القديس بفنوتيوس أسقف طيبة

 إلى جانب الشهداء وقف المعترفون – والمعترفون في الكنيسة هم الذين جاهدوا في سبيل الإيمان وذاقوا صنوف العذاب ولكنهم لم ينالوا اكليل الشهادة. وفي طليعة هؤلاء المعترفين في العصور الرسولية الأنبا بفنوتي أسقف طيبة (الأقصر). كان هذا القديس فى شبابه من المتأملين في الإلهيات ، فقال في نفسه :”إن كانت السماء هدفنا ، وإن كنا في هذه الدنيا نزلاء وغرباء ، فلأعد نفسى من الآن لبلوغ السماء التي إليها مرجعی”. فقام لساعته وقصد إلى الصحراء حيث تتلمذ للقديس أنطوني أبي الرهبان. ولم يلبث أن اشتهر بتقواه وجده وانكبابه على مطالعة الأسفار المقدسة حتى وصفه زملاؤه النساك بأنه: “الهيكل الحي للحكمة الإلهية”.

وحدث ذات يوم أن تأذى بعض النساك من أحدهم لذنب ما. وكان هذا الناسك يدفع عن نفسه ما يتهمونه به. فلما رآهم بفنوتي يشددون الخناق على زميلهم روى لهم المثل التالي : “اصت قدم الرجل في الوحل وهو واقف على شاطئ النهر، فمر به بعض الناس وأرادوا أن ينقذوه ، ولكنهم كانوا سببا في زيادة غوص القدم في الوحل “. ففهم النساك مما رواه لهم بفنوتي أنه يرى وجوب التساهل مع ذلك الناسك . فصفحوا عنه وأخذوه معهم إلى معلمهم الأنبا أنطونى وقصوا عليه كل ما جرى . فقال أبو الرهبان عن بفنوتي : “إنه الرجل الذي أوتى من الحكمة السماوية ما يجعله أهلاً لأن يحكم بالعدل والقسطاس”.

ولقد شاءت العناية الإلهية أن ينتخب الناسك بفنوتي أسقفاً على طيبة عاصمة الصعيد يومئذ ، فتفانى فى خدمة كنيسته وتعليم أبناء رعيته. وظل في عمله هذا حتى ثارت ثائرة الامبراطور مكسيميانوس ( شريك ديوقلديانوس وخليفته ) على المسيحيين. فصب جام غضبه على أهل الصعيد وامتدت يده الأثيمة إلى الأسقف بفنوتى فسجنه ثم أمر بقلع عينه اليمنى وبتر ساقه اليسرى ولم يكتف الامبراطور بهذا كله بل أمر جنده ان يسوقوا مئة وثلاثين من المعترفين وعلى رأسهم الأسقف بفنوتي إلى المحاجر لتسخيرهم في قطع الأحجار مع جلدهم بالسياط. على أن جميع هذه العذابات لم تكن لتثنى هذا الأسقف القديس عن عزمه – فقد كان في كنيسته بمنزلة الجبل الراسخ. وكان يقف وسط المعترفين يصلى معهم ولأجلهم فيعطيهم المثل الحى عن الثبات ويبين لهم مصدر القوة الحقيقية. وهكذا استطاع أن يثبتهم على الايمان رغم الآلام والأهوال . وقد حباه الله موهبة شفاء المرضى وأجرى على يديه من الآيات والعجائب ما زاده في قلوب الناس اجلالاً وتعظيماً.

ثم انتهى الاضطهاد وعاد المعترفون إلى بلادهم . ولما عقد مجمع نيقية سنة 325 م. كان الأنبا بفنوتي ضمن أعضائه الثلاثمائة والثمانية عشر. وقد بلغ من احترام الامبراطور قسطنطين الكبير وتقديره إياه أنه كان يستشيره في جلائل الأمور. وفى كل مرة كان يقع نظره عليه كان يتقدم في وقار ويقبل موضع عينه اليمنى التي قلعت في سبيل الايمان الأرثوذكسي.

ومن نعم الله على كنيسته أن أطال في حياة الأنبا بفنوتي الذي ما أن عاد من مجمع نيقية حتى عاود جهاده في تدعيم الايمان . فكان خير معوان للأنبا اثناسيوس الرسولى في جهاده المتواصل ضد البدعة الأريوسية.

 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى