا يشفي الإنسان بكامله. إن غفران الخطايا شيء عظيم، فمن يقدر على أن يغفر الخطايا إلا الله وحده؟! فهو يغفر الخطايا على يد من منحه قدرة الغفران. لكن إقامة الأجساد شيء أكثر ألوهية، لأن الرب نفسه
هو القيامة (عرض القديس لوقا 12.5)

21:5- 24 الجدال

شك الفريسي في لاهوت يسوع:
أفرام:
فيما شك الفريسي في أن الرب كان نبيا، كـان يـوالـي عـلـى نـفـسـه أن يـظـن عـن غـير دراية: «لو كان هذا الرجل نبيا، لعرف أن هذه المرأة خاطئة». إذا عرف الرب حقا أنها خاطئة، أيها الفريسي، فمن استدلالك تعرف أنه نبي. لذلك، وبلا تردد، لم يشر الرب إلى أنها خاطئة فحسب، بل إلى أنها ارتكبت المنكرات، لتوقع في الفخ شهادة فمه المتهم. كان الفريسي من قال: «من يقدر أن يغفر الخطايا إلا الله وحده؟!». أخذ الرب هذه الشهادة منهم، أي أن من يغفر الخطايا هو الله من هذه الآونة فصاعدا، يبدو الرب جادا في أن يظهر لهم أن له السلطان لغفران الخطايا. وبسرعة شفى أعضاء للجسد يراها الناس، وغفر الخطايا غير المنظورة. (موعظة على ربنا 1.21 -5)

يسوع يسبر خفايا القلوب والعقول ويغفر الخطايا.
كيرلس الإسكندري:
أعلن أن له سلطان غفران الخطايا الخاص بالله. لكن إعلانه أزعج جماعة الفريسيين التي
يفتك بـهـا الجـهـل ويـحـركـهـا الحسد. قـال بعضهم لبعض: «مـن هـذا الـذي يتكلم بالتجديف؟». لكن، لن تقدر على أن تقول عنه هذا، أيها الفريسي، لو عرفت الكتب الإلهية، وتذكرت كلام الأنبياء، وفهمت سر التجسد الموقر والعظيم. أما هم فيتهمونه بـالـتـجـديـف مـنزلين به أقصى عـقـوبـة وحاكمين عليه بالموت. فقد نصت شريعة موسى على قتل كل من يجدف على الله بما أنهم تجاسروا على ذلك، فإنه يعلن للحال أنه هو الله لئلا يوبخهم ثانية على عدم تقواهم الذي لا يحتمل: «لماذا تفكرون هـذا الـتـفـكـيـر فـي قـلـوبـكـم؟» إذا قلت أيها الفريسي: «من يقدر على أن يغفر الخطايا إلا الله وحده!» فإني أقول لك «من غير الله يسبر سرائر القلوب، ويتفحص أفكار العقول في عمقها!» فهو نفسه يقول على لسان الأنبياء: «أنـا الـرب الـفـاحـص الـقـلـوب والممتحن الأفئدة». وداود قال أيضا في مـكـان آخـر عـنـه وعـنـا: «أنت وحدك جابل قلوبهم». فمن يعرف كـالـه الـقـلـوب والأفـيـدة، يغفر الخطايا لأنه الله. (تفسير القديس لوقا 12)

25:5-26 معجزة الشفاء

يعطي يسوع الكنيسة قدرته على الشـفـاء وغـفـران الخطايا.
كيرلس الإسكندري:
لما قال «مغفورة لك خطاياك» بـقـي المـجـال مفتوحا لعدم الإيمان. فالإنسان يعجز عن رؤية الخطايا المغفورة بأعـيـن الجسد. أما إبراء المرض وجعل الكسيح يمشي فيشهدان على القدرة الإلهية. يضيف يسوع: «قم فاحمل فراشك واذهب إلى بيتك». فرجع إلى بيته معافى من المرض المزمن الذي كان يعانيه، يظهر هذا الأمر أن لابن الإنسان سلطة في الأرض لغفران الخطايا. لكن عمن يتحدث هنا؟ عن ذاته، أم عنّا أيضا؟ الأمران صحيحان. فهو يغفر الخطايا كإله متجسد وكرب الشريعة. ونحن أيضا تسلمنا منه هذه النعمة الـوضـاءة والمستحقة الإعجاب. لقد كلّل طبيعة الإنسان بهذه الكرامة العظيمة، وقال لتلاميذه القديسين: «الحق أقول لكم: ما تربطونة في الأرض يكون مربوطا في
السماء، ومـا تـحـلـونـه فـي الأرض يكون محلولاً في السماء». وأيضا «من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن متعتم عنه الغفران يمنع عنه». متى قال لهم هذا الكلام؟ بعد أن داس ملك الموت، وقام من بين الأموات، ونفخ فيهم وقال «خذوا الروح القدس». بعد أن جـعـلـهـم مشاركين في طبيعته وأسكن فيهم الروح القدس، وجعلهم شركاء في مجده، معطيا إياهم القدرة على حل الخطايا وربطها. ونحن أمرنا بأن نتم ذلك، أفـلا يـكـون سـلـطـانـه لغفران الخطايا أعظم وقد منح الآخرين أن يفعلوا ذلك؟ (تفسير القديس لوقا 12)

العودة إلـى الـبـيـت هـي عودة إلى الفردوس.
أمبروسيوس:
مـا هـو الفـراش الذي أمر يسوع الكسيح أن يحمله، عندما قال له قم؟ إنه الفراش نفسه الذي كان داود يبله في كل ليلة، فراش الأوجاع الذي

 

زر الذهاب إلى الأعلى