دراسات في الكتاب المقدس: إنجيل القديس مرقس

مقدمة 

كاتبه: هو مرقس الملقب يوحنا (راجع أعمال 12:12و أعمال 15:37). وكان ابن أخت الرسول برنابا، كما ورد في الرسالة إلى كولوسي (كولوسي 4:10). وأمه يهودية اسمها مريم (أعمال 12:12). ويبين الكتاب أنها لم تكن رقيقة الحال، وكان لها بيت في أورشليم، وكان للبيت دهليز، كما كانت تمتلك جارية واحدة على الأقل اسمها رودا (أعمال 12:13).

وكان الرب يجتمع مع تلاميذه في بيتها، كما اجتمع الرسل هناك عقب صعود الرب، واتسع البيت لهم جميعاً. ونفهم من هذا أن البيت كان متسعاً للكثيرين، وأنه حوى حجرة في أعلاه سميت «علية» كانوا يجتمعون فيها للعبادة والاختلاء.

العلية والأحداث المقدسة

ومن الشائع أن رب المجد اجتمع مع تلاميذه في هذه العلية حين أكلوا الفصح الأخير وغسل أرجلهم وسلمهم جسده ودمه الأقدسين (مرقس 14:13-16). ويبدو أن الرسل قد أقاموا في هذه العلية ما بين الصعود وحلول الروح القدس، وأن حلول الروح القدس عليهم قد تم فيها (أعمال 2:2). وأنهم واصلوا اجتماعاتهم في ذلك المكان حتى صار أمراً مسلماً به أن يقصد الإنسان ذلك البيت ليقابلهم. فلما أخرج الملاك الرسول بطرس من السجن، جاء الرسول «إلى بيت مريم أم يوحنا الملقب مرقس، حيث كان كثيرون مجتمعين وهم يصلون» (أعمال 12:12). وقد قيل أن الإنسان الذي ورد ذكره في إنجيل مرقس بدون ذكر اسمه، أنه كان حاملاً جرة ماء، وتبعه التلميذان إلى البيت حيث أعد الفصح هو مرقس نفسه (مرقس 14:13-14). وأنه أيضاً الشاب الذي تبع الرب يسوع بعد القبض عليه (مرقس 14:51-52).

خدمته مع الرسل

وقد خرج مرقس مع الرسولين برنابا وبولس في رحلتهما الأولى (أعمال 13:5). ولازم الرسولين إبان خدمتهما في قبرص، ثم فارقهما عندما عبر البحر ونزلا عند برجة بمفيلية ورجع إلى أورشليم (أعمال 13:13). وبسبب هذا امتنع الرسول بولس عن اصطحابه في الرحلة التالية، وأخذه خاله الرسول برنابا: «فأشار برنابا أن يأخذا معهما أيضاً يوحنا الذي يدعى مرقس، وأما بولس فكان يستحسن أن الذي فارقهما من بمفيلية، ولم يذهب معهما للعمل لا يأخذانه معهما، فحصل بينهما مشاجرة حتى فارق أحدهما الآخر. وبرنابا أخذ مرقس وسافر في البحر إلى قبرص. وأما بولس فاختار سيلا وخرج مستودعاً من الأخوة إلى نعمة الله» (أعمال 15:37-40). وقد ارتبط الرسول بطرس بالقديس مرقس هذا ارتباطاً جعله يدعوه ابنه: «تُسلّم عليكم التي في بابل المختارة معكم ومرقس ابني» (1 بطرس 5:13).

خدمته مع بولس

ولما كان الرسول بولس في السجن، كان مرقس أحد الملازمين له، المشتركين معه في الخدمة (كولوسي 4:10). وفي نهاية أيام الرسول الكبير بولس يكتب إلى تيموثاوس قائلاً: «لوقا وحده معي. خذ مرقس واحضره معك لأنه نافع لي للخدمة» (2 تيموثاوس 4:11).

سيرته التاريخية

أما بقية سيرة القديس مرقس التي لم يذكرها الكتاب، فنعرفها من التاريخ. ونعلم أنه كان أحد السبعين رسولا، وأن أباه كان أصلاً من شمال أفريقيا، وأن الرسول جاء إلى شمال أفريقيا بعد استشهاد الرسولين بطرس وبولس، ثم جاء إلى مصر حيث أسس كنيستها وظل يبشر أهلها حتى استشهد عام 68م. في اليوم الموافق 30 برمودة، ولا يزال رأسه المقدس محفوظاً في الإسكندرية، بينما سُرق باقي الجسد إلى إيطاليا وحُفظ في كنيسته الشهيرة في البندقية (التاريخ الكنسي، الكنيسة القبطية الأرثوذكسية).

خصائص إنجيل مرقس

 إنجيل المسيح الراعي المثالي

لو دققنا في الصورة التي رسمها للسيد المسيح لوجدناها تهتم بإبراز نواحي المثابرة والوداعة والواقعية في الخدمة أكثر مما في غيره.

ما أغفله إنجيل مرقس

 لا نجد فيه مقدمة عن الميلاد الجسدي كما في إنجيلي متى ولوقا، أو عن الولادة الأزلية قبل الدهور الواردة في إنجيل يوحنا. فإنجيل مرقس يبدأ مباشرة: «بدء إنجيل يسوع المسيح» (مرقس 1:1). وأغفل الأحاديث الطويلة، فليس فيه ما يشبه العظة على الجبل (متى 5-7) أو الحديث الأخير إلى الكتبة والفريسيين الذي أعلنهم فيه بالويل الذي يستحقونه (متى 23)، وليس فيه الأمثلة المطولة الواردة في لوقا 14، أو الحديث عن الولادة بالروح (يوحنا 3)، أو مع السامرية (يوحنا 4)، أو عن جسده (يوحنا 6)، أو صفات الراعي الصالح (يوحنا 10)، أو بيان الوحدة القائمة بين الآب والابن وصلاته الأخيرة (يوحنا 14-17).

طبيعة الأحاديث في إنجيل مرقس

وتتميز الأحاديث القليلة التي أوردها إنجيل مرقس بأمرين: أنها قصيرة، وأنها تخلو من إظهار سلطان المتكلم، بل تحمل نغم وداعة الراعي المحب أكثر من سلطان الرب. ولإيضاح ذلك نورد بعض الأمثلة:

فبعد اعتراف الرسول بطرس بالرب يسوع أنه المسيح، ثم استنكاره لقول الرب بأنه سيقتل ويدفن ثم يقوم، قال رب المجد: «إن من يذهب وراءه فلينكر نفسه ويتبعه. لأن من استحى بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ فإن ابن الإنسان يستحى به متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين» (مرقس 8:38). وبينما يضيف إنجيل متى قوله: «وحينئذ يجازي (الابن) كل واحد حسب عمله» (متى 16:27)، ويقول لوقا مباشرة: «لأن من استحى بي وبكلامي فبهذا يستحى ابن الإنسان متى جاء بمجده ومجد الآب والملائكة القديسين» (لوقا 9:26). لا يقول إنجيل مرقس أكثر من أن «ابن الإنسان سيستحى بمنكره متى جاء بمجد أبيه». ولما أمسك بولد وأقامه بين تلاميذه مؤنباً إياهم على سعيهم للعظمة، نراه يقول: «من قبل واحداً من الأولاد مثل هذا باسمي يقبلني» ويضيف قولاً مميزاً: «ومن قبلني فليس يقبلني أنا بل الذي أرسلني» (مرقس 9:37). إن كلمات روح إنكار الذات «ليس يقبلني أنا» لا توجد إلا في إنجيل مرقس.

لغة الوداعة في أقوال المسيح

ولما جلس على جبل الزيتون وتنبأ عن أورشليم قال لتلاميذه: «فمتى ساقوكم ليسلموكم، فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون ولا تهتموا. بل مهما أعطيتم في تلك الساعة فبذلك تكلموا. لأن لستم أنتم المتكلمين بل الروح القدس» (مرقس 13:11). وهنا لا توجد أية إشارة إلى نفسه. بينما يقول إنجيل لوقا: «لأني أنا أعطيكم فماً وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها» (لوقا 21:15). وفي نفس الحديث يقول في إنجيل مرقس فقط: «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن إلا الآب» (مرقس 13:32). ولا عجب فالمتكلم هنا يمثل الخادم (الراعي) الوديع وليس السيد المتسلط.

استخدام لقب “معلم” في إنجيل مرقس

كما أن جميع عارفيه لا يدعونه بألقاب التعظيم بل باللقب البسيط «معلم»، بينما في الأناجيل الأخرى يدعونه باسم «رب» (Lord = Kyrios) أو «السيد – Epistates»، ولكنهم هنا يدعونه «معلم» Teacher. هذه هي الكلمة التي يستعملها إنجيل مرقس وهي تساوي Rabbi أو Rabboni وتعني مجرد معلم، وإن كانت الكلمة الأخرى Epistates تترجم أحياناً بنفس اللفظ «معلم» في العربية، كما يترجمان أحياناً Master في الإنجليزية إلا أن المعنى الأصلي لهما ليس واحداً كالفرق بين Master و Teacher في الإنجليزية («أستاذ/سيد» و«مدرس» في العربية).

فإنجيل متى يجعل الأبرص يقول له: «يا سيد Kyrie إن أردت تقدر أن تطهرني» (متى 8:2)، وكذلك إنجيل لوقا. أما إنجيل مرقس فلا يستعمل أي لقب، فيقول: «فأتى إليه أبرص يطلب إليه جاثياً وقائلاً له إن أردت تقدر أن تطهرني» (مرقس 1:40). وكذلك ساعة العشاء السري يقول إنجيل متى إن كلاً من تلاميذه بدأ يقول: «هل أنا هو يارب» (متى 26:22)، بينما يقول إنجيل مرقس: «فابتدأوا يحزنون ويقولون له واحداً فواحداً هل أنا؟ وآخر هل أنا؟» (مرقس 14:19). وأيضاً في حادث انتهار الرياح يقول إنجيل متى: «فتقدم تلاميذه وأيقظوه قائلين: يا سيد Kyrie نجنا فإنا نهلك» (متى 8:25). ويقول إنجيل لوقا: «فتقدموا وأيقظوه قائلين: يا معلم يا معلم Epistata Epistata إنا نهلك» (لوقا 8:24). بينما يقول إنجيل مرقس: «يا معلم Didaskale أما يهمك أننا نهلك؟» (مرقس 4:38). ويحصل ذات التمييز في سرد قصة التجلي فيتمسك إنجيل مرقس بلفظه المفضل «معلم» Didaskale (قارن متى 17:4، مرقس 9:5، لوقا 9:33).

حالات استخدام لقب “سيد” في إنجيل مرقس

أما الظروف التي استعمل فيها لفظ «سيد» في إنجيل مرقس فهي أربعة:

أ- استعملته المرأة الفينيقية حين قالت له: «نعم يا سيد Kyrie والكلاب أيضاً تحت المائدة تأكل من فتات البنين» (مرقس 7:28). وذلك لأن حديثها كان مثالاً في الوداعة.

ب- تقدم رجل له ابن مصروع وقال للسيد أن يشفيه لأن تلاميذه عجزوا عن ذلك. وفي خلال هذا الحديث، قال: «أساعد يا سيد Kyrie فأعن عدم إيماني» (مرقس 9:24). ولا شك أن الرجل يتكلم بروح تشابه ما تكلمت به المرأة الفينيقية.

ج- أما برطيماوس الأعمى حين قال: «يا سيدي أن أبصر» (مرقس 10:51) فالكلمة التي ترجمتها «يا سيدي» هي Rabboni ومعناها Teacher.

د- حين تكلم الرب عن السبت بقوله: «إذاً ابن الإنسان هو رب السبت أيضاً» (مرقس 2:28). وواضح أن استعمال لفظ «رب» هنا ضروري، ولا يمكن أن يحل محله لفظ آخر.

هـ- في الآيات الختامية في الإنجيل، بعد قيامة السيد، إذ تكلم عنه الإنجيل، مستعملاً لفظ «رب» في قوله: «ثم أن الرب بعد ما كلمهم ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله. وأما هم فخرجوا وكرزوا في كل مكان، والرب يعمل معهم ويثبت الكلام بالآيات التابعة» (مرقس 16:19-20). واستعمال إنجيل مرقس لهذا اللفظ هنا واقع بعد إتمام الفداء، وظهور مجد القيامة والصعود، وكأنه يقول إن الذي خدم متواضعاً في صورة إنسان، وقد تمجد بصورة فريدة، هو الله والرب الذي نؤمن باسمه ونبشر به.

المسيح الخادم البسيط

وهو هنا الرجل البسيط الذي يخدم عاملاً بيديه. فلقد ذكر إنجيل مرقس أن أهل الناصرة، لما بهتوا من تعليمه، قالوا عنه: «أليس هذا هو النجار ابن مريم وأخو يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان» (مرقس 6:3)، بينما يذكر إنجيل متى: «أليس هذا النجار…» (متى 13:55). ففي مرقس هو النجار.

وحين تقدم من حماة بطرس أقامها «ماسكاً بيدها» (مرقس 1:31). ولما قدموا له الأعمى في بيت صيدا «وطلبوا إليه أن يلمسه، فأخذ بيد الأعمى وأخرجه إلى خارج القرية وتفل في عينيه ووضع يديه عليه» (مرقس 8:22-23). فهو هنا يأخذ الأعمى بيده. ثم قال: «ثم وضع يديه أيضاً على عينيه وجعله يتطلع» (مرقس 8:25). ولما شفى الولد المصروع الذي عجز التلاميذ عن شفائه قال: «فأمسكه يسوع بيده وأقامه فقام» (مرقس 9:27). ولقد قال عنه أهل مدينته: «من أين لهذا هذه، وما هذه الحكمة التي أعطيت له حتى تجري على يديه قوات مثل هذه» ([مرقس 6:2]).

خدمة المسيح الهادئة

وخدمته خدمة ساهرة هادئة لا تحب الصخب ولا تجد الوقت الكافي للراحة. فهو حين ذهب إلى صور وصيدا، يقول: «ودخل بيتاً وهو يريد أن لا يعلم أحد» (مرقس 7:24). ولما شفى الأصم الأعقد في العشر المدن: «فأخذه من بين الجمع على ناحية، ووضع أصابعه في أذنيه وتفل ولمس لسانه… فأوصاهم ألا يقولوا لأحد. ولكن على قدر ما أوصاهم كانوا ينادون أكثر كثيراً» (مرقس 7:33-37). «ولما جاء إلى بيت صيدا وشفى الأعمى فأخذ بيد الأعمى وأخرجه إلى خارج القرية» (مرقس 8:23).

وخدمته لا تعرف السبيل إلى الراحة اللازمة. فهو يستيقظ باكراً ليصلي بعيداً عن العالم: «وفي الصباح باكراً جداً قام وخرج ومضى إلى موضع خلاء وكان يصلي هناك. فتبعه سمعان والذين معه. ولما وجدوه قالوا له إن الجميع يطلبونك. فقال لهم لنتذهب إلى القرى المجاورة لأكرز هناك أيضاً لأني لهذا خرجت» (مرقس 1:35-38). فبينما يخلو إلى نفسه يلاحقه أتباعه، ويقول لهم إن عليه أن يذهب لخدمة القرى المجاورة، ويفعل ذلك: «فكان يكرز في مجامعهم في كل الجليل ويخرج الشياطين» (مرقس 1:39). وفي موضع آخر يقول لتلاميذه: «تعالوا أنتم منفردين إلى موضع خلاء واستريحوا قليلاً» فمضوا، فرآهم الجموع منطلقين وعرفه كثيرون فتراكضوا إلى هنا هناك من جميع المدن مشاة وسبقوهم واجتمعوا إليه» فلما خرج يسوع رأى جمعاً كثيراً فتحنن عليهم إذ كانوا كخراف لا راعي لها فابتدأ يعلمهم كثيراً» (مرقس 6:31-34).

وهذه صورة فريدة للخدمة، فهو لا يجد راحة، ولا يطلبها لتلاميذه، والجموع تلاحقه، فيراهم كخراف لا راعي لها، فيتحنن عليهم، ويعلمهم ثم يطعمهم. وبالجملة فلقد زخر هذا الإنجيل بالإشارات التفصيلية إلى ازدحام الخدمة عليه.

إيمان الآخرين ونجاح الخدمة

وكخادم منكر لذاته، يشعر الذين أمامه أن سر نجاح الخدمة في إيمانهم. فأب الولد المصروع يقول له: «إن كنت تستطيع شيئاً فتحنن علينا وأعنا، فقال له يسوع إن كنت تستطيع أن تؤمن. كل شيء مستطاع للمؤمن. فللوقت صرخ أب الولد بدموع وقال أؤمن يا سيد فأعن عدم إيماني» (مرقس 9:22-24). وعدم إيمان أهل الناصرة يعوقه عن أن يعمل معجزاته بينهم: «ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة غير أنه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم. وتعجب من عدم إيمانهم» (مرقس 6:5). ولا شك أن اللغة هناك تخالف اللغة المستعملة في إنجيل متى حيث يقول: «ولم يصنع قوات كثيرة لعدم إيمانهم» (متى 13:58).

مشاعر المسيح الداخلية

كما يصف الإنجيل من مشاعره الداخلية ما يخص قلب خادم غيور في الخدمة. ففي سياق قصة شفاء الأصم الأعقد يقول: «ورفع نظره نحو السماء وأن» (مرقس 7:34). ولما رأى الجالسين في المجمع يسكتون عن الإجابة على سؤاله: «هل يحل يوم السبت تخليص نفس أو قتل نفس، فنظر إليهم بغضب» (مرقس 3:5). ولما تقدم إليه الفريسيون يحاورونه يقول: «فتنهد بروحه وقال لماذا يطلب هذا الجيل آية؟» (مرقس 8:12).

زر الذهاب إلى الأعلى