تفسير رسالة رومية اصحاح 8 للقمص متى المسكين

الأصحاح الثامن
الإنسان يدخل الحرية الروحية !!

 

هذا الأصحاح يعتبر واحداً من أهم الأصحاحات في الأسفار المقدسة ! ليس على مستوى الفكر اللاهوتي فقط بل وعلى مستوى الواقع المتميز لحياة الإنسان المسيحي. ففيه يستعلن ق . بولس قوة الروح القدس العامل في الإنسان لفكه من رباطات الخطية وإعطائه النصرة لمقاومة الشربل وغلبة سلطان الشر. إن هذا هو مبعث رجاء الإنسان الذي تحقق له، بشهادة كل الأجيال ومن ملايين بني الإنسان الذين ألقوا همّهم على النعمة، ففازوا بمؤازرة الروح القدس بقوة تشهد لها حياتهم وسيرتهم بين الناس على مدى التاريخ.

وإن من أظـهـر المـمـيـزات في هذا الأصحاح، أن ق. بولس وهو يضع الروح القدس كقوة خلاص قادرة بالحق أن تخلص كل الذين سلموا الحياة للمسيح بإيمان وثيق ، لم يضع في المقابل شرطاً واحداً ولا وصـيـة واحـدة يثقل بها كاهل الإنسان كما فعل الناموس . وهذا بحد ذاته هو أقوى شرح لمعنى أن المسيح هو غاية الناموس للبر لكل من يؤمن ، بل ومنتهى اشتهاء الإنسان الذي رزح تحت عبء عـجـزه وعـجـز الـنـاموس معه . وفيه يتكلم ق. بولس عن «الحياة في المسيح » ، الحياة التي يقودها الروح القدس حيث الجسد يتبع ولا يقود قط !

وعلى القارىء أن ينتبه لهذا الأصحاح الفريد المجيد الذي يوقع لحن الخلاص على بداية يبتدئها بقوله: «لا ديـنـونة الآن …» بلحن الحمد والشكر ويختمه بخاتمة موسيقية : «من سيفصلنا عن محبة المسيح؟» بلحن المجد والفخار! … وبين البداية والنهاية يعزف مقطوعة : « البكر بين إخوة » .

فإن كان معيار الأصحاح السابق (7) هو الصراع بين الخير والشر: «ويحي أنا الإنسان الـشـقـي مـن ينقذني من جسد هذا الموت»؛ فمعيار هذا الأصحاح هو نصرة الخير الأخيرة : ما أسعدني أنا الإنسان الجديد في المسيح يسوع الذي أعتقني من ناموس الخطية والموت.

وهذا الأصحاح على العموم يحتسب «قمة الرسالة إلى رومية»، حيث يبرز إنجيل ربنا يسوع المسيح كقوة الخلاص. في مقابل الناموس الذي توقف عن أن يكون قوة للتبرير أو التقديس، بل على النقيض أورث المتمسكين به عن غير صحة الدينونة والموت .

فبقدر ما كان إنسان الناموس يتخبط بين صلاح المعرفة وفساد السلوك بالخطية ، ظهر إنسان المسبح يـنـعـم بـوحدة الفكر والعمل ببر الله في قداسة تحت قيادة موحدة بين الضمير المطهر والروح القدس المدبر.

وبقدر ما كان يشعر إنسان الناموس بالغربة عن الله واحتجاب وجه الله عنه بسبب الخطية أعطي له في المسـيـح يـسـوع شركة الحياة مع الآب والابن، على أساس شركة الموت والقيامة مع المسيح المـصـلـوب . وهكذا تأمنت حياتنا على الأرض، فعلى الأرض نعيش، وسيرتنا وميراثنا في الـسـمـوات ، لا شيء يقلقنا ولا شيء يفصلنا عن المسيح والله . لقد جمع ق. بولس في هذا الأصحاح كل نبضات الحياة المسيحية متجذرة في أصولها وأسبابها الأولى .

[ 11-1:8] المسيح أعطى الروح عوض الناموس !

8: 1 «إذا لا شيء من الـديـنـونـة الآن على الذين هُم في المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح» .

«إذا … الآن »: 

التعقيب هنا ليس على أية آية بالذات ولكن على الحالة الجديدة في المسيح في مقابل الحالة العتيقة في الناموس. وقد أخطأ كثير من الشراح خطأ مورطاً إذ فسّروا « إذاً الآن» أنها تعقيب على الجزء الثاني من الآية 25 : «إذا أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله، ولكن بالجسد (أخدم) ناموس الخطية » . والإنسان يتعجب أشد العجب كيف يصح هذا، في حين أن النقيض تماماً هو الصحيح لأن ق. بولس يقول: «السالكين ليس حسب الجسد».

«فالآن» هنـا عـنـد بـولـس الـرسـول هـو الوضع الجديد الذي دخل فيه إنسان المسيح ، وهذا الظرف الزماني لا يحدد حقبة معينة في حياة المسيحي السالك بالروح ، فهو منذ أن قبل الإيمان وإلى النهاية حتى الأبدية لن يكون عليه دينونة طالما « هو في المسيح يسوع » ، والسبب يأتي مباشرة في الآية الثانية : لأن المسيح قد أعتقني من ناموس الخطية والموت ، وهو الناموس الذي يجلب الدينونة المحتمة !

« والآن » تحمـل بـحـد ذاتـهـا رسالة لكل إنسان ولك أيها القارىء العزيز. فالآن هي بشارة الخلاص لـكـل نـفـس مـتـعبة تنظر إلى خلف إلى ماض حزين غير مشرف لأولاد الله ، فالآن هي إشارة انتباه، قف، لا تنظر إلى ورائك . « فالآن» أنت في المسيح ولست في الجسد، أنت في الروح ولست تحت ناموس الخطية . «الآن» أنت عتيق المسيح ولست عبداً لأي شيء ولا حتى للزمن ، «الآن» أسقط الماضي كله من حسابك وابدأ سيرة التجديد لتسجل لك في السموات سيرة جديدة . «الآن» تحمل لك بهجة هبة الخلاص ، وقوة حياة الدهر الآتي. «الآن» هو مستقبلك السعيد مع المسيح والروح القدس .

«لا دينونة الآن»: حيث «لا» تأتي بادئة للآية كلها 

حرف النفي «لا» يركز عليه ق. بولس بوضوح في اللغة اليونانية . فلا دينونة لأنه لا موت ولا خـطـيـة ولا ناموس ولا حياة حسب الجسد. « ولا دينونة» لأن الحياة أصبحت سلوكا بالروح الذي يعبر عن تدبير الروح القدس وأعمال قداسة. بل «فلا دينونة الآن» كحالة نفى لا تكفي للتعبير عن الوضع الجديد بالروح ، لأن الإيجابية واردة لأن «الآن» ليس لا دينونة فقط بل « والآن » نحن في نعمة و بر وسلام .

انتبه أيها القارىء العزيز، «فالآن لا دينونة» تعني أنك معفى تماماً ، فأنت لست متهماً بعد بأية تهمة تمس حياتك أو تقلل من خلاصك. كذلك فأنت لست واقعاً تحت أي عقاب لا في الحاضر ولا في المستقبل ولا في الحياة الأخرى ، فعليك أن تفهم وتتمعن سعة هذا المنطق الذي يتجاوز كل أحزان الإنسان ومخاوفه السابقة بل يتجاوز كل وساوس الإنسان وتشككيه . فانتبه إلى قوة عمل الروح في هذا الوعد .

«فالآن» قف قف وآلـق بـكـل إحساس بدينونة كاذبة مزيفة زيفها عليك الشيطان وصدقتها نفسك، فأنت لست تحت دينونة كهبة من الله نفسه ، ألا يكفيك هذا الوعد لتقول آمين ؟ أما كيف يـكـون ذلك؟ فلأنه رفع خطيتك. فلماذا وكيف تكون الدينونة ؟ هنا بولس الرسول يعرض على القارىء الحالة الجديدة «العامة» التي أدخلها المسيح على الإنسان الذي يؤمن بموته وقيامته أي يؤمن بالفداء الذي أكمله على الصليب من أجل كل إنسان خاطىء « في المسيح يسوع » .

هذا هو ختم الله الصادق على وعده : ختم اسم يسوع المسيح الذي يطبعه الله بالروح القدس على قلبك : أن «الآن» ليس عليك «دينونة » بضمان دم ابنه يسوع المسيح الذي رفع خطيتك ، وروحه القدوس الذي أعطاك الحياة الجديدة !! فهو ليس وعداً يمنحه الله لك بلا ثمن بل قد دفع ثمنه حتى لا تقول في نفسك أنا غير مستحق، فدم المسيح أعطاك هذا الاستحقاق الفائق أن لا ديـنـونة الآن عليك !! فإن قبلتها تكون قد كرمت دم ابن الله الذي سُفك على الصليب والذي يقدم لك في الكأس، وإن شككت تكون لا تزال لم تعرف قيمة دم يسوع المسيح ابن الله الذي آمنت به  وشـربـتـه ! لأن دم المسيح ليس فقط قادراً أن يعطيك هذا الاستحقاق بل ويعطيه هو عينه لكل خطاة الأرض لو آمنوا. فهل تؤمن ؟ « هل أنت في المسيح يسوع » ؟ هل آمنت بالدم؟

 في مفهوم الوضع اللاهوتي، يقصد ق. بولس هنا أن الإنسان قد أنقذ من الوقوف على أرض الموت حيث يحكمه ناموس الخطية ويحكم عليه بالموت ؛ «الآن » هو واقف على قاعدة «بر الله»، فالمسيح يحمل البشرية في نفسه في جسده القائم من الأموات ، إذا فنحن بمعزل عن الموت ، والجسد القائم من الموت لن يسود عليه الموت بعد بل هو حي الله ونحن فيه أحياء الله . قول المسيح هنا يلح علينا إلحاحاً: «من كان حيا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد» (يو11: 26)، «أنا حي فأنتم ستحيون . » (يو19:14).

فطالما نحن نحيا في المسيح، فلن ينالنا موت ولن تقرب منا دينونة « من هو الذي يدين ؟ المسيح، هو الذي مات بل بالحري قام أيضاً، الذي هو أيضاً عن يمين الله ، الذي أيضاً يشفع فينا » (رو8: 34). فالذي يشفع فينا كيف يديننا ؟ المسيح قبل الدينونة كلها التي عن كل الخطايا على الصليب ونحن فيه، لذلك فقد استنفذت الدينونة كل حقها علينا ، ونحن في المسيح أكملنا كل مكيالها .

ليلاحظ القارىء أننا بدخولنا هذا الأصحاح دخلنا . ق. بولس في دائرة بر الله في المسيح يسوع . لذلك كان أول ما اهتم ق. بولس أن يسجله في محيط بر الله وعمله أن الدينونة رفعت ، لأنه حيث بر الله بالمسيح فلا دينونة . الدينونة تعبر عن غياب بر الله ، حضور بر الله بالمسيح يسوع يعني غـيـاب الـديـنـونة حتما. الله بذل ابنه خصيصاً ليرفع عنا الدينونة حتى يتسنى للآب أن يعطينا بره الخاص لنعيش معه. لذلك كانت القرينة الملازمة لدخولنا في بر الله بالمسيح هي السلوك بالروح وليس بالجسد، أي السلوك بروح الله الذي يدير الحياة الجديدة مع الله. هنا عمل الروح القدس فينا يؤمن عدم الدينونة .

فالآية التي صدر بها ق. بولس هذا الأصحاح الفريد في رسالة رومية : «لا دينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح»، هي بمثابة انفتاح حضن الله للمسيح ، وهو عائد من الفداء ومعه خطاة البشرية، ليسكب عليهم بره الخاص مع حبه ونعمته وروحه القدوس. كانت هذه اللحظة التي تمئتها كل أجيال الله السابقة من القديسين والأنـبـيـاء، وكانت هي نفسها التي تمناها الله ليستقبل الإنسان المتغرب هذه الدهور كلها ويضمه مع المسيح في حضنه المريح ! «ولكن الكل من الله الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح وأعطانا خدمة المصالحة، أي إن الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه ، غير – ، لهم خطاياهم، وواضعاً فينا كلمة المصالحة . » (2كو5: 18و19)

«لا ديـنـونـة الآن»، مـن يـصـدق ؟ إن عـظـم الهبة جعلت الموهوب لا يصدق بل لا يقدر أن يصدق لأنه صعب عليه أن يعي كيف ؟ كيف أكون أنا بلا دينونة ؟ وأين خطاياي وأين جهالاتي وأيـن عـقـوقـي وتـعـديـاتـي ؟ ولكن هذا هو بر الله : «لأني أصفح عن إثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد» (إر31: 34)، «قد محوت كغيم ذنوبك وكسحابة خطاياك، ارجع إلي لأني فديتك. ترنمي أينها السموات لأن الرب قد فعل » (إش44: 22و23)، «أنا أنا هو الماحي ذنوبك لأجـل نـفـي وخـطـايـاك لا أذكرها » ( إش43: 25). لا يوجد هنا ” لماذا ” ، ليس هنا للمنطق مكان، ولا لـقـيـاسـات العقل موضع ـ الله تكلم ، الله وعد ونفذ، الله بار هو، وهو يريد أن يتبرر فينا ، فمن يقول له : ” لماذا ” أو ” حاشاك ” ؟

صحيح، لابد أن نقف أمام كرسي المسيح وكل واحد يعطي حساباً عن ما فعله خيراً كان أم شرأ، وأنه حتماً سيدين كل واحد حسب أعماله. هذا حق . ولكن الذي يدين هو الذي يبرر، والديان سبق هو بنفسه أن دفع من دمه ثمن كل ديوننا، وتقبل أشد الدينونة من أجلنا في جسده ليصفي حسابنا . فمرحباً بالدينونة ومعها التبرير، ومرحباً بالديان لأنه البار!

أما قول ق. بولس : «السالكين حسب الروح وليس حسب الجسد»، فهو لا يفيد شرط الأعمال التي نعملها، بل على النقيض ، فهو يفيد عمل الروح القدس فينا وليست أعمال الجسد. بمعنى عمل روح أننا لا نسلك بعد بناموس جسدي يتحكم فينا لأعمال جسدية بل نسلك بحسب الله القدوس فينا الذي يبرر الروح ويقدس الجسد. لأنه لو كان المعنى يقتصر على أن أعمالنا التي نعملها نحن بحسب الروح أي روحنا أي التي من عندنا، هي السبب والعلة أنه لا دينونة الآن علينا، إذا لبطل عمل المسيح وبطل بر الله ، وقصر الوعد وانطمس العهد الجديد .

 لقد احتار اللاهوتيون في معنى ولزوم النصف الثاني من الآية الأولى : « السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح »، ووجدوها بحسب فهمهم أنها تلغي تماماً النصف الأول : «لا دينونة الآن على الذين هم في المسيح يـسـوع » . لذلك أجمعوا جميعاً على حذفها نهائياً لا من شرحهم بل على وحـذفـوهـا من نسخ الإنجيل التي في أيديهم !! ـ أنظر وتعجب ـ والسبب في ذلك أنهم فهموا أن سلوك الإنسان بحسب الروح يعني أعماله التي يعملها باجتهاده الروحي, ولكن ق. بولس لا يقصد هذا المعنى إطلاقاً ، بل إن قوله : « السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح» إنما يعني به السالكين بحسب الروح القدس وليس بحسب اجتهادهم الجسدي من فرائض ونواميس كما في الناموس !! والدليل على ذلك يكرره بولس الرسول بعد ذلك بقوله :
+ «لأن نـامـوس روح الحياة في المسـيـح يـسـوع قـد أعـتـقـنـي من ناموس الخطية والموت . » ( رو2:8) = (السلوك بالجسد)
+ « وأمـا أنـتـم فـلـستـم في الجسد بل في الروح إن كان روح الله ساكنا فيكم.»
( رو9:8).
+ «إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ( المسيح) ليس له . » (رو9:8)
+ « روحه الساكن فيكم . » (رو11:8)
+ «إن كنتم بالروح (القدس) تميتون أعمال الجسد فستحيون . » ( رو8: 13)
+ « الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله . » (رو8: 14)
+ «أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب . » (15:8)
+ «الروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله . » (16:8) 

كل هذا هو الذي يعنيه ق. بولس من قوله : « السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح » ، حيث السلوك بالجسد هنا يرمي إلى حالة السلوك بالناموس حيث كان الجسد واقعاً تحت سلطان الخطية ومستعبداً لها. ولكن المعنى يتسع في قول ق. بولس « حسب الجسد» حتى يشمل بحسب الفكر البشري والاجتماعي أرقى وأنبل أنواع السلوك الذي ينتهي عند مطالب الجسد ولكن لا يرقى إلى الله. فليس من الضروري أن تكون «الحياة حسب الجسد» تعني الخطية مباشرة ؛ بل تعني أن يـكـون هـدف الحياة الوحيد هو متعة الجسد في الفن والجمال والحب والرقي الأخلاقي، ولـكـن في غـيـاب الـعـبـادة والدين وعنصر الله والتقوى ، فمثل هذه الحياة زائلة ومـنـتـهـيـة بـالموت، وليس لها رجاء في حياة أبدية، ومثل هذه الحياة تدخل الدينونة لأنها رفضت الخضوع الله واحتقرت عمل الروح القدس وجحدت الابن الذي به وحده الخلاص والانعتاق من الدينونة .

وحيث يكون المقابل للحياة حسب الجسد هو الحياة حسب الروح ، لتعني حياة في الله، ومنه تأخذ حركتها ووجودها من الله وتنتهي إليه. وهذه بدورها لا يمكن أن تعني مخاصمة الجسد واحتقار الحياة بل قيادة الجسد بتدبير روح الله والسلوك في الحياة بروح جديدة: « إن كنتم بـالـروح تـمـيـتـون أعـمـال الجسد فستحيون » (رو13:8)، حيث يبلغ الجسد الصحة الحقيقية وتبلغ النفس بالروح القدس كمالها السوي وترتفع الرؤيا من نحو الحياة لتصير حسنة وجميلة في الله كما خلقها . فالحياة حسب الروح لا تحرم الإنسان إلا من الخطية .

«الآن» في المسيح يـعـنـي سـلـوك بـالإنسان الجديد بالإيمان المحسوب أنه روحي، و بالروح القدس الذي يدبر كل سلوك المسيحي. لأنه يتحتم أن تفهم أن في المسيح يسوع لا يوجد سلوك حسب الجسد قطعاً، فالمسيح هو غاية الحياة وليس الجسد بكل تأكيد !! وهذا يؤكده بشدة بـولـس الـرسـول بـقـولـه : « إن كان المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية، وأما الروح فحياة بحسب البر» (رو10:8)، وسيأتي شرحه ، وقد سبق ق. بولس وقال : «عالمين هذا أن إنساننا الـعـنـيـق (الجسد) قد صلب معه ليبطل جسد الخطية كي لا نعود تستعبد أيضاً للخطية . » (رو6:6)

لذلك فإن هذه الآية ذات الوزن العالي لاهوتياً ينبغي أن تبقى حرة من أي شرط ، فقول ق . بولس: «لا ديـنـونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع »، لا يتوقف على القول : « السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح » ، بل هو معيار لاهوتي حر قائم بذاته ، يلزمنا جدا أن نأخذه لحـيـاتـنـا ونـثـق فـيـه ونعتز به بل ونتمسك أيضاً. وما قوله : « السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح » إلا وصف للذين هم في المسيح يسوع وتأكيد لعمل الروح القدس في رفع هذه الـديـنـونـة، لأن الذين هم في المسيح يسوع هم في الروح القدس حتما وبالضرورة ، والذين هم في الروح القدس لا يسلكون بحسب شهوات الجسد !!

والقصد من عدم السلوك حسب الجسد هو أن لا يكون الجسد ولا شهوات الجسد هدفاً لحياتنا .

8: 2 «لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت » .

«لأن»: 

لأن هنا سببية وهي تشرح لماذا لا دينونة الآن: في المسيح يسوع !

«روح الحياة » :

هـو الـروح الـقـدس في سلطته العاملة مع المسيح للحياة الجديدة فهو المحيي من الموت وبالأكثر مـن مـوت الخطية. وهـو لـيـس يحيي فقط، بل ويحافظ على الحياة من طغيان الخطية واستبدادها بالجسد .

يلاحظ هنا أن ق. بولس يضيف إضافة هائلة على قوله : « الذين هم في المسيح يسوع » وعلة لرفع الدينونة عنا، إذ يدخل الروح القدس بقوة عمله الذي اعتبره ناموساً قائماً بذاته ، قادراً أن يفك أسر الفكر والإرادة والضمير وكل ملكات الجسد وأعضائه من سلطان الخطية وفعلها المميت ويردها إلى الحياة للسلوك ببر الله.

بولس الرسول يبرز هنا في هذا الأصحاح عمل الروح القدس بصورة فريدة كصاحب ناموس قادر لا أن يعدل مسار الجسد بل ويخلق فيه قوة جديدة تصارع الخطية ! بولس الرسول يركز جداً على عمل الروح القدس في فك أسر الإنسان من سلطان الخطية ، فيذكر الروح القدس في هذا الأصحاح عشرين مرة، الأمر الذي لم يحظ به أي أصحاح آخر في الإنجيل كله !! والعجيب حقاً أن يجيء هنا ذكر الروح القدس عـشـريـن مرة، في مقابل عشرين مرة أيضاً بالتساوي في الأصحاح السابع يذكر فيه «أنا » كإنسان يتأوه !! وهكذا حيث «أنا » فهناك السقوط والعجز والأنين والـديـنـونة، وحيث الروح القدس فهناك تكون الحياة ولا تكون الدينونة, وهذا هو التوضيح المباشر لقوله في الآية السالفة : «السالكين ليس حسب الجسد بل الروح » . إذا تكون محصلة الآيتين معا هي: «لا دينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل بناموس روح الحياة الذي يعتقهم من ناموس الخطية والموت » .

وهذا أيها القارىء العزيز هو منتهى عمل بر الله بواسطة المسيح والروح القدس ! رفع الدينونة عن الإنسان، وعتق الإنسان من جور الخطية المجحف وسلطان الموت المخيف، توطئة لمنح بر الله ونعمته المجانية.

ولنلاحظ في وصف الناموس الجديد أنه روح الحياة، وذلك في مقابل الناموس الآخر الذي للـخـطـيـة والموت . ذاك يقيد وهذا يحرر، ذاك يميت وهذا يحيي! ذاك يدين وهذا يبرر من الدينونة . وهذا هو في الحقيقة الفارق بين «ناموس روح الحياة في المسيح يسوع »، و «ناموس موسى » . وإن كان من الإجحاف في حق الروح القدس أن ندعو نظامه وتدبيره «بالناموس »، أي القانون ، فالروح حر ومجال عمله لا حدود له، ولا يستطيع فكر إنسان أن يلاحقه في قدرة عمله أو قوة فعله أو اتساع حبه أو شمول تأثيره، فمن يسلك بروح الله يحكم على كل شيء ولا يحكم عليه من أحد (1كو2: 15) !!

ولـكـن لـعـل السبب في تسمية ق. بولس لعمل الروح القدس للحياة بأنه «ناموس » هو مقدار استبداد عمل ناموس الخطية في جسد الإنسان وكأنها ربطت ملكات الإنسان وأعضاءه بسلاسل لا تفك أو بمرض عضال لا يشفى. ويكفي أنها جميعاً تسوق إلى الموت . لذلك، فإن العملية التي يقوم بها الروح القدس أو روح الحياة في المسيح يسوع لفك سلاسل الخطية وشفاء أعضاء الإنسان من جـراحـهـا المميتة تحتاج فعلاً إلى ناموس وإلى قوة منشقة وخارقة لتحطيم قيود الخطيئة المميتة. ولكن مـن أعـجـب أعمال ناموس روح الحياة في المسيح، هو أن يحرر الإنسان من ناموس الخطية والموت الذي كان عمله هو الاستعباد للخطية : «حيث روح الرب فهناك حرية » (2کو17:3)، «وإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً.» (يو8: 36)

فحينما نعرض على طبيب نفساني مريض الخطية الذي قضى في السرقة أو الزنى أو القتل أو الكذب والـتـزيـيـف عمره كله، وتقول له هل من شفاء لهذا الإنسان ؟ لا يتمالك الطبيب إلا أن ينظر إلى السماء !!

هذه هي البشرية التي كانت مائتة في الذنوب والخطايا فاقتحمها المسيح يسوع بالروح القدس وأقامها من موت الخطايا والذنوب وقدمها إلى أبيه « كنيسة مجيدة. لا دنس فيها … بل مقدسة وبلا عيب» (أف5: 27). والأمثلة التي ورثناها ، أعني الأشقياء الذي اختطفهم الروح القدس من الخطية وجعلهم قديسين ، تملأ سنكسار الكنيسة ؛ بل هم ظهر الكنيسة وسندها التاريخي . نستنشق رائحتهم الزكية في المسيح كحياة لحياة .

8: 3 «لأنه ما كان الناموس عاجزا عنه في ما كان ضعيفاً بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد» .

عاجز: 

تـتـرجـم بـاليونانية على وجه الأصح في هذا الموضع «مستحيلاً »، أي في ما كان مستحيلاً على الناموس ، وذلك لأن المقابلة تستلزم ذلك فالمستحيل عند الإنسان سهل على الله.

وهنا يقلب ق. بولس الميزان اليهودي في تقدير ناموس موسى . فبينما اليهودي يفتخر ويتحصن ويـتـقـوى بـالـنـامـوس ، يجيء بولس الرسول ليقول إن هذا الناموس عينه كان ضعيفاً وقد ورط معه الجسد الضعيف بالتالي. ونظـرة بولس الرسول هنا النظرة العادلة والصادقة لإنسان يعي متطلبات الضمير الحي وهو تحت الناموس يشقى، ويكسر الناموس كل يوم ! ويمكن باختصار شديد للـتـوضـيـح أن نضع هذه الآية هكذا : لأن الذي كان مستحيلاً على ناموس موسى أن يعمله بسبب ضعف جسد الإنسان، الله عمله إذ دان الخطية في الجسد الذي حل فيه بملء لاهوته !!! و «دان الخـطـيـة» يعني حكم عليها بالموت !! ليبرىء الإنسان. وهو دائها في جسد ليس ضعيفاً بعد إذ هو جسد ابن الله ! ولكن في الحقيقة هذه الآية تحوي كل عمليات التجسد والفداء .

– عجز الناموس بسبب ضعف الجسد : هذا شرحه ق. بولس بتدقيق في كل الأصحاح السابع السالف ، والذي ينتهي بإعلان إفلاس الإنسان. وهكذا عندما يبلغ الإنسان نهاية عجزه ، يبدأ الله عمله ، الله بنفسه بواسطة ابنه . ولكن الـوضـع يـبـدو واضحاً ـ بعد التجسد ـ أن الأمر كله انتقل من الإنسان إلى الله . فالله وحده هو الذي يمكنه أن ينفذ ما يريده الله في الإنسان .

والملاحظ أن تدخل الله كان بعملية لا يدخل فيها الناموس إطلاقاً، فلا الله أعاد صياغة الـنـامـوس ولا هـو صـنـع ناموساً جديداً على مستواه؛ بل أنهى الأول ليعطي حله الروحي الثاني لا بناموس ، ولكن بابنه «الذاتي» وروحه القدوس . وهنا يفهم أن الناموس لم يكن خطأ وإلا فالله كـان قـادراً أن يعدله . على أن الناموس لم يكن ضعيفاً بذاته ولكن ضعفه كان بسبب ضعف جسد الإنسان. لذلك تركه الله إلى أن أكمل القصد منه، ثم نزل ليرفع كل الغبن الواقع على الإنسان وذلك بـتـجـديـد خـلقة الإنسان و بحمل الدينونة عن الإنسان، وهكذا أكمل الله بواسطة المسيح وبآن واحـد ديـنـونة الخطية بالجسد ، ثم تجديد الإنسان ككل !! وهكذا صنع الله بالإنسان أمراً عجيباً، إذ أكمل في ابنه الانتقال بالخلقة البشرية من وضعها الجسدي الأرضي الضعيف الرازح تحت الناموس إلى وضعها الروحي السمائي الغالب بالروح القدس لحساب الحياة الأبدية . 

الله أرسل ابنه «الذاتي»: 

اصطلاح عـقـائـدي ليتورجي يحمل مضمون سبق وجود المسيح قبل التجسد كابن الله الذاتي ، « الذاتي»، حيث كلمة تأتي في اليونانية فقط في صيغة «الذي له شخصياً»، وأرسله إلى العالم متجسداً : « ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس ليفتدي الـذيـن تحـت الناموس لننال التبني» (غل4: 4 و5)، وذلك عبوراً بالإخلاء: « الذي إذ كان صـورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً الله لكنه أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائراً في شبه الناس . » (في2: 6و7) 

«في شبه جسد الخطية » :

على القارىء أن يلاحظ شـدة تـدقـيـق ق . بولس في – هذه الجملة بمنتهى الحذر لتطابق الواقع بمنتهى الدقة بالنسبة لبشرية المسيح :

فإن الصفة السائدة على الطبيعة البشرية هي الخطية ، ففي شبه هذه الطبيعة تجسد المسيح . ولـكـنـه صـار بـشرأ سويا إنساناً بطبيعة بشرية كاملة فلا يصح أن يقال : «في شبه جسد إنسان» . كما أنه كان أيضاً بلا خطية مطلقاً ، فلا يصح أ أن يقال : « في جسد الخطية » . ولكن ق. بولس قال وما أعظم وأدق ما قال : « في شبه جسد الخطية». وهذا يعني أنه ليس إنساناً خاطئاً ككل الـنـاس بالرغم من أنه إنسان كامل تماماً، وذلك بسبب أنه لم يكن في صمیم طبيعته خطية البتة . ولـم يـكـن في مظهر إنسان فقط بل ومولوداً من امرأة وتحت الناموس. ومنذ أن ولد المسيح ابن الله مـن امـرأة تحت الناموس وصار إنساناً، تشرف الإنسان بالشرف السمائي ككل، لأنه لم يعد مجبولاً فقط من تراب الأرض، بل وأيضاً من السماء من الله !!

كما أن ق. بولس في قوله : « في شبه . الخطية » ، يعني أن ابن الله حمل طبيعة الإنسان في واقع حالها بعد السقوط، ولكن دون أن يكون فيها أي فعل من أفعال السقوط ، أي الخطية. وبذلك يـكـون قـد تجاوز كل أثر الخطية في جسد الإنسان، فحمل جسداً بلا خطية حتى يستطيع أن يحمل كل الخطـايـا عـليه ، دون أن يكون هو خاطئاً ويموت بها ؛ فيميتها أي يدينها ، دون أن يعتبر الموت عقوبة له بل أخذه في جسده كعقوبة لكل خطايا الإنسان، وقام فأكمل العقوبة لكل إنسان . وهكذا دان الخطية بالجسد، فأكمل الدينونة لكل ذي جسد!! فصار لا دينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع !!!

« ولأجل الخطية »: 

الترجمة العربية لا تفي بالمطلوب ، لأن ق. بولس يقصد عملاً تم ضد الخطية ومن أجلها بأن أتم واحد، فهـو عـمـل ذبائحي. وهذا الاصطلاح عينه ورد في مواضع عديدة لـيـفـيـد ـ بحد ذاتـه ـ «ذبيحة خطية» كما جاء في لاويين 16، عب 10: 6 و8؛ 11:13 : «بمحرقات وذبائح للخطية  لم ترد»، حيث الاصطلاح اليوناني هنا يخلو كلية من كلمة «ذبائح » ، ولكن بمجرد أن يأتي حرف nepi قبل كلمة «خطية» تُحسب ذبيحة في المفهوم الليتورجي ، لذلك يترجمها العلماء في الليتورجيا هكذا : «فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية وبذبيحة الخطية دان الخطية بالجسد » .

 وتـقـديـم ق. بولس لهذه الحقيقة اللاهوتية بهذه الصورة دون أن يعبر عن كيف دان الخطية بالجسد سوى بهذا التعبير الخفيف للغاية : «لأجل الخطية  » يعطي صورة عن مـضـمـون وضع المسيح الذي صار له في مجرد تجسده، حيث في نظر ق. بولس أن مجرد تجسد ابن الله كان إعداداً للصليب وهو بحد ذاته إجراء ضد الخطية . وهكذا تماماً أن المسيح تجسد لأجل الخطية وليدين الخطية بآن واحد، وكأن الله كرسه لبذل الموت لحظة إرساله إلى العالم . وهذا المعنى يشرحه ق. بولس ببراعة في قوله في موضع آخر مستشهداً بالمزمور: « لذلك عند دخوله إلى العالم (تجسده) يـقـول ذبـيـحـة وقـربـانـاً لم ترد، ولكن هيأت لي جسداً » ( عب10: 5 ، مز6:40) أي أن موته على الصليب كان عوض جميع الذبائح !!

«دان الخطية في الجسد » :

كانت الخطية في وضع الناموس قد أوقعت الإنسان في الدينونة بالموت الأبدي . ووقف ناموس موسى إزاء الخطية صامتاً لا يقدر أن يعين؛ بل وعلى النقيض يدين. الخطيئة تميت بالفعل والناموس يـنـطـق بحكم الدينونة والموت. هذا تم في كل ذي جسد، فصار جسد الإنسان ككل تحت سلطان الخطية ولا منازع . لهذا أرسل الله ابنه متجسداً في هذا الجسد عينه الذي استبدت به الخطية، ولكن دون أن يكون تحتها أو عبداً لها، بل بطبيعة كل ذي جسد دون الخطية وحدها . وبهذا اتخذ الجسد الذي اتخذته الخطية سلاحاً لها لإظهار سلطانها للموت ، أخذه المسيح ليكون هذا الجسد عينه سلاحه ضدها ليميتها بالجسد. فبمجرد أن تجسد ابن الله ـ بدون خطية ـ تمت أول موقعة بين المسيح في الجسد والخطية التي اتخذته مربضاً لها في الإنسان. القديس بولس اعتبر هذا أول فعل الـديـنونة ضد الخطية، أما تمام الدينونة وكمالها، الذي ختم عليه الله ضد خطية الإنسان في الجسد ، فأكمل ساعة موت ابن الله القدوس من أجل الخطاة، البار من أجل الأئمة، حاملاً الحياة من أجل حاملي الموت، الحر من أجل الأسرى ! وهـكـذا حظم المسيح عرش الخطية في الجسد وحل سلطانها وفك أسراها .

وهكذا بينما ركز الناموس سلطانه للنقمة من الإنسان الخاطيء لحساب الخطية، انقض المسيح بسلطانه ضد الخطية ذاتها لحساب الإنسان ! وهكذا لما أبطل المسيح الخطية ودائها في الجسد، تـوقـف الـنـامـوس وأنهى على زمانه وقفل كل دوائر محكمته، وعاد الإنسان إلى بيته بريئاً مبرءاً وقديساً مطهراً، بلا دينونة، ولا خوف عليه من موت ودينونة !

‏8: 4 «لكي يـتـم حـكـم الـنـامـوس فينا، نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح».

كلمة «حكم الناموس» هنا نقرأها على المثيل المشابه لها في رسالة رومية .
وإليك معنى كلمة حكم الناموس
«الذين إذ عرفوا حكم الله (تقرأ بمعنى حكم الناموس على الأصح) أن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت … » (رو1: 32)

إذا فـقـول بولس الرسول : « لكي يتم فينا حكم الناموس» ليس معناه «بر» الناموس كما ظنها الـقـديـس ذهبي الفم؛ بل حكم الناموس أي مطلبه العقابي، أي الموت ، ثمناً للخطية . وبهذا نـكـون قـد تحررنا من الناموس كلا وجزءاً. ولكن إذا أخذناها بمعنى بر الناموس نكون قد التصقنا بالناموس أكثر.

و واضح من الآية المثيلة : «الذين إذ عرفوا حكم الله أن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت » ، يتضح أن حكم الناموس يعني الموت وليس البر ـ لهذا لزم التنبيه .

ليت القاريء ينتبه أشد الانتباه لأننا هنا بصدد المحور الدوار الذي يلف حوله كل مفهوم الفداء والغفران والمصالحة والخلاص کله !!

فالمسيح لم يمت وحده، من أجل نفسه ، ولم يكمل حكم الناموس من أجل نفسه ، ولم يتلق عقاب الخطية باللعنة من أجل نفسه ؛ بل لأنه كان حاملاً جسد الإنسان ككل ـ أي جسد كل إنسان كان وسيـكـون، لذلك يحسب أن كل « الإنسان» تلقى ذات الحكم وذات الموت وذات اللعنة، وأكمل الـنـامـوس مع المسيح لما أكمل المسيح الموت على الصليب . هذا هو المعنى الذي يقصده ق. بولس بـالـوضـوح الـكـافي في قوله : « لكي يتم حكم الناموس فينا » حيث كلمة «لكي» تعود على كل ما تحمله الآية السابقة من معان حينما قال بولس فيها : «دان الخطية بالجسد »، لأن الجسد الذي هو جسده هو هو جسدنا .

فالذي صنعه المسيح على الصليب والذي احتمله ، قد صنعه واحتمله بذاته القدوسة في جسده الذي هو جسدنا من أجلنا ، « لكي يتم حكم الناموس فينا » فلا يعود للناموس شيء علينا ولا صلة بنا ولا حكم ضدنا ؛ بل ولا وجود له بالنسبة لنا ! … هذا المعنى فات على كثيرين جدأ من الشراح .

«نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح »:

الجسد هنا هو ضد الروح كما يقول بولس الرسول ، والروح هو الروح القدس، « وإنما أقول اسلـكـوا بـالـروح فلا تكملوا شهوة الجسد. لأن الجسد يشتهي ضد الروح، والروح ضد الجسد . وهـذان يـقـاوم أحـدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون . ولكن إذا انقدتُم بالروح فلستم تحت الناموس . » (غل5: 16-18)

واضح هنا أن السلوك بالروح هو الانقياد بالروح القدس : «لأن كل الذين ينقادون بروح الله ، فأولئك هم أبناء الله» (رو14:8). والانقياد بالروح القدس يجعلنا أحراراً من الناموس : «لأنكم لستم تحت الناموس ؛ بل تحت النعمة» (رو6: 14) أي نعمة الروح القدس . هنا لا تعتبر هذه الآية نـوجـيـهـا أخلاقياً، ولكن تقرير حالة لاهوتية، لأن الروح القدس هو وحده الذي يحرر الإنسان من سلطان الخطيئة. أي أن كل من هو في الروح القدس وملقاة بالروح القدس ، يكون بحسب الآية الأولى في هذا الأصحاح : «لا شيء من الدينونة عليه » ، وبحسب الآية الثانية : «قد أعـتـقـنـي مـن نـامـوس الخطية والموت»، وبحسب الآية التي نحن بصددها أي الرابعة من هذا الأصحاح : « قد تم فينا حكم الناموس »، وبالتالي تبرأ من الخطية وانعتق من الناموس ذاته فلم يعد يسلك، أي يعبد بالجسد (أي بحسب الناموس)؛ بل بالروح يعبد ويحيا .

والذي نود أن نؤكد عليه مرة أخرى أن ق. بولس هنا لا يقصد الجهد البشري، وكأنه من عمل روح الإنسان. فيفهم السلوك الروحي أنه اجتهاد، أو الكف عن السلوك الجسدي كأنه اجتهاد، ولكن بولس الرسول هنا بصدد شرح وضع لاهوتي نشأ بمجيء ربنا يسوع المسيح عوض الـنـامـوس. فكان الناموس هو السلوك بالجسد والاجتهاد بالجسد وطلب بر الناموس بالجسد. ولكن بمجيء المسيح انتقلنا من حياة حسب الجسد إلى حياة حسب الروح، ومن سلوك حسب الجسد ـ بفرائض وأحكام تخص السلوك بالجسد، إلى سلوك بالروح وهو تسليم الحياة للروح القدس للانقياد به حتى يكون السلوك بالروح أي بالروح القدس .

فإن كانت صلاة فـبـالـروح، وإن كان سجود أي عبادة فبالروح ، لأن الله روح وهو طالب الساجدين له بالروح والحق (يو4 : 23و24)، مع الانتباه أنه إذا فهم السلوك بالروح أنه اجتهاد من روح الإنسان ضـد شـهـوات الجسد بالإمكانيات الذاتية والجسدية ، فإن كل المفهومات السابقة تتعطل، أي تتوقف حقيقة : «لا دينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع » ، ويتعطل عملها إن كان ذلك نحصل عليه بالسلوك الذاتي. كذلك : «قد أعتقني من ناموس الخطية والموت » ، يتعطل ويستحيل الحصول عليه إن كان بالاجتهاد الذاتي . وأخيراً : « قد تم فينا حكم الناموس » ، يتعطل إذ يـسـتـحـيـل أن يـتـم فـينا حكم الناموس ونتبرأ من الناموس بالاجتهاد الذاتي . لهذا ننتهي إلى القول إن: «السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح » تفيد الانتقال من الارتكان على أعمال الجسد إلى الاتحاد بالروح القدس الذي يقود للسلوك في جدة الحياة مع المسيح الله، وذلك بالمفهوم اللاهوتي وليس بالمفهوم الأخلاقي.

ولكن هذا الشرح اللاهوتي الصرف لم يمنع ق. بولس من أن يتفرع منه إلى الحض على السلوك الأخلاقي الذي يثبت ويشهد على حصول رفع الدينونة وتكميل الناموس والدخول في النعمة وبر الله في المسبح. وفرق شاسع بين الأعمال الأخلاقية السلوكية كونها تكون إثبات حالة تجديد خلقة والبرهان على وجودها والحصول على نعمة ، وبين أن تكون هي السبب والإرادة والـوسـيـلـة لكـي نـحـصـل بها على الغفران والتجديد بالنعمة. لذلك يقول : «إذا لا شيء من الـديـنـونـة الآن على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح » ؛ والآية الأخرى : « لكــي يـتـم حـكـم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح»، وهما آيتان تختصان بعمل المسيح والروح القدس الذي أكمل فينا، كحالة واقعة لا تحتاج من جهتنا إلى تكميل أو تحقيق أو استزادة أو استحداث، ولكن تحتاج من جهتنا إلى ما يثبتها عملياً ويشهد لها بالأعمال كأناس مقودين بالروح القدس. كما يضعها يعقوب الجليل في الرسل : « وأنا أريـك بـأعمالي إيماني» (يع2: 18). وهنا فإن حتمية الأعمال مقطوع بها ، لأن أي تراج بعد الحصول على حالة رفع الـديـنـونة والدخول في حالة البر بالفداء يؤدي إلى ضياع هذا الربح الخلاصي ، كقول بولس الرسول الذي دخل حالة البر بالإيمان والذي بعد أن نال كل نعم الله قال : « أقمع جسدي وأستعبده حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضاً » » (1کو9: 27): هنا العمل النسكي حارس للخلاص فهو حتمي.

5:8 «فإن الذين هم حسب الجسد فيما للجسد يهتمون، ولكن الذين حسب الروح فيما للروح » .

هنا أيضاً المقارنة ليست أخلاقية ، بل لاهوتية متجذرة في حالة إنسان في الناموس وحالة إنسان في المسيح . فالذين في الناموس أو على مستوى الذين في الناموس يهتمون بما يخص الجسد والذات ، والـذيـن في المسـيـح يـهـتـمـون بما يخص الروح القدس! أولئك يكونون تحت ناموس الخطية والموت التزاماً ، وهذا سيقوله ق. بولس بعد ذلك بصراحة : «لأن اهتمام الجسد هو موت وهو عداوة الله » . والآخرون يكونون تحت ناموس روح الحياة في المسيح للحياة والسلام. وباختصار كل الاختصار: أولئك يعايشون الخطية وهؤلاء يعيشون القداسة في الروح القدس .

ولـكـن لـيـنـتـبـه القارىء أن الـقـداسـة وكل ما هو حسب الروح القدس لا تؤتى ولا تتأتى بالاجـتـهـاد الـبـشري مهما كان ولا حتى إلى تقطيع الجسد، ولكنها حصيلة نعمة ، هي ثمرة وجود الروح القدس، إنها عمل الرب يسوع السري بحضوره داخل القلب . فالإنسان في المسيح وفي الروح الـقـدس يسلك بالروح لأن الروح يقود ويشير ويدبر، وكل ما على الإنسان هو الطاعة ، أي طاعة الـوصـيـة، والوصية تكمل ذاتها : طاعة إيحاء الروح القدس، والروح القدس يعطي القوة على العمل وعلى النصرة . الإنسان يجحد ذاته من أجل المسيح ، والمسيح يعطي له ذاته . الإنسان لا يترك للجسد أية حرية زائدة ، لكي يعطي الروح القدس قوة وقدرة التحرر من الجسد وحق القيادة والتدبير.

هم الإنسان المسيحي الوحيد أن يرضي الروح القدس، ولا يحزنه ولا يطفئه ، والروح يتولى قـيـادة الحياة والسلوك . بدون المسيح لا يستطيع إنسان أن يعمل شيئاً ، وبدون الروح القدس تكون أعماله كلها باطلة. لأن أعمال الجسد تنتهي عند الجسد، ولكن أعمال الروح تقود الجسد ليحيا حياة الروح أو بالروح .

‏8: 6 «لأن اهتمام الجسد هو موت، ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام» .

ق. بولس هنا يعزي العالم والإنسان من أعظم خداع يلفه ويغطيه من كل جانب ، لأن إنسان الـعـالـم لا يرى أي شيء يستحق الاهتمام والسعي والجري والتعب والاجتهاد إلا الجسد، حياته الخاصة، منعته الخاصة، رأس ماله الذي يوفر له رغد العيش ومتعة الجسد، مركزه الأدبي الذي يعتمد عليه في الترقي والحصول على مركز أقوى وأغنى، قوته الجسدية والشخصية التي تجعله يتبوأ الرئاسة والسيادة. وهكذا فالجسد عند إنسان العالم هو محور اهتمام الإنسان الذي يعطيه كل ما يملك من تفكير وتدبير و بذل واهتمام . وهنا يدخل ق. بولس هذه الآية ليقول إن اهتمام الجسد هو موت. لأن كـل مـا يخـتـص بالجسد في العالم ليس هو الأصل الذي عليه خلق الإنسان. لأن الجسد بكل اهتماماته خداع، صورة كاذبة أو قناع، إذا استطاع أن يخلعه والإنسان حتماً سيخلعه يوماً، فإنه يرى في داخله الله ، يرى الروح الخالق، الغاية والنهاية التي من أجلها خلق، وعلى صورته خُلق، وما الجسد إلا طبعة مشوهة لأصل جليل القدر والقدرة هو الله بعظمته الفائقة . والإنسان مربوط بالأصل الذي انحدر منه ، ومهما بعد وتباعد فبينهما وعد وعهد. والجسد زائل ، فهو الصورة المتغيرة والزائلة للأصل الذي لا يتغير ولا يزول داخله . وكل اهتمام بالمتغير الزائل يزول ويفنى وهذا هو الموت ! لذلك يقول ق. بولس بمنتهى الاختصار إن اهتمام الجسد هو موت ! … و واضح أنه إن كان الجسد هو الشيء الوحيد فينا الذي سيموت ، فكل اهتمام به هو بالنهاية موت .

أما الروح، فهو الروح القدس الإله الأزلي ، الذي هو أصل الحياة ومقيمها ، فكل اهتماماته هي للحياة. والروح يهتم بنا لأننا أولاد الله ، والحياة التي يسكبها فينا ، هي ومنه . لذلك حيثما نسلم أنفسنا له ، لا تعود هموم الجسد تطغى ولا هموم الحياة، وهذا هو السلام . لأننا لن نذوق السلام، إلا إذا انـحـصـرت اهـتـمـامـاتـنا مع الروح القدس فيما الله بعيداً عن جذب العالم ومشاغبات الجسد . حينئذ يتولى الروح القدس انتشالنا كل مرة من ورطات الجسد والزمن ويلقينا في أحضان السلام الأبوي الذي منحه لنا المسيح بالروح إزاء بغضة العالم وضيقاته . فسلام الروح هو المعادل لضيق الـزمـان الحاضر وأتـعـابـه والجـسـد بـأمـراضه وأوجاعه . فإذا غاب الروح ، غاب السلام الذي يفوق العقل . وإذا سقطنا في هموم العالم والجسد، أحاط بنا الحزن وهم الموت .

‏8: 7 «لأن اهتمام الجسد هو عداوة لله، إذ ليس هو خاضعاً لناموس الله لأنه أيضاً لا يستطيع » .

ليس الجسد عدوا الله ولا الله عدواً للجسد، فالله خلقه وبعد أن خلقه وجده حسناً جداً. ولكن الـعـدو الحـقـيـقـي الله هو العالم مع رئيسه ـ لأنه كذاب وأبو كل كذاب وقتال للناس منذ البدء وليس فيه حق ( انظر يو8: 44). فالجسد إذا انحاز للعالم صار عدوا الله بالتبعية، لأنه يصير أداة في يـد الـشـيـطـان يهين به خليقة الله، ويهين اسمه الذي فيه ، ويهين وصايا الله عندما يغويه بالتعدي عليها، ويهين محبـتـه عـنـدما يلقي في قلبه الخوف والبغضة الله . وهكذا حينما يغرق الإنسان في اهتمامات الجسد والعالم ، يعيش في عداوة ضد الله ـ دون أن يدري ـ يفرضها عليه تورطه ضد وصاياه .

وكما شرح ق. بولس في الأصحاح السابع، فإنه عبثاً يستطيع الإنسان وهو تحت سلطان الخطية أن يخضع لـنـامـوس الله أو يـتـوافق بالسلوك مع صلاحه ه أو يتمشى مع إرادته . فالجسد بدون الروح القدس والمسيح عسير عليه ، بل مستحيل، أن يخضع الله ولا لوصاياه .

«لا يستطيع » :

كلمة عنيفة يحيطها اليأس، فالجسد لا يخضع لناموس الله، ليس لاختلاف الطبيعة وحسب بل ومن شدة المناقضة، لأن الجسد استقبل الخطية التي احتلت أعضاءه. فأين الخطية أمام قداسة الله ، الذي لملائكته ينسب حماقة والسماء غير طاهرة في عينيه ؟

لذلك أصبح الميلاد الثاني، أو الخلقة الجديدة الروحية وبالروح للإنسان، ضرورة محتمة ليختفي جسد الخطية من أمام وجه الله ، ويتراءى الإنسان الجديد بالروح المخلوق بحسب الله في البر والقداسة (أف4: 24)، وعلى صورته (کو3: 10).

لهذا علمنا أن كل من اعتمد للمسيح لبس المسيح (غل3: 27)، لا شكلاً فقط بل وموضوعاً أيضاً، وحتى الـروح يـسـكـن في الجسد الجـديـد ويجعله كهيكل الله (1كو16:3)، لأنه يتهيأ لاستقبال المسيح والآب : « إليه نأتي وعنده نصنع منزلاً . » (يو14: 23)
كل هذا يجعلنا ننتبه أن لا يرتد أحد للجسد حتى لا يقع في عداوة الله .

ولـكـن لـيـلاحـظ القارىء أن عين ق. بولس لا تزال على المقارنة بين إنسان الناموس العائش باهتمام الجسد، وبين الإنسان في المسيح العائش على اهتمام الروح وعنايته .

8:8 «فالذين هُم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله » .

«لا يستطيعون » : 

إن كان الجسد لا يستطيع أن يخضع الله فهو حتماً لا يستطيع أن يرضي الله ! فالذين يعيشون في الجسد أو بالحري الذين جعلوا حياتهم للجسد يسترضون كل رغباته، فكيف يرضون الله ؟ وإن كان مجرد الاهتمام بالجسد يحسب عداوة الله ، فالذين جعلوا حياتهم وقفاً على الجسد كيف يترضون وجه الله ؟ إما إرضاء الجسد أو إرضاء الله ولا خلط بينهما قط .

وطبعاً المقصود هنا من قول ق. بولس عن الذين: «هم في الجسد»، الذين هم ليسوا في الروح ولا في المسيح. لأنه يستحيل أن يكون إنسان في المسيح وفي الروح القدس ويعيش حسب الجسد أي بحسب أهـوائـه وشـهـواتـه، والخضوع المستمرىء لإلحاحات الخطية العاملة في أعـضـائه دون ندم أو توبة. فحينما يقول ق. بولس « الذين هم في الجسد» يعني الذين ليسوا في الروح ولا في المسيح. وبدون المسيح ترضي الله ؟ و بدون الروح القدس كيف نسترضيه .

علماً بأن كل أعمال الجسد غير المعمولة بالروح وغير المقدمة بالروح لا قيمة لها لدى الله مهما زاد وزنها المادي، ومهما ظهرت في أعين العالم والناس أنها أعمال خيرية عظمى! «بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً . » (يو15: 5 )

ولـيـلاحـظ القارىء أن ق. بولس إنما يطرح مبدأ ” لاهوتياً لا يرتبط بزمان ولا بإنسان بل بكل الكيان، فهو كأنما يضع المسيح والروح القدس ومعه إنسان الطاعة والخضوع ، في مقابل إله هذا الدهر ومعه العالم والجسد والإنسان الذي فتح ذاته على خداعه واستجاب ! إنها ليست معركة الآن؛ بل معركة النهاية حيث يستعلن إنسان الجسد ابن العالم والموت إزاء إنسان المسيح ابن الله والحياة والخلود . لذلك نسمع النبرات القوية الخطيرة الكاسحة : لا يستطيع، لا يستطيع، اهتمام الجسد للموت ، اهتمام الجسد عداوة الله، ليست هذه لغة من يوجه تعليماً أخلاقياً؛ بل هو يقرر حـقـائـق أزلـيـة ستحكم كل إنسان وكل العالم ! فإما الجسد والعالم والخطية، وإما الروح والمسيح والقداسة ، ولا اختلاط قط .

هنا يلزمنا جداً أن ننتبه من قول ق. بولس مرة : «بحسب الجسد»، ومرة : «في الجسد »؛ ومـقـابـلها: «بحسب الروح » و : « في الروح». إن المسألة مسألة قوانين صلبة قاهرة لها سلطة خفية للإخضاع والسيطرة، لذلك يعبر عنها ق. بولس كثيراً بالناموس أي قانون الخطية ، وقانون الله، فهي مسألة أحكام وتحكم وارتباط عسير خلخلته !! فلا يشتهن الإنسان أبدأ بمداعبة الخطية ، فالخطية شرسة، سلاح مرعب قتال ، والجسد قابل للإلتهاب ، والخطية كالنار إذا سكنت فيه لا تتركه إلا هشيماً. ولكن الرعبة لا ننظرها هنا فقط والإنسان أمامنا كومة حطام، مهما ادعى القوة والإرادة فهو مسلوب من كل ما يجعله إنساناً أمام الله ، ولكن الرعبة الحقيقية في الدهر الآتي حينما يستعلن الإنسان أنه فعلا عدو الله ومقره في صفوف الأعداء!! حيث الغضب !!

‏8: 9 « وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح إن كان روح الله ساكناً فيكم. ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له » .

هنا يرسي ق. بولس معنى «في الجسد» و «في الروح » ، فحينما يخاطب مسيحيي روما بأنهم لـيـسـوا في الجسـد بـل في الروح ، فهنا يقطع بولس الرسول أن الذين في المسيح هم في الروح كأمر واقعي. وهذا أيضاً حتمي، لأن كل من آمن واعتمد يحل فيه الروح القدس ، لأن الروح القدس هو الذي يهب الحياة الجديدة للمؤمن، أو بلده من جديد : «المولود من الروح هو روح » (يو3: 6)، وحتى نطق الإيمان باسم المسيح لا يستطيعه الإنسان المعتمد إلا بالروح لأنه : « ليس أحد يقدر أن يـقـول يـسـوع رب إلا بالروح القدس» (1کو3:12). لذلك، فالإنسان المسيحي هو إنسان يعيش ويشهد ويعمل بالروح القدس أو روح الله .

وعليه، فإن كان روح الله ساكناً في إنسان، فهذا الإنسان هو في المسيح. والعكس صحيح أي إن كان في المسيح ، فروح الله ساكن فيه .

و بالعودة مرة أخرى للمقابلة بين «في الجسد» و «في الروح » ، يتبين لنا هنا في هذه الآية أن ق. بولس يـنـفـي عـن مسيحيي روما أن يكونوا عائشين في الجسد أو حسب الجسد، هم مسيحيون لأن الروح القدس فيهم بالضرورة . والسؤال الآن : فماذا لو كان إنسان مسيحي وليس له الروح الـقـدس ؟ والجواب يعطيه ق. بولس باختصار: «فذلك ليس له » ، بمعنى أن هذا الإنسان لا يكون من الحـظـيـرة أي لا يحسب للمسيح. وهنا تبرز الأسئلة متلاحقة : وأين معموديته ؟ وأين إيمانه واعـتـرافـه ؟ وإلى أين يسير وعلى من يحسب ؟ كل هذه تتجمد في مكانها ! فالأعمال اللاهوتية التي عملها المسيح مرة وصارت واقعاً إلهياً أبدياً شاملاً كالفداء والغفران والمصالحة والتبني، هذه الأمور التي صارت كلها من حق كل إنسان يؤمن بالمسيح ويؤمن بها ، تحتاج إلى شهادة من الإنسان على مـسـتـوى الـتـاريـخ والـزمـن قـولاً وعملاً: «الروح القدس يشهد لي وتشهدون أنتم أيضاً » (يو15: 26و27). وهكذا فالإنسان الذي لا يشهد بالروح للمسيح للفداء الذي أكمله له، هو كمن ينكر المسيح . غياب الروح القدس معناه غياب المسيح . وغياب المسيح حضور للعالم والجسد .

هنا نرجو أن لا يـرتـبـك الإنسان، فالذي يخطىء ويتوب لا يُحسب قط أنه يعيش في الجسد أو حسب الجسد! لأن الإنسان الذي يعيش في الجسد أو حسب الجسد يخطىء ولا يـتـوب ؛ ولا ينوي أن يتوب بل ولا يشعر بتأنيب الضمير أو يكترث بتحذيرات الله. هو إنسان أعطى نفسه للجسد والعالم واعتبر أنه ليس للمسيح عن قناعة ! ذلك قد أعمى الشيطان عينيه وصم أذنيه ، هذا هو إنسان الجسد . 

أما إنسان المسيح الذي يعيش بالروح القدس، فهو متمسك بالمسيح، ومهما أخطأ وزل فله رجاء حي لا ينطفىء يعطيه إياه الروح القدس، بانتظار التوبة التي يجاهد من أجلها ولا يمل: «إن قلنا إنه ليس لنا خطية نُضل أنفسنا وليس الحق فينا. إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم … يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار، وهو كفارة لخطايانا ، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً.» (1يو1: 8 و9؛ 21:2)

المسيح لا يحتقر الضعفاء ولا الخطاة لأنه مات من أجلهم . إنه أشد حناناً وعطفاً على المجربين وضعاف الأجساد والنفوس الذين يخطئون ويطلبون الرحمة . إنه سوف يستعلن لنا يوماً ما كيف أن جماعة المـخـتـاريـن الـذيـن يلتفون حول المسيح و يسيرون معه في مسيرته المنتصرة أينما سار، منهم الـتـائـبـون والذين أخذوا وهم وقوف على باب رحمة الله يقرعون، والذين بصراخ شديد ودموع أمضوا الحـيـاة يترجون، والذين بللوا الأرض بدموعهم وعفروا بالتراب جبينهم يتوسلون، وأخذت أرواحهم وأيـديـهـم مرفوعة نحو السماء يصلون، وكلهم ظنوا أنهم ما بلغوا وهم بالغون، وما حصلوا توبة وهم حاصلون ، وما أرضوا الله وهم مرضيون، وما اقتربوا من الطهارة وهم أطهار قديسون !!

 

10:8 « وإن كان المسيح فـيـكـم فـالجسد ميت بسبب الخطية، وأما الروح فحياة بسبب البر» .

[عند إصعاد الذبيحة على المذبح تضمحل الخطية من أعضائنا بنعمتك.]
(قسمة «يا حمل الله » ـ الخولاجي المقدس ).

وضع جديد و بديع للغاية، هنا لسنا نحن في المسيح ؛ بل المسيح فينا، هنا ينخفض افتخار الإنسان فهو ليس يملك الروح ولا المسيح . المسيح هو الذي امتلكه، فلم يعد مجال للذات وملكيتها . الذات هنا أفرغت من ذاتها ليملأها المسيح : « فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في» (غل20:2). هذا هو اقتحام الله للإنسان ليملأه ليس بنعمته و بره فقط ؛ بل وبنفسه أيضاً. هذا هو عجب الله ؛ بل هو سر حبه، لم يطق، ولم يصبر علينا ، حتى نتأهل لحضوره ، ولكنه عجل بسخاء رحمته واقتحم ضعفنا حتى لا نعود نبكي ونشتكي أن الخطية اقتحمتنا وأننا ظلمنا تحت عبوديتها . وهوذا السيد القدوس ، مجاناً يقتحمنا لينزع منا كل ضعف ويطارد كل ميل خاطىء. الرب يملأ الفكر والقلب والمشاعر والأحاسيس، وتحت رجليه تهدأ الغرائز كالوحوش يستأنسها كما في آدم الأول. الكل يخضع له بانسجام، أليس هو الخالق والجسد له بالأصل مع الروح وكل ما في باطني ؟ أين الخطية الـتـي فـي؟ ذابت بنعمته، الجسد اتقد كما بنار لما أحس بحضوره . احترقت الخطية في الأعضاء وحتى آثارها انمحت . الخطية صارت غريبة على الجسد بعد أن كان لها مأوى ومرقداً، الخطية تنادي والجسد لا يجيب ، الخطية تلاطم والأعضاء لا تستجيب . الخطية تستعرض محاسنها والعين تزدري وتحـتـقـر! مبصرون مباهج الدنيا ولا يبصرون، وسامعون لمديح العالم ولا يسمعون، فالمسيح حل في القلب فكف الجسد عن خدمة الموت !! 

«أما الروح فحياة بسبب البر» :

الروح هنا هو الإنسان الجديد القائم مع المسيح من الأموات ، مولود الله الجديد إنسان الحياة الأبدية. فإن كان الرب يسوع بعد القيامة سُمي «بالرب من السماء » (1 کو15: 47)، و «آدم الأخير» (1کو15: 45)، و «روحاً محيياً» (1کو15: 45)؛ كذلك الذين له أقامهم معه ليعيشوا الله ولا يملك عليهم الموت بعد . فعندما مات جسد الخطية مع المسيح على الصليب : «عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطية » (رو6 :6). حينئذ قام الميت مع المسيح جديداً نصار هو إنسان الروح الجديد المولود من الروح : « المولود من الروح هو روح » (يو3: 6)، لأن بقيامة المسيح من الأموات ولدنا الله ثانية لنفسه : «حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء حي بقيامة يسوع المسيح من الأموات . » (1بط3:1).

 المسيح قام بجسد روحاني كبكر من بين الأموات ، فتعين ابن الله، وفيه نحن أخذنا ميلادنا الجـديـد كـإخـوة له، كنيسة أبكار، أعضاء فيه، وتعينا معه أولاداً بالتبني. فالقيامة من الأموات حددت وكشفت وعينت المسيح أنه ابن الله ، وفي جسده الجديد الروحاني المقام، جسد ابن الله الذي هو جسد البشرية وجسد كل بشر ـ إنساننا الباطن ـ دفنا القيامة من الأموات وأخذنا روح الحياة الجديدة . لقد ولدنا ثانية بقيامة المسيح من الأموات وصرنا خليقة جديدة فيه وله ، لا تنفصل عنه. فروح الذي أقام المسيح أي روح القيامة هو فينا وهو الذي يوحدنا به. لقد قمنا معه لما قام ، فلن تـنـفـصـل حياتنا عن حياته . فبعد أن قام لن يموت ، وكذلك لن يسود الموت علينا، لأننا نحيا بحياته : « المسيح يحيا في» (غل2: 20)، «لأني أنا فأنتم ستحيون » (يو14: 19) قالها قبل أن يموت ، فتمت لنا بعد أن قام. «لأننا إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته» (رو6: 5 )، فنحن نحيا بالروح في الإنسان الباطن قيامة المسيح. 

هذه الحياة الجديدة، هذه الخلقة الجديدة، هذا التبني، هو إنساننا الجديد بالروح في الباطن . أما جسد الخطية الذي تم فيه حكم الموت على الصليب مع المسيح الذي نعيش به الآن في هذا الزمـان بـانـتـظـار الموت ، فنحن فيه وفي رجاء، ومن وسط الشقاء ننتظر له الفداء ليكمل فيه الـتـبـنـي في يـوم الـفـداء. فجسد الخطية فينا ميت ومحسوب أنه ميت بسبب الخطية التي أماتها فيه المسيح ، أما الروح فحياة في قيامة الحياة ببر الله التي نعيشها الآن بملء الرجاء !!

وإن كان الجسد قد صار ميتاً للخطية لأن المسيح أماتها فيه، فالإنسان الجديد بالروح المولود من الـروح بـقيامة المسيح من الأموات هو حي بسبب بر الله الذي اندفق في أعماق كياننا الجديد، بعد أن يرأنا المسيح على الصليب وهيأنا لقبول بر الله ونعمته وروحه القدوس!

وهنا يضع ق. بولس المقارنة واضحة مختصرة : الجسد والخطية والموت والزمان ، في مقابل الروح والـبـر والحـيـاة والخلود . والأربعة العناصر الأولى لا يمكن جمعها بأي – عنصر من الأربعة العناصر الثانية . الأربعة الأولى من خواص إنسان الخطية والعالم، والأربعة الثانية من خواص إنسان المسيح والملكوت .

على القارىء أن يذكر دائماً أن هدف بولس الرسول هو السعي الدؤوب لاستعلان بر الله : كيف حققه الله للإنسـان بـواسـطة المسيح، والصعوبات الكبيرة التي اكتسحها الله من طريق الإنسان ليمنحه بره الخاص ليحيا به أمامه، ولكن عن قضاء عدل أولا ثم رحمة، حتى لا يجمع الله بره على خـطـيـة بأي حال من الأحوال؛ كما طرد الله آدم من الفردوس لئلا يمد يده ويأكل من شجرة الحياة ويحيا إلى الأبد بعد أن أخطأ فتكون الطامة الكبرى أن يحيا الإنسان إلى الأبد في خطيته ، فلهذا طرده بعيداً إلى أن يكرهها فيرفعها عنه .

هكذا بعد أن حقق الله للإنسان على الأرض شجرة الحياة نفسها ، سمح له أن يأكل منها بعد أن غسله وقـدسـه و بـرره بـدم ابنه و بروحه الإلهي، فأكل الإنسان وانفتحت عيناه على الله بالحق ليحيا إلى الأبد في بر الله ومعه من جديد. ولكن لا يزال الحذر قائماً، حتى لا يجمع الإنسان بين الأكل من شجرة الحياة (المسيح)، وبين الخطية التي هي ثمرة العصيان .

11:8 « وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكناً فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائتة أيضاً بروحه الساكن فيكم » .

تضاربـت أقـوال الـشـراح فيما يخص قيامتنا من الأموات بروح الله ، هل هي قيامة من موت الخطية أو من القبور؟ ولكن لماذا التضارب والصوت الذي يقيم من هذا هو هو الذي سيقيم من ذاك ؟ والـمـقـام واحـد إن قام الآن فسيقوم في الآخرة، وإن لم يقم الآن فلن يقوم إلى الأبد. لماذا الـتـضـارب والحقيقة لا يختلف فيها اثنان قط ؟ والحقيقة أن الروح الساكن فينا هو روح القيامة ، فنحن الآن قائمون لحساب الآخرة والأبدية والخلود نعيشها بملء فرحها بالرجاء و بالإيمان. إن الروح الـسـاكـن فـينا هو عربون ميراثنا ليوم الفداء الكلي ، نبدأه هنا لنكمله حتماً هناك . والذي لا يبدأه هنا من أين يحصل عليه هناك والدم مسفوك أصلاً على الأرض لتمسح به هنا لكي نظهر فيه هناك أطهاراً برسم القدوس الذي اشترانا ؟ 

+ «الحق الحق أقول لكم إنه تأتي ساعة ” وهي الآن”، حين يسمع الأموات (بالذنوب) صوت ابن الله والسامعون يحيون . » (يو5: 25) « تـأتـي سـاعـة فـيـها يسمع جميع الذين في القبور صوته فيخرج الذين فعلوا الصالحات… ويخرج الذين فعلوا السيئات . » (يو5: 28و29)

فـالـصـوت هـو الـصـوت والـقـيـامـة هـي الـقـيـامة ، هذه الآن بالروح ، وتلك في النهاية بالجسد الروحاني .

الجديد على مسامعنا الآن أن روح الله الساكن فينا هو روح القيامة ، هو الروح الذي أقام يسوع المسيح من الأموات ، فنحن به قائمون من موت ، وهو فينا يسكب الحياة الجديدة حياة المسيح التي يحياها الله، ويختم على موت الجسد . فبقدر ما نموت نحيا ، ونحيا بالروح على قدر ما نموت بالجسد إلى أن نخلعه كلية لنستلمه جديداً بالروح . وقوة الروح بقدر ما نميت بها أعضاءنا على الأرض نـسـتـمـد منها حياة لنا وسيرة في السموات . والروح القدس يبوق في آذاننا كل صباح : “ها أنا قد وضعت أمامك الموت والحياة ، فاختر الحياة لتحيا ( أنظر تث 30: 19)، وأنا معك .

والموت الذي كان لنا مصدر خوف ورعبة نستعيره ـ بالروح الساكن فينا، برغبة منا وإرادة ـ لثميت به حركات الجسد، ونصد جحافل الظلمة والخطية . كان الموت وحده يعيث في أجسادنا الفساد، والآن جاء الروح القدس روح القيامة ليحول الموت فينا إلى حياة، ويبث في الجسد قوة الـقـيـامـة يـوماً بعد يوم. وحتى بعد أن ينطرح الجسد في القبر، لا يكون للموت فيه مكان، فيصير باستعداد التغيير في اليوم الأخير لقبول الجسد الجديد بشبه جسد مجد المسيح . فنحن نحيا الآن بالروح مع المسيح عـربـون حياة الأبد، ونعيش الآن بالروح قيامتنا مع المسيح كعربون القيامة العتيدة . نعيشها من واقع إيماننا و بالرجاء الممتد باستعداد وانتظار شركة المجد .

« بروحه الساكن فيكم » :

ما أعجب هذا القول ! فإن كان روح الله ساكنا فينا فنحن مع الله بصلة، وما أقواها وما أجلها وأعـزهـا صـلـة فهو ” روحه“ !! نحن مع الله نعيش ؛ بل نحن في الله نعيش إن كان روحه يسكن فينا، فنحن نحيا مع الله فعلاً بل نحيا بالله أيضاً. إذا حياتنا ليست لنا بل للذي مات من أجلنا وقـام ، بل لسنا نحن نحيا بعد بل الله والمسيح يحيا فينا. لقد صدق ق. بولس حينما قال : «إنكم هیکل الله وروح الله يسكن فيكم» (1كو16:3)، بل ليتها تقرأ إنكم هيكل الله لأن روح الله ساكن فيكم . فإن كنا هيكله ، فنحن قيام فيه عابدين ولسنا بعد عنه غرباء ونزلا بل رعية بالفعل مع القديسين وأهل بيت الله (أف2: 19)!

إذا أيضاً لا نحسب أنفسنا أولاداً لله اختطافاً ؛ بل الروح نفسه يشهد لأرواحنا ويوثق ويسلمنا وثيقة التبني وخشم الميراث ! إذا أيضاً ليس افتخارنا بالله ظنونا ؛ بل من واقع وجوده ومن إحساس حضرته نسبح ونجـد ونفتخر ونعظم ! وإن كان روح الله ساكنا فينا فكيف لا نكون مدعوين للحياة الأبدية وفي نور القيامة نعيش ؛ بل كيف نبقى في الموت أو كيف لا يقوم الجسد ؟

 

[8: 12- 17 ] الارتقاء بالإنسان للحياة بالروح هو الدخول في بنوية الله !

 

12:8 «فإذاً أيها الإخوة نحن مديونون ليس للجسد لنعيش حسب الجسد» .

نعم هذا حق فإن كنا قد بلغنا هذا المستوى أن يكون روح الله نفسه ساكنا فينا كمصدر حياة جـديـدة أبـديـة، كينبوع قوة تجديد وعطاء وتعضيد ، كشهادة ناطقة دائمة في أرواحنا لأرواحنا أننا أولاد الله وأبناء للـمـبـراث السماوي، كأحياء من الأموات وحياتنا قائمة في المسيح لحساب الله ، كقوة مـذخـرة نـواجـه بـها كل قوات الظلمة وأعمال الخطية ، فلماذا نعيش وكأننا مديونون للجسد بشيء؟ وكأن الجسد صاحب حق علينا في أي شيء؟ إن كان قد أعطي لنا بتوثيق الروح القدس أن يكون لنا نصيب أبناء الله في المجد، فماذا بقي للجسد حتى يستخدمنا لمطالبه ومطالبه كلها من الأرض وللأرض ومآلها للزوال ؟ ماذا أعطانا الجسد أو ماذا سيعطينا حتى نكافئه بالاهتمام الزائد هكذا ونترك مواريثنا الباقية لنا في السموات لنسترضيه من أجل أمور سيأكلها الزمن قبل أن يمحوها الفناء !؟

والآن وبعد أن وهب الله لنا روحه ليسكن فينا ويدشن هياكلنا الداخلية لحسابه ، كيف تربط مستقبلنا على ذمة الجسد، والجسد مستقبله هو العجز والمرض والكلل والشلل وفقدان الذاكرة والوعي ثم تراب القبر ؟

 الـيـسـت تـكـون هي بعينها مأساة جديدة للإنسان أن يترك غناه بالله في الداخل ويخرج ليفني بقية عمره في خدمة جسد من ورائه ولا أمامه إلا الموت ؟

 

13:8 «لأنه إن عشتُم حسب الجسد فستموتون. ولكن إن كنتم بالروح تُميتون أعمال الجسد فستحيون» .

« حسب الجسد» هنا لا تشمل الوضع الأخلاقي بل الوضع اللاهوتي . فالذي يقصده ق . بولس هنا هو ليس حضور الجسد كغاية ونهاية لسعي الإنسان اليومي وعلى مدى عمره وحسب ، الذي يقصده هو غياب المسيح وحضور الخطية ! فالجسد كما عودنا بولس الرسول هو الضد للروح ، ، ولكن هو المقاوم والعدو الله .

 إذا المسألة ليست في الأعمال الجسدية الطبيعية اللازمة للحياة ولقمة العيش ؛ بل الأعمال الـشـيـطـانية التي من وحي الخطية لإفساد الحياة وجلب اللعنة والموت من جديد، والعودة إلى إنسان آدم. والموت الذي يقصـده ق. بولس هنا هو الموت الأبدي والأدبي بكل معناه وليس الجسدي بطبيعة الحال : «فأي ثمر كان لكم حينئذ من الأمور التي تستحون بها الآن، لأن نهاية تلك الأمور هي الموت … أجرة الخطية هي موت ! » (رو6: 21و22)

« ولكن إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون » :

هنا يفتح ق. بولس ملف النسك الروحي المسيحي على أعلى وأجمل مستواه وأوسع أبوابه وأصح قواعده . فالمسيحي الحامل للروح القدس مدعو للنسك الجسدي ، ولكن ليس من مدخل جسدي ولا اعـتـمـاداً على الجسد، لأنه يكون منطقاً مقلوباً أن تخضع الجسد بالجسديات . فرق كبير وخطير بين أن نبدأ نقمع الجسد بالعزيمة والإرادة الجسدية ونضبط شهواته بالصوم والسهر وكل الوسائل المعروفة ، وبين أن نـبـدأ بـالـروح الـقـدس واعتماداً عليه ودعوته للقيادة بالصلاة والا تضاع وتقديم واجبات المحبة والعبادة بالروح الله فينفتح لنا باب الصوم والنسك والبذل من مدخل روحي ؛ بقيادة الروح . هذه هي إماتة الجسد بالروح . 

فالإنسان المسيحي يستحيل أن يقوى على صوم يكون ذا فاعلية ويكون مقبولاً لدى الله ، إن لم يشبع الروح أولاً من الوجود في حضرة الله ويرهن الجسد أولاً وقوفاً في الصلاة حتى يقدر أن يمسكه عن الأكل. فالشبع الروحي وحده هو الذي يولد القدرة على الجوع الجسدي ليكون كذبيحة. هذه هي إماتة الجسد بالروح .

والإنسان المسيحي لا يستطيع أن يخضع الجسد بالتواضع والطاعة والانسحاق المقبول لدى الله مـن مـدخـل إرادي أو بالتلقين أو التعليم، إذ يلزم أولاً التسليم الكلي للروح القدس ، حيث يتحتم أولاً إخضاع الذات الله بالروح حتى يملك الروح في الإنسان عوض الذات ويملي الروح إرادته على الجسد مـن مـدخـل الله السري ، وحينئذ تكون الاستجابة حارة قوية سريعة وكاملة وأكثر من طاقة الجسد !! هذه هي إماتة الجسد بالروح !! 

 والإنسان المسيحي لا يستطيع أن يحب قريبه وبالتالي يستحيل أن يقوى على حب عدوه باصطناع الإرادة والتصميم والعزم الجسدي ، فالفشل أقرب إليه من النجاح مائة مرة، إذ يلزمه أولاً يحب الله من كل القلب والفكر والنفس والقدرة، حتى لا يتبقى من الحب شيء للذات ، تطلبه لنتلهى به وتتعظم . وفي الحال يسري القانون : « الذي يحبني يحبه أبي وأنا أحبه» (يو21:14). وهنا لا يعود المسيحي يحب الآخرين من حبه ولا من ذاته ، بل من حب الله المتدفق فيه مجانا يوزع ويبذر على الـذي يـسـتـحـق الحب والذي لا يستحق، للصديق كما العدو، فهو يأخذ مما ليس له ويبدد ، وكـلـمـا بـدد يـزداد له العطاء ويزداد حب الله له فيزداد حبه لله وكل الناس وأكثرهم الأعداء. هذه هي إماتة الجسد بالروح .

المسيحي صعب عليه البذل من فضلاته، ويستحيل أن يعطي من أعوازه إذا كان من الجسد يأخذ ويعطي، فالجسد أحق دائماً من الآخرين. إذا يلزمه أولا أن يسلم الجسد والحياة بكل ما لها وعليها الله بمستقبلها وآمالها وأمانيها . حينئذ يملك الروح القدس على الحياة برئتها ويفكها من عقال الأرض وربط العالم والذات، ويـعـود الـروح الـقـدس ويسلم الحياة والجسد وكل ما له وعليه للإنسان كوديعة الله ، يتصرف فيها ويصرف منها . وودائع الله تزداد بالعطاء وتتكاثر بالبذل وتحيا بالإمـاتـة. مـن هـنـا ينصح ق. بولس كخبير: «المعطي فبسخاء » (رو8:12)، لأنه كلما بدد كلما ازداد رأس المال . وينصح المسيح : «من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده» (مت5: 42)، لأن ماله هو مال الله وما الله لن يفرغ ولو فرغت البحار والأنهار!

والـعـبـرة ليست بالكلام ، فكل من ذاق أدرك الحقيقة وهتف بالمجد وصفق بيديه !! هذه هي إماتة الجسد بالروح .

« فستحيون » :

هذه حتمية إلهية وهذا وعد مغلظ ، «لأن من يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فساداً ومن يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة أبدية . » (غل6: 8)

ولـكـن الـوعـد بـالحـيـاة هنا ليس مستقبلاً كما جاء الفعل في المستقبل بل هو تركيز للتأكيد ، بمعنى مهما أمثم من الجسد فستحيون ، نعم ستحيون ! … فالحياة هنا مستمدة ليس من إماتة الجسد بل من الروح الذي يخضع له الجسد، من بر الله الذي انسكب بالإيمان على الذين أحبوا الله .

فالإماتة هنا هي على رجاء الحياة أو القيامة ، هي برهان قوة الله التي حلت بالإيمان.

فالإنسان المسيحي الذي مات مع المسيح وقام ـ أي نال البر بالفداء ـ صار الموت عنده صناعة وتجارة يدخل فيه بإرادته ـ و بروحه ـ ضامناً القيامة والحياة ، لأن في كل إماتة يموتها توجد قيامة؛ لأن المسيحي الذي مات مع المسيح مرة، يموت كل يوم، ولكن لا يسود عليه الموت بل من الموت يستخلص حياة.

والحياة التي نحياها الآن هي بعينها الحياة الأبدية الأخروية ولكن بالإيمان في عربون ! والحياة الأبدية لا يسود عليها الموت بل إذا مسّها الموت يتحول إلى حياة. 

فإن كان الروح القدس الذي أقام المسيح من الأموات ساكناً فينا، فمرحباً بكل إماتة للجسد حتى الموت . فالحياة مضمونة من عمق الموت الآن وفي المستقبل أيضاً !!

عزيزي القارىء، ليست هذه أفكارنا ولا حتى اختباراتنا الخاصة ؛ بل هي اختبارات الآباء الـقـديـسين الـذيـن أحـيـوا الإنجيل بحياتهم ومارسوا أقوال الله الصادقة وسلموها لنا فاستلمنا ودفنا وتحققنا من صدقهم وصدق الإنجيل.

وقد سبق أن أوردنا في شرح الآية رو 17:1 (أنظر صفحة 155) أقوال القديسين أنبا أنـطـونـيـوس ( المعلم الروحي للقديس أثناسيوس الرسولي ) وأنبا مقار، التي فيها يبينان أن النسك  المعمول بالروح القدس يصير «أحلى من العسل ومن شهد العسل » .

8: 14 «لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله » .

حينما نسلم الحياة للروح القدس نسلمها له مع كل ثقتنا بإيمان أنه قادر أن يكمل فينا كل وعد الله . لأنه من يستطيع أن يعمل أعمال الله ويتمم وصاياه إلا الله ؟ إن تسليم الحياة للروح الـقـدس هو جوهر الإيمان المسيحي. لأن من ذا الذي يحرر الجسد من قيود الخطية وآثارها إلا الروح القدس ؟ فإن كنا قد أعطينا أنفسنا للروح القدس ليحررنا ، فالذي يحرر هو الذي بعد ذلك يدبر.

إن أعظم عقدة انعقدت عليها جبلتنا بعد السقوط هي الانقسام بين معرفة ر والشر، والوحيد الذي يهبنا التمييز بين الخير والشر هو الروح القدس لأنه «روح الحق » الذي أعطي أن «يرشدنا إلى جميع الحق» (يو16: 13). هنا معرفتنا للحق بالروح تقدمنا خطوة فوق التمييز بين الخير والشر، حيث الحق هو الله وكل ما يعمله ويريده الله فينا ولنا . إذاً، بمعرفة الحق بالروح القدس صرنا منفتحين على الله، وهو الحق !

فإن سلمنا بإرادتنا الحرة الواعية كل الحياة والجسد للروح القدس ليدبر حياتنا ويقودها ، فنحن منقادون بروح الله عن إرادة منا واعية ومسرة ورضى وقبول ، والروح يقودنا إلى الحق ومعرفة الحق .

 ولـكـن عـلـيـنـا أن ندرك أن قيادة الروح القدس لحياة الإنسان ليست دائماً في طريق سلامي مفروش بـالـزهـور، لأن الحرب والخصومة قائمة وأبدية بين الروح القدس والجسد ، لأن هذه الآية هي امتداد للآية السالفة : «إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد» … فالحرب لن تكف ولـن تـهـدأ بين الاثنين : « وإنما أقول اسلكوا بالروح فلا تكملوا شهوة الجسد لأن الجسد يشتهي ضد الروح (القدس) والروح ضد الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون . ولكن إذا القديم بالروح فلستم تحت الناموس ( الخطية). » (غل 5: 16-18)

إذا حينما ننقاد للروح أو حينما يقودنا الروح، فالأمر يحتاج منا إلى وقفة شريفة وأمينة وشجاعة بقوة راسخة لمناصرة الروح القدس ضد الجسد الذي هو جسدنا ـ ضد الذات . هنا ترتفع الإماتة إلى درجة العداوة للجسد والذات سافرة وعنيدة، مهما كلفتنا من ضيق واختناق ، فالمعركة معركة موت حقيقي للجسد لإخماد سلطته مع سطوة الذات. 

هنا نعود إلى الآية السالفة، لأن مضمونها يفيد أننا نحن الذين نميت الجسد بمساعدة الروح القدس ـ «إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد» ـ إذا فنحن أصحاب المعركة. صحيح أن الروح يحارب عنا، ولكن الحرب حربنا والعدو فينا بل هو الذات المختبئة وراء الجسد . فإن خضعنا لعمل الروح القدس قويت قيادته و بطل الجسد وتهيأنا لبر الله ونلنا التبني .

15:8 «إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب » .

هنا قمة هذا الأصحاح وغاية الرسالة كلها ، بل ونهاية عمل الله في المسيح يسوع لتوصيل بره للإنسان. هنا بلغ الإنسان آخر ما أراده له الله ، فبعد عبودية وغربة وإذلال وسخرة، نرجع إلى حضن الله كبنين. وتصور ق. بولس كأن الله يستقبل أبناءه الخارجين من المعمودية بالقبلة والحلة والخاتم في اليد!! « ولكن الكل من الله الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح . » ( 2کو5: 18).

حالما يعتمد الإنسان ينال عطية حلول روح الله فيخرج حاملاً شهادة ناطقة بنسبه الجديد الله كابن، بإعلان الروح القدس الذي يهتف في أفواهنا مهللاً بصراخ داعياً الله الآب يا أبا ، لأننا نكون قد ولدنا الله الحي وأخذنا روح التبني لنعيش به .

ثـم يـعـود ق . بـولـس لـينظر إلى ماضي الإنسان وهو في مأساة العبودية والخوف كل أيام حياته التي عاشها منذ أن سقط آدم واختبأ من وجه الله : «سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت» (تك 3: 10). وهكذا ظل الإنسان يسلم من جيل إلى جيل ذات الخشية والخوف وذات روح العبودية للخطية التي عزته وفضحته وجعلته يختبىء من وجه الله .

ق. بولس يقول لنا افرحوا وتهللوا واعلموا من أي روح صرتم الآن و بأي روح تعيشون ، فروح الخوف والـرعـدة من الله ولى زمـانـه والـذي فـيـكـم الآن هو روح الله للتبني، الذي يربطكم به كأبناء .

أنتم تعيشون وتتنفسون بروح البنوة. القديس بولس يقنعنا أن الروح الذي يقودنا ، هو هو الروح الذي ولدنا في المعمودية الله ، وهو هو روح التبني أي روح الابن الذي ضمّنا لحسابه لكي نشترك مع المسيح في مناداته الله يا أبا !! القديس بولس يلج حتى يوقظ وعينا، كون زمن العبودية والخوف من الخطية والموت قد عبر. نحن الآن أبناء ، أبناء الله الحي .

ق. بولس هنا ليس بصدد أخلاق وسلوك ، فهو مشغول بوضعنا من بر الله كأبناء مدللين بعد أن كنا عبيداً مرفوضين نقضي أيامنا بالخوف ، والموت يلاحقنا والخطية تستعبدنا .

16:8 « الروح نفسه أيضاً يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله » .

ليس ق. بولس هنا الذي يلح علينا أن ندرك صلتنا الجديدة بالله في المسيح يسوع وما عمله على الصليب وبالقيامة وبعد الإيمان والمعمودية ، بل هو الروح القدس الذي يشهد أننا أبناء. فالله تبئانا لنفسه، المسيح نفسه سبق وألح على تلاميذه أن يدركوا هذا : « الآب نفسه يحبكم» (يو27:16). القديس بولس ينقل لنا ما يسمعه هو من قول الروح لكي نسمع ونقتنع نحن أيضاً ونصدق .

نحن لم نصر أولاداً الله كأنه بلا ثمن . ابن الله اشترانا وفك أشرنا ودفع الثمن. فشهادة الروح هـي شـهـادة توثيق لما عمله المسيح وأكمله. فالمسيح استطاع أن يسلمنا بنوته بعمليات سرية تفوق العقل : . : إن بتجسده ، وإن بدمه الذي سقانا إياه بالسر، وإن في المعمودية التي ولدنا فيها بالكلمة ، وإن بالروح القدس الذي سـكـبـه عـلـيـنـا من عند الآب حاملاً لنا روح البنوة من الآب، وإن بالإيمان: «لأنكم جميعاً أبناء الله الحي بالإيمان بالمسيح يسوع » (غل3: 26). لذلك يقول بولس الـرسـول مـؤمناً: «ثم بما أنـكـم أبـنـاء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً يا أبا الآب » (غل6:4). قول ق. بولس أن الروح يـشـهـد لأرواحـنـا أو مع أرواحنا أننا أولاد الله (كلمة «لأرواحـنـا» تحتمل معنى «مع أرواحنا» باليونانية)، هو في الحقيقة شهادة تأتينا من واقع عبادة وصلاة بالروح القدس حيث يرفع أرواحنا إلى الله فنحسه بالحق .

« الروح يشهد » :

فـعـل قـضـائـي وعـمـل شـرعي فيه روح المهابة والتهليل معاً وكأن الروح القدس يرفع أرواحنا لـتـدخـل معه أمام عرش الله بشهادة مزدوجة : الروح يشهد ونحن نشهد بالروح أن الله صار أبانا !! وبالتالي وبـالـضـرورة أننا صرنا أبناء شرعيين حسب قضاء ورحمة الله بعد العفو الكامل عن كل الخطايا السالفة الذي أجراه المسيح بدم صليبه !! ثم بهذه الشهادة الرسمية من الروح القدس يكون قد تسجل في قضاء مراحم الله بحسب قانون الله للتبني أننا أبناء الله الحي.

هـكـذا يقنعنا ق. بولس بوحي من الله والروح القدس أن نثق ونصدق أننا صرنا بحق السماء وسجلاتها أولاد الله الحي ولنا نصيب في الملكوت محفوظ .

أيها القارىء العزيز، إني أضيف صوتي الضعيف مع صوت ق . بولس بل ومع صوت الوحي أن ترفع رأسك ، فأنت بالحق ابن الله الحي ولك مع الله قصة حب وميراث معد.

17:8 «فإن كنا أولاداً فإننا ورثة أيضاً، ورثة الله، ووارثون مع المسيح . إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضاً معه! » .

صحيح أننا تسجلنا في سجلات الكنيسة أننا أبناء الله وقديسون . هذه شهادة الكنيسة، وها قد أعـطـانـا ق. بولس توكيداً أن ذات الأمر تسجل في الإحصاءات السماوية بشهادة الروح القدس الأقنوم الثالث.

ولـكـن ق. بولس يسعى دائماً ليغطي كل عمل بر الله الذي أظهر وأكمل في شخص يسوع المسيح . وبر الله دائماً أكثر مما نظن أو نفتكر لأنه يقول ما أبعد أفكاري عن أفكاركم: «لأنه كما علت السموات عن الأرض هكذا علت طرقي عن طرقكم وأفكاري عن أفكاركم . » ( إش55: 9).

وهـوذا الـوحـي المقدس يعلن على فم ق. بولس أن الله لم يكتف بأن يرفعنا إلى مستوى البنين بالنسبة له؛ بل أعطى أن يكون للبنين الذين تبئاهم حق الإرث السماوي في ملكوته الأبدي ، أمور لم تخطر على قلب بشر ما أعده الله لمحبيه : ميراث في الحب : « ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به وأكـون أنـا فـيهم» (يو26:17)، وميراث في المجد : « وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني …» (یو17: 22)، «أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي – حيث أكون أنا لينظروا مجدي الذي أعطيتني لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم . » (يو24:17)

هذا العطاء هـذا هـو المـيـراث « الذي لا يفنى ولا يتدنس المحفوظ لنا في السموات » بحسب ق . بطرس (1بط4:1)، والذي يصر ق . بولس أن الروح القدس نفسه هو محسوب أنه بمثابة ختم وأنه ، أي الروح القدس ، هو بذاته عربون هذا العطاء نأخذه ونعيشه الآن إلى أن يكمل لنا بتمام الـفـداء في ذلك اليوم : « إذ آمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس الذي هو ( الآن ) عربون ميراثنا ـ لمدح مجده ـ إلى أن يكمل فداء ( الشعب ) المقتنى» (أف1: 13 و14 ترجمة حرفية عن اليونانية).

هكذا من الناموس ق. بولس أن يوضح مدى امتداد عمل بر الله في حياتنا الآن وعلى طول المدى إلى أن يـكـمـل الـفـداء الذي بدأه المسيح على الصليب ، والذي به أظهر بر الله مشهوداً له . والأنـبـيـاء، وذلك بتعريفنا بحدود ميراثنا السماوي الذي لا يحد، والذي يشهد له الروح القدس الذي سكبه علينا وفينا لتُحفظ في بره إلى يوم المنتهى .

« ورثة الله ووارثون مع المسيح »:

كـان فخر إسرائيل ميراث أرض فلسطين، ولم يدر إسرائيل أن الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً ليست هي أرض شقاء الإنسان بل الأرض الجديدة بسمائها الجديدة، أرض الخلود للإنسان فيما ليس هو أرضاً بالمرة، بل ملكوت الله الذي لا يقاس ولا يحد . ميراث الله لا يقاس بالقصبة ولا بالطول والعرض ولكنه ميراث قداسة وبر، ميراث حب ومجد، ميراث تسبيح يدوم إلى الأبد، حين تُمسح الدموع ويبطل الأنين ويكف التنهد الذي أرهق روح الإنسان ليحل محله تهليل مجد يدوم .

وهذا النور الفائق نور الله غير المقترب إليه نعيشه ونشترك فيه مع نور قديسيه . القديس بولس يدعو لنا دعاء أن ينفتح وعينا الروحي لندرك هذا : « مستنيرة عيون أذهانكم لتعلموا ما هو رجاء دعوته وما هو غنى بجد ميراثه في القديسين . » (أف 1: 18)

ق. بولس يريد من كل قلبه أن ينقلنا من صورة بؤس الإنسان الذي تغرب فيها عن الله بسبب عصيانه وذاق الرفض والصدود من الله ، مع حرمان من السلام والراحة ، مع الخوف والقلق اللذين كـانـا يـدركانه أينما ذهب وحيثما حل، إلى صورة غنى مجد برا الله الذي دعانا إليها هنا وهناك في شخص ابـنـه يـسـوع المسيح : « إذا لست بعد عبداً ، بل ابنا وإن كنت ابنا فوارث الله بالمسيح . » (غل 4: 7)

« ورثة الله ووارثون مع المسيح »: 

كلمة قـانـونـيـة ، تحمل معها وعداً مسجلاً ليس بسجلات أرضية معقدة، بل في سجلات الله المحفوظة «بدار السماء»، ومختومة بأختام صدق الله ، السماء تزول والأرض تزول وما خرج من فم الله يبقى ويدوم. إن وعـود الملوك على الأرض تـقـوى وتتعظم بمقدار عظم ملوكيتهم، وهذه هي ملكوت الله مملكة السماء ، وأية عظمة تقاس بعظمة مجد الله و وعود الله لا تسقط وكلها بلا ندامة ! وحـيـنـما نزداد قرباً من مفهوم ملكوت الله ، ندرك أننا صرنا بواسطة المسيح ومعه مالكين أو شركاء ملك أو مـلـوكا وكهنة الله . هذه كلها تفصح عن دخولنا دائرة تدبير الله ونواميسه ، لا كمحكومين بعد، بل كـحـكـام: «ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم … ألستم تعلمون أننا سندین ملائكة …» (1کو6: 32) 

« ورثة الله وورثة مع» تأتي باليونانية بالمعنى الحرفي من جهة ورثة الله ومن جهة أخرى ورثة مع المسيح . وتكرار ورثة ثلاث مرات في آية واحدة هو تأكيد وضغط على الكلمة ليبرز معناها . ويرسخ ؛ ولـكـن لـيس هينا ولا هو بالأمر البسيط الذي نعبر عليه أن يكرر ق . بولس : مرة أننا ورثة الله ومرة أخـرى أننا «ورثة مع المسيح» . فـ «ورثة الله » هنا تعطينا حقوقاً مباشرة مع الآب شخصياً: «لأن الآب نفسه يحبكم» (يو16: 27)، و «ورثة مع المسيح » تعطينا حقوقاً في بـنـويـتـه الشخصية من جهة مخصصاته الخاصة كابن . وهكذا نرتبط بالله ككل في أبوته وفي بنوته ، لأن الميراث رباط ، ولأنه ليس ميراث أشياء متروكة لميت ؛ بل ميراث في كيان شخص الآب والابن، ميراث في ذات بكل غناها في المجد . هنا يلزم أن ينتبه الوعي لندرك أن الميراث هنا ليس مـيـراثـاً منفصلاً عن شخص الآب وعن الابن بل ميراثاً متداخلاً في الآب والابن . هذا هو الميراث الفائق حقاً على كل فكر وتصور:

+ «من لي في السماء ومعك لا أريد شيئاً في الأرض» (مز73: 25 )،
+ «قد فني لحمي وقلبي . صخرة قلبي ونصيبي الله إلى الدهر» (مز26:73)،
+ «نصيبي هو الرب قالت نفسي من أجل ذلك أرجوه . » (مراثي3: 24)

ولـكـن ق. بولس لا يـريـدنـا أن نعيش في أرض الأحلام بعيداً عن واقع المسيح الذي اعتبره المسيح نفسه أنه مجده وهو الصليب ، فلا مجد يمكن أن نتأمله أو نشارك فيه مع المسيح في غياب آلام الـصـلـيـب . ولا يمكن أن يغيب عن بالنا لحظة تأكيد المسيح لتلميذي عمواس اللذين استكثرا عليه أن يـتـألـم ويموت بقوله لهما : «أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء ، أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده . » ( لو24: 25و26)

إن آلام الـصـلـيـب بكل المعاناة التي جازها المسيح قبل الصليب وعليه ، هي جزء لا يتجزأ من مجد الملكوت : « ورأيت فإذا في وسط العرش … خروف قائم كأنه مذبوح » ( رؤ5: 6). فإن كان رب المجد لا يظهر في المجد إلا وجروحه عليه، فماذا لنا الآن نحن شواح الملكوت على الأرض نهيم على أرض الأحـزان ، والـصـلـيـب والمـجـد مـعـاً يتعانقان على رؤوسنا وأكتافنا ؟ لأنه حتماً و بـالـضـرورة عندما تنقضي غربتنا ونمضي إلى دار السماء موطننا سيتبعنا الصليب كجروح مضيئة . فمجد المسيح لا يكمل بريقه إلا والصليب في مركز النور والإشعاع .

إن لاهوت آلام الصليب ولاهوت أمجاد الخلاص لاهوت واحد لا ينقسم إلى فصلين ، بل هما فصل واحد لا نستطيع أن نضع أحدهما قبل الآخر! لأنه :

« احـتـمـل الصليب من أجل السرور الموضوع أمامه »، « وسُر الله أن يسحقه بالحزن . » ( عب12: 2، إش10:53)

« نتألم معه … نتمجد معه » : 

وضع الكلمتين باليونانية يوحي بالشركة التي لا تنفصل فنتألم معه ونتمجد معه . وحرف مع « OUV » هو تعبير عن روح التلمذة والانحصار والانصهار، في الآلام كما في المجد. فما يعانيه تلميذ الرب من أجل الرب ضيقاً واضطهاداً وحرماناً ومطاردة، فهو يعانيه والمسيح في حضنه قائم وكأن المسيح يتألم فيه، بقدر ما يتألم هو من أجل المسيح ! هذا الانصهار الحبي مع المسيح في الألم هو بعينه الذي يورث الانصهار الحبي مع المسيح في المجد. إنها تلمذة واحدة، هنا بالألم وهناك في المجد.

 

 ولـكـن لماذا الألم هكذا بهذه الصورة الطاحنة ؟ وما علاقة الألم بالمجد حقيقة ؟؟ واضح في مـكـان آخر أوضح فـيـه بـطـرس الرسول أن الألم ضرورة للجسد: «من تألم في الجسد كف عن الخطية» (1بط4: 1)، فالألم ضرورة ليعبر به من تحت الخطية إلى فوقها . تماماً كالمسيح ، فالألم عند المسيح أعطاه السلطان أن يدوس بالعدل على قوى الموت والخطية ويغلبهما. المسيح وقع تحت الموت حتى إلى الـقـبـر وكـأنه صار مغلوباً ، ولكنه بالألوهة التي له قام وأقام الجسد غالباً للموت وكـاسـراً لشوكة الخطية ! قام من تحت الموت ليطأه برجليه صاعداً إلى السماء : « جعل أعداءه تحت قدميه» (أنظر 1كو15: 25). هذا كله صار لأجل الإنسان وليس المسيح ، حتى في المسيح نقوم أيضاً وندوس الخطية والموت معاً.

هـكـذا صـارت الشركة مع المسيح في آلام الصليب هي نفسها القوة التي ترفعنا من الخطية إلى النصرة ثم إلى المجد. وهل يمكن أن يكون مجد دون ألم ؟

 إن الإيمان الذي نعيش به الخلاص في الحاضر، كأولاد الله من واقع شهادة الروح القدس في أرواحنا ، وخبرتنا بالفرح والمحبة والسلام من داخل الآلام التي نعانيها في زماننا ، يعطينا أن نعيش أيضاً الآن ـ بالروح ـ في الرجاء الوثيق بمستقبل شركتنا في المجد العتيد أن يستعلن فينا . لذلك فلا شيء الآن يقدر أن يفصلنا عن محبة المسيح !

 

هنا بنى بولس الرسـول تعليمه اللاهوتي عن الرجاء بما هو آت على أساس الروح القدس الـسـاكـن فـيـنـا باعتباره «عربون » أي « المقدم المدفوع » عن صفقة الخلاص التي سيتم تسليمها بالكامل في الدهر الآتي . والعربون ـ قانوناً ـ هو تعهد يحوي جميع بنود الصفقة المتفق عليها مع جزء منها كعينة والتي سيتم تسليمها في الزمن المحدد . فالقديس بولس هنا لا يتكلم إلا بالروح الذي أخذه والذي فينا ـ والذي هو نفسه بمثابة تعهد من الله ـ الذي يحدد معالم ما هو آت .

وهـذا الـتـعـلـيـم الـلاهـوتي الخاص بالمستقبل الذي يقدمه ق. بولس هنا هو جزء أساسي من الإنجيل المقدس ، من الأخبار السارة، من موضوع الإيمان الذي نعيش به. فالأخرويات في الإنجيل هي وعد الله المعطى لنا بالروح القدس كختم عهد أو تعهد موثق بشهادة الروح القدس كما بقسم . لأن كون الروح القدس يـشـهـد لأرواحـنـا أنـنـا صرنا أولاداً الله معناه في الحال أنه أصبح لنا في المراسيم الإلهية حقوق البنين !

هذه الحقوق الخاصة بمستقبل الحياة يقدمها بولس الرسول ـ كوعد ـ بتأكيد الروح القدس كإعلان له من الله ، ولكن على أساس أن المجد الأكيد المتحصل من الخلاص الذي أكمله المسيح على الصليب لابد أن يتم في معاناة، ولكن «معاناة في نصرة»، بمذاقة المجد الآتي، وذلك من واقع العربون المعطى بالروح القدس ، ليغطي كل آلام الزمان الحاضر ويلغي أثرها المميت .

فاصل

[ 27-18:8 ] صار الإنسان في الروح ،
فصار على مستوى الرجاء !

18:8 «فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا » .

«فإني أحسب» :

ربما لو كانت «فإني أعتبر» تكون أفضل ، لأنها باليونانية تحمل معنى التأكيد كحكم صدر واسـتـفـر في ذهن ق. بولس وإيمانه وليس مجرد تخمين أو اقتناع . وهنا تدخل الآية ضمن حدود الإيمان. كذلك في قوله: «لا تقاس»، لا تأتي الترجمة دقيقة، فالكلمة اليونانية تعني : ” لا تستحق المقارنة”، أو هي «أقل كثيراً من أن تُقاس ». والمعنى الكلي للآية أن : آلام الـزمـان الحاضر ينبغي أن تسقط من اعتبارنا إذا رفعنا أبصارنا نحو ما أعده الله لنا في المجد الآتي، الـقـديـس بـولـس هـنـا لا يزال محـصـوراً في عطية بر الله المعلنة في المسيح الآن وفي وضعها النهائي. فإذا اعترض معترض كيف يكون هذا ونحن لا نزال نواجه مرارة الآلام لهذا الزمان ؟ فيرد القديس بولس : إنه بحسب الرؤيا التي تحددت من جهة الأمجاد التي نعيش عربونها الآن ، والـتـي تـوحـي الآلام نفسها ببرهان الروح عن مجد آت قادر أن يكتسح كل ما عاناه الإنسان في الزمان الحاضر ويجعله نسيا منسياً، فإن الآلام تصغر بمقدار العزاء الآتي من فوق من المجد المعد . نموت كل يوم، ولكن مع المسيح نحن أعظم من منتصرين : «في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا . » (رو37:8)

بل ویرى ق. بولس أنه كلما ازدادت هذه الضيقات والآلام فينا ، كلما أنشأت بزيادة مجداً آتيا ! «لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشيء لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً » ( ٢ كو٤ : ١٧)، «لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضاً » ( ٢ كوا : 5). لأن كل ضيقة في الحاضر مآلها إلى الزوال ولكن وعد الله بالمجد قائم يزداد كل يوم .

هذه الحقيقة نعبر عليها كل يوم، إنما بصورة مصغرة . قرب شـديـد واخـتـنـاق ، ثم يسوق الله علينا نعمة كبيرة ، وتتعثر فيها بضيق الحال كل إحساس بالضغطة وتنفرج حياتنا وتتسع رؤيتنا بل ونفرح معتبرين أن ما أصابنا من ضيق لا يقاس برحمة الله التي افـتـقـدنـا بها، بل وربما نشعر أن نفس هذه الضيقة هي التي تسببت لنا في هذا الانفراج العظيم. ألم تتسبب محنة الصليب في مجد الرب : « أما كان ينبغي أن المسيح يتألم ويدخل إلى مجـده»، «طوباكم إذا أبغضكم الناس وإذا أفرزوكم وعيروكم وأخرجوا اسمكم كشرير من أجل ابن الإنسان. افرحوا في ذلك اليوم وتهللوا فهوذا أجركم عظيم في السماء . » (لو6: 22و23)

والآن عـلـيـنا أن نلاحظ تدرج ق. بولس في التعامل مع الخطية وما صنعته وما تصنعه ، كذلك ما يصنعه بر الله في المقابل . فقد استوفى في الأصحاحات الأولى أثر الخطية المدمر في الإنسان ، وهنا يـبـتـدىء في الأصحاح الثامـن يـسـتـعـرض عـمـل بر الله في الحاضر وما يلقيه من صورة مجيدة في المستقبل ، غير غافل عما لا تزال تفعله الخطية، ولكن ليس في صورة عبودية أو موت ، بل في صورة تجارب وآلام!

فـالـقـديـس بولس هنا يصور الأمجاد الآتية التي تستعلن فينا من فضل بر الله علينا ، ولكن من واقع مر، وعلى خلفية من الآلام التي نعيشها كشركة حقيقية في آلام صليب المسيح .

ولـكـي يـنـتـقـل ق. بولس من الحاضر إلى المستقبل، ينتقل بالضرورة من الإيمان إلى الرجاء ، ولـكـنـه رجـاء على نفس مستوى رسوخ الإيمان . كذلك وبنفس الثقة ينتقل من آلام الزمان الحاضر كحقيقة واقعة إلى أمجاد الدهر الآتي، نترجاها وكأنها حاضرة ، لأن هذا هو وعد الله حيث كما اشـتـرك الإنسان في الأولى يشترك في الثانية حتماً. ولكن ق. بولس يحابينا ويعزينا ويزيد من قوة رجائنا حينما يقول، كمختبر، إن آلام الحاضر لا تقاس بالمجد الآتي، الأمر الذي حينما نتأمله في حرارة الرجاء تضمحل كل آلامنا وهمومنا : ماران أثا !!

19:8 «لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله » .

ق. بولس يمتد باستعلان بر الله في الدهر الآتي ليشمل الخليقة كلها ، فهي كما سقطت بخطية آدم ؛ تقوم ببر الله في المسيح. وكما لعنت الأرض بسبب تعدي آدم ؛ تتبارك بسبب بر الله في طاعة المسيح .

لذلك ليس فقط الإنسان هو الذي ينتظر استعلان المجد الآتي، حينما تكف الآلام وينتهي الحزن والكآبة والتنهد ليحل محلها شركة أفراح أبدية في مجد الله والمسيح، بل والخليقة كلها ستكون شريكة فرح الإنسان حتماً و بالضرورة. فالذي أهانها بإهانته في الزمان الأول ، عليه أن يُفرحها ويعزيها بعزائه في الزمن الأخير، لأن الإنسان خلق ليكمل الخليقة ، فالخليقة فقدت كمالها بفقدان كماله. وهي في رجائها معه على ميعاد ، فكما يتوقع هو استعلاناً كاملاً لفدائه و بنوته الله ، تتوقع هي لنفسها ذلك فيه. وباستعلان بنوة الإنسان الله ، تسترد فيه كمالها ورضى الله. 

۲۰:۸ «إذ أخضعت الخليفة للبطل. ليس طوعاً بل من أجل الذي أخضعها. على الرجاء » .

الخليقة هنا وقعت تحت إرغام ـ رغما عنها ـ للبطل vanity .

والـبـطـل والبطلان هو الفراغ ، هو اللاقيمة، أي فقدت حقيقتها ولم تعد إلأ صورة فارغة لحق كان يملأ كيانها !! كالإنسان تماماً فيما صار إليه بعد التعدي . هنا خبرة سليمان تأتي مصداقاً لآية ، ق. بولس : «باطل الأبـاطـيـل الكل باطل … الكل باطل وقبض الريح …» (جا1: 2 و14). فالعالم صار هكذا باطلاً لما بطل الإنسان عما كان له في الله !!

ويـعـود ق. بولس و يوضح في آخر الآية كيف أن هذا الوضع الذي صارت إليه الخليقة إنما هو بسبب الإنسان وذلك طبقاً لما صدر من فم الله : « وقال لآدم لأنك سمعت لقول امرأتك وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلاً لا تأكل منها ، ملعونة الأرض بسببك . » (تك 3: 17)

8: 21 «لأن الخليفة نفسها أيضاً ستعتق من عبودية الفساد (اللعنة) إلى حرية مجد أولاد الله » .

 هذه الآيـة تـبـتـدىء تُفصح عن معنى الخليقة. فقول بولس الرسول : « الخليقة نفسها » ، في مقابل « أولاد الله » ، يوضح أن الخليقة تشمل كل ذي جسد على الأرض ، و بالدرجة الأولى كل إنسان، باستثناء المفـديين فقط !! حيث سيكون أولاد الله . محط رجاء كل جسد وقع تحت أن الفساد، سواء الوثنيين من الأمم أو بقية الخليقة غير الناطقة ، فبمجرد أن يستعيد أولاد الله حريتهم من عبودية الفساد، التي نالوا عربونها الآن بالروح في المسيح وينتظرون تكميلها في القيامة العتيدة التي فيها «يلبس الفاسد عدم الفساد» (1کو15: 53)، «الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جـسـد مجـده» (في٢١:٣)، حينئذ تعتق الخليقة من عبودية الفساد الذي أخضعت له ، لتصير على مستوى الإنسان الذي كان هو كمالها وجمالها قبل أن يطويه الشيطان تحت عبودية الفساد وينسحب منه الحق الإلهي ليبقى صورة فارغة ومزيفة للحق .

وهـكـذا يـتـضـح بصيص من نور، نرى فيه الخليقة والإنسان كلا مترابطاً ؛ فبسقوط رأسها وهو الإنسان الأول سقطت الخـلـيـقـة متأثرة به، فلم يعد ممكناً قط أن تحمل شيئاً من الحق والإنسان فـاقـده ، بسبب العلائق الكثيرة التي يرتبط الإنسان بها وترتبط هي بالإنسان. هل هي روابط تسبيح مشترك ؟ هل هي روابط نمو مشترك في الحق ؟ كل على قدر قياسه !

والآن ، إذ نرى الله وقد رفع اللعنة عن الإنسان وفداه على المستوى الروحي بانتظار أن ترفع . كلية عن الجسد ، نرى الخليقة تئن معه بانتظار ذلك الفداء الأخير عينه .

ولنا في الفلك ونوح صورة مصغرة للنصيب المشترك الذي ارتبطت به الخليقة مع الإنسان ، سواء في غضب الله أو رضاه، في صورة الهلاك الذي عم، وفي صورة النجاة التي تمت .

22:8 «فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معاً إلى الآن» .

قـدرة عـجـيـبـة لـبـولـس الرسول أن يحوي في قلبه وفكره صورة للخليقة كلها وهي تئن كما يئن الإنسان، وتتمخض معه ألماً بسبب غياب الحق فيها . تتمخض وكأنها تمخض لتولد من جديد ، يكون فيها الحق وفيها البر ورضا الله ؟

حينما ضيع الإنسان الحق، تغرب عن فلم يعد له معه مقابلة وتحية أو تسبيح وشكر . فضرب الإنسان بالصمت الروحي، وانعمت عينه عن رؤيا الله ، فذهب يتلهى وراء بطنه وأعوازه كإحدى العجماوات التي تدب على أرض الشقاء .

وعـنـدما جاء الزمان، وانفتح باب في السماء، وأدرك الإنسان الخلاص المعد والعودة الوشيكة أن تكون ، زاد حنينه وزاد أنينه بارتقاب الفداء الأخير، ومعه الخليقة التي ما رضيت ببطلها قط ولا قبلت الخضوع للفساد دون أنين وشكوى ؟ إنها تنزع نحو صورة الحق الذي جبلت عليه ، وإن لم تعيه أو تدركه ، وتثن من ثقل الباطل حتى ولو لم تدر به .

ولـنـا في الـكـتـاب المقدس على صفحاته الكثيرة شذرات وردت من هنا ومن هناك تحكي عن صـور بـاهـتـة منحدرة من الأصول الأولى قبل التاريخ من الطبيعة الحرة البكر، تروي عن علاقات صميمة بين الله والخليقة وبين الخليقة والإنسان رأسها في ذلك الزمان .

نسمع المسيح يحكي عن موضع الخليقة الأثيل عند الله :

+ « انظروا إلى طيور السماء … أبوكم السماوي يقوتها ، … تأملوا زنابق الحقل … عشب الحقل … الله يُلبسه . » (مت 6: 26و29و30)

+ «عصفور واحد لا يسقط على الأرض بدون أبيكم .» (مت10: 29)

ثم مع الإنسان يقول :

+ «فمن هو الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده ؟ وتنقصه قليلاً عن الملائكة، وبمجد وبهاء تكلله، تسلطه على أعمال يديك ، جعلت كل شيء تحت قدميه. الغنم والبقر جميعاً (أسـقـط بـقـيـة الـوحـوش متأسفاً) وبهائم البر أيضاً وطيور السماء وسمك البحر السالك في سبل المياه. » (مز8: 4-8).

+ «فقـام وانـتـهـر الريح ، وقال للبحر اسكت ، ابكم . فسكنت الريح ، وصار هدوء عظيم . »(مر4: 39)

+ فـخـافـوا خـوفـاً عظيماً. وقال بعضهم لبعض: من هو هذا ؟ فإن الريح أيضاً والبحر يطيعانه . » (مر41:4)

+ «وكان هناك في البرية أربعين يوما يجرب من الشيطان . وكان مع الوحوش. وصارت الملائكة تخدمه . » (مر1: 13)

+ «وقال (يـشـوع) أمام عيون إسرائيل : يا شمس دومي على جبعون ، ويا قمر (دُم أي قف) على وادي أيـلـون. فـدامـت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه … فوقفت الشمس في كبد السماء ، ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل . » (یش 10: 12و13)

كلهـا صـور بـاهـتـة لعلاقات سابقة من ود وحب وطاعة عاشتها الخليقة في طاعة الله وخدمة الإنسان كبيرها في ذلك الزمان .

ولـكـن لما عصى الإنسان الله وتعرى أمام عيني نفسه، تعرى من جماله وفقد هيبته لدى الخليقة كلها . وعوض أن تهابه، أصبح يهابها . وبعد أن كانت تشتهي القربى منه صارت تشتهي أكله ، وتجري وراءه لافتراسه ، وصار هو يشتهيها ويفترسها . وانشق ناموس المودة والهيبة الذي كان : الإنسان بالخليقة، وحل بدلاً منه ناموس الخوف والرعبة، والمطاردة والنقمة. ودخلت الخليقة مع كبيرها تحت البطل والفساد.

ولـكـن بـقـيـت في أحلام الإنسان ورؤى أنبيائه صور عن عودة آتية وصلح وود وألفة وتسبيح مشترك . فنسمع من إشعياء عن رؤيا يقصها وكأنها حلم : « فيسكن الذئب مع الخروف ، و يربض الـنـمـر مع الجدي ، والعجل والشبل والمسمن معا. وصبي صغير يسوقها . والبقرة والدبة ترعيان ، تربض أولادهما معاً. والأسد كالبقر يأكل تبنا، ويلعب الرضيع على سرب (جحر) الصل، ويمد الفطيم يده على جحر الأفعوان . لا يسوؤون ولا يفسدون …» (إش11: 6-9)

+ «ثم رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا، والبحر لا يـوجـد في مـا بـعـد … وقال الجالس على العرش : ها أنا أصنع كل شيء جديداً. وقال لي : اكتب ، فإن هذه الأقوال صادقة وأمينة . » (رؤ21: 1و5).

+ « وفي وسط العرش وحول العرش أربعة حيوانات مملوءة عيوناً من قدام ومن وراء. والحيوان الأول شبه أسد والحيوان الثاني شبه عجل والحيوان الثالث له وجه مثل وجه إنسان والحيوان الـرابـع شـبـه نسـر طـائـر. والأربعة الحيوانات لكل واحد منها ستة أجنحة حولها ومن داخل مملوءة عيوناً ولا تزال نهاراً وليلاً قائلة قدوس قدوس قدوس الرب الإله القادر على كل شيء الذي كان والكائن والذي يأتي وحينما تعطي الحيوانات مجداً وكرامة وشكراً للجالس على العرش الحي إلى أبد الآبدين يخر الأربعة والعشرون شيخاً …» (رؤ4 : 6-10)

 

23:8 «وليس هكذا فقط، بل نحن الذين لنا باكورة الروح، نحن أنفسنا أيضاً نئن في أنفسنا متوقعين التبني فداء أجسادنا » .

بولس الرسـول يـؤمن بصدق الرؤيا، فليست الخليقة تئن وحدها ، وإن كنا لا نستشعر أنينها ، ولكنها تستمد أنينها من أنيننا !! فنحن وإن كنا قد صرنا باكورة الخليقة المفدية وقد حصلنا على الروح الذي هو عربون الفداء الأخير وكماله ، فلا زلنا نثن في أنفسنا ، لأننا لا زلنا نلبس الفساد ونحيا الباطل الذي يملأ الحياة من حولنا ، لأن فداءنا لن يكتمل إلا باكتمال فداء أجسادنا بالقيامة الـعـتـيـدة أن تكون. فنحن نثن من ثقل فساد أجسادنا التي نطرحها أخيراً في تراب الأرض برجاء القيامة حينما ننال ملء التبئي!!

إنها حقيقة ، ولو أنها محزنة، أن الخليقة اشتركت مع الإنسان ككل في نصيب واحد، سقوطاً وقـيـامـاً . فإن كان الإنسان هو سبب سقوطها ، فحتماً و بحسب عدل الله ورحمته ـ أي بره المعلن في المسيح ـ أن تُـفـتـدى الخـلـيـقـة بفدائنا وترتد من «البطل» إلى الحق لتستعيد وجودها الأول الحقيقي أمام الله ، ويتعدل تعامل الإنسان معها على أساس الود والوفاق المفقود الآن .

إن هذه حقيقة تعي الكنيسة القبطية دون أن تبرزها إلى حيز اللاهوت المدروس . ففي نصف الليل يقوم مجمع الرهبان ليسبح الله بفم الخليقة . والتسابيح هي من مزامير داود الذي عاش هذه الحقيقة بالروح واشترك بالفعل و بالروح مع هذه الخليقة في هذه المزامير الحية : «في منتصف الليل أقوم لأحمدك على أحكام برك . » (مز119: 62)

داود يـسـتـيـقـظ في نصف الليل ويتذكر سيادة آدم على الخليقة ، فيما كان من سابق الزمان ، فيتصور نفسه وقد أتت أيام العودة والكل في حضرة الله ، وداود يهتف بالخليقة كلها لتنهض وتسبح معه خالقها وتشكره على رحمته على بني آدم .

ـ هللويا ـ

سـبـحـوا الـرب مـن الـسـمـوات     سبـحـوه في الأعــــالي
سـبـحـوه يا جميع ملائكته     سبـحـوه يـا كـل جـنـوده
سبـحـيـه أيـتها الشمس والـقـمـر   سبـحـيـه يا كـواكـب الـنـور
سبحيه يا سـمـاء الـسـمـوات   ويا أيتها المياه التي فوق السموات

لتسبح اسم الرب لأنه أمر فخلقت ، وثبتها إلى الدهر والأبد، وضع لها حذا فلن تتعداه.

سبحي الرب من الأرض يا أيتها التنانين وكل اللجج ،
النار والبرد، الثلج والضباب ، الريح العاصفة الصانعة كلمته، الجبال وكل الآكام ،
الشجر المثمر وكل الأرز،
الوحوش وكل البهائم، الدبابات والطيور ذوات الأجنحة ، …» (مز148: 1-10)

 

وكأن داود يتكلم بلسان آدم العائد إلى الفردوس، وهو يهيب بالخليقة كلها التي دخلت مرة أخرى تحت طاعته ، لتقدم الشكر والعبادة والتسابيح للخالق .

ثم يأتي العهد الجديد، فيبوح المسيح في إنجيل لوقا ببزوغ فجر صلح الخليقة مع الإنسان، كل الإنسان، كـثـمـرة لـعـهـد الـفـداء الذي أتى على الإنسان وسيتسحب على الخليقة كلها من خلال الإنسان ، فـيـقـول المسيح: «اذهبوا إلى الـعـالـم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها … » (مر16: 15). وهكذا تتقبل الخليقة بكل أعضائها، الناطق منها وغير الناطق، بشارة الخلاص من عـبـوديـة الفساد من خلال قبول الإنسان للفداء. فكما أسقطها بسقوطه ؛ سيقيمها بقيامته. وكما أفسدها بعصيانه ؛ فسوف يسعدها ببره .

ولـكـن إن كانت الخليقة، أو كان الإنسان ، فكل من ا زال يترقب تكميلها حينما يـتـم الـتـبـتـي فـداء الأجساد، الخليقة بالأنين المكتوم، والإنسان بالروح و بصراخ الصلاة : «ماران آتا » ثم يعطي المسيح علامة العربون للصلح بين الاثنين «يحملون حيات، وإن شربوا شيئاً مميتا لا يضرهم . …» (مر18:16)

وعـلـيـنـا أن نلاحظ أن الـقـديـس بـولـس لا يزال مشغولاً بامتداد بر الله الذي بعد أن يكمل للإنسان ، يفيض على الخليقة كلها ، حتى أينما حلت الخطية وأفسدت ، يحل بر الله ويجدد ما قد فسد!

24:8 -25 «لأننا بالرجاء خلصنا، ولكن الرجاء المنظور ليس رجاء، لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضاً؟ ولكن إن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر» .

الخلاص والـفـداء والقيامة هي حالات أخروية لا تأخذ وجودها الحقيقي العلني إلا في الدهر الآتي أو الحياة الأخرى . والذي نمارسه هنا منها هو بالإيمان والرجاء . فبالإيمان خلصنا، وبالرجاء نكمل خلاصنا تماماً ، كالقيامة ، فنحن نعيشها ونعيش الحياة الأبدية الآن بالإيمان كعربون، ولكن هناك تكمل .

وكل ما يختص بالرجاء هو مستقبلي أخروي ، لأن الرجاء هو هو الإيمان فيما يخص الآتي غير المنظور. وهنا يتلازم مع الرجاء الصبر، وانتظار تكميل الوعد ، حيث الرجاء والصبر وانتظار تكميل الوعد تأخذ قوتها ويقينها من قوة ويقين صدق الله الذي وعد .

وذكـر الـصبر هنا يعود للآلام التي يطول معاناتها بحسب الزمان الحاضر، وهكذا يدخل الصبر كعامل أساسي في الرجاء، حيث الرجاء يتركب على وضع مؤلم . و بذلك يأخذ الرجاء نصيب الإيمان في المجازاة، ولكن الإيمان يتقدمه بطبيعة الحال : الإيمان والرجاء والمحبة الثلاث الجواهر المتلألئة في عقد الخلاص : « ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التي ترى ، بل إلى التي لا تُرى. لأن الـتـي تـرى وقـتـيـة، وأما التي لا ترى فأبدية» ( 2كو4: 18). هنا الخلاص الكامل هو الآن غير مـنـظـور، لأنه أبدي هو، ولكن بسبب الروح القدس الذي يلقننا بنود الخلاص فنحن نعيشه وكأنه حاضر أو قد حضر « خلصنا » . فهذا هو عمل الرجاء وقوته .

لاحظ هنا، أيها القارىء العزيز، أنه يختبىء لنا في هذا المعنى بركة كبيرة للحياة، فبولس الرسول يوضح أننا لا نعيش الآن على المنظور والمحسوس من الفداء والخلاص والقيامة والمجد وحياة الـدهر الآتي، لأنها كلها أمور أبدية . فما هو عمل الإيمان والرجاء هنا، إذاً ؟ هو تجاوز أنفسنا ، تجاوز مـشـاعـرنـا وأحاسيسنا وكل ما هو منظور، وأن نرفع أنظار قلوبنا إلى ما هو غير المنظور، إلى الأبدي الأخروي، فنعيشه بحقيقة الإيمان، لأن الروح يعين ويكمل عجزنا . ومن صفات الروح والله أنه: «يـدعـو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة » (رو4: 17). إذاً، بالروح القدس نعيش حقا بـالـعـربـون كل ما هو آت ونتوقعه بالصبر «ماران آثا»، «لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان » (2کو5: 7). وهكذا يصح أن يقال أننا خلصنا حقاً إن خرجنا عن ذواتنا ، وتخلصنا من حواسنا ، و وقـفـنـا تجاه المسيح ونظرنا فقط إلى ما عمله في الماضي، فهو حتماً حاصل لنا في الحاضر، بل وقد حصل ولو أننا لا نراه ، ونعيشه بالروح، لأنه آت حتماً .

 وعلى القارىء الآن أن يلتفت ، فهذا يشرح لنا سر أنيننا . فنحن نثن ومعنا الخليقة كلها عن سبب واضح، وهو أننا نترقب بالصبر وعداً آتياً حتماً بيقين الرجاء، ولكن على واقع مر وضيقات متلاحقة تود أن تطفىء من قلوبنا لهب الرجاء الحي هذا. ونحن إذ أعطينا مسئولية الخليقة بالتضامن ، لأنها أسقطت بسببنا ، فإنه عن حساسية المفديين ومشاعر باكورة المخلصين تستشعر أنينها ومخاضها، أو في الحقيقة نحن نثن عوضاً عنها أمام الخالق. فمسئوليتنا مرة، ولكن رجاءنا يمتد ليشمل مستقبلها معنا .

 

بولس الرسول هنا، في الحقيقة، يتكلم عن الإنسان الجديد الذي يرتفع بمسئوليته لتغطي كل من حوله. فالإنسان المرتفع بالروح حتماً هو مسئول عن العالم . فليس صحيحاً ما يقوله الفلاسفة من أن الإنسان عـالـم صغير بحد ذاته « ميكروكوزم » ؛ بل هو في الحقيقة العالم الكبير بعينه ، الـعـالـم هو جزء منه : [ وقفت على قمة العالم، حينما أحسست في ذاتي أني لا أشتهي شيئا ولا أخاف شيئأ] الـبـابـا غريغوريوس الكبير. هذا صحيح. فالشهوة أخضعت الإنسان تحت العالم ، و بالخوف سادت عليه أركان العالم المظلمة، فشعر بضآلته إزاء العالم الذي خلق أصلاً له !! 

٢٦:٨ « وكذلك الروح أيضاً يعين ضعفاتنا، لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي، ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها » .

«كذلك أيضاً»: 

«كذلك أيضاً» تعبير عن إضافة سبب آخر على ما سبق وما هو السابق الذي يضيف عليه هنا ؟

هـو أنـنـا ونحن في وسط آلامنا التي نعانيها في العالم، ونحن حاملون جسداً لا يزال يعاني من الفساد، ونحن بالأنين نتوقع فداء أجسادنا مشاركين ضعف الخليقة، وهي تئن أيضاً تحت الفساد ، صار كل اعتمادنا على الرجاء كنعمة موهوبة لنا، وبالصبر ننتظر ونترجي. كذلك، بالإضافة إلى ذلك فقد منحنا الله الروح القدس الذي يعين ضعفنا .

‏«يعين » : 

كلمة «يعين» هنا لا تفي بالمعنى اليوناني للكلمة، فهي من ثلاثة مقاطع : auv = مع ، عن Aapavera = “يحمل” أو “يعين مع” أو ” يحمل مع” أو ” يساعد مع ” . وهكذا تعني الـكـلـمة ” المساعدة التي تتوفر من تحميل اثنين جملاً واحداً بالسوية “. بهذا يصير واضحاً إذا قلنا إن الإنسان يـقـدم الصلاة بينما الروح يقدم المساعدة. وهكذا بالصلاة يشترك الإنسان مع الروح ، فتأتي المعونة . وهكذا تخلق الكلمة اليونانية معنى جديداً عجيباً، وهو أن الروح لا يساعد من لا يرفع يده بالصلاة. فمعونة الروح القدس متوقفة على إرادة الإنسان بالصلاة !!

إن تعدد المعوقات وعدم وضوح رؤية ما هو آت يجعلنا لا نعرف ما ينبغي أن نصلي من أجله كهدف محدد لنا وللخليقة التي من حولنا، أي العالم، الذي يحمل الإنسان مسئولية كرازته . ولكن وظـيـفـة الروح داخلنا أنه يقودنا في الصلاة، ليعطينا القوة ويتشفع في ضعفنا، ولكن ليس بكلمات واضحة نفهمها، وإنما بقوة وحرارة تتحول في أفواهنا إلى أنين لا يعبر عنه بالكلام. ولكن الله الذي أرسله فينا، يعلم تماماً ماذا يقول الروح فينا وماذا نقول به، حتى بر نطق . كان بغیر

«يعين ضعفاتنا » :

لقد سبق أن قال بولس الرسول إننا نئن مع الخليقة . فالأنين مشترك . فالجسد وهو تحت ضغطة الطبيعة فاقد صلة الخلود التي تحفظه إزاء عوامل الفناء التي تأكل من لحمه وعظمه وأعصابه وتمص عـافـيـتـه إلى أن يقع على الأرض. ولكن كلمة «ضعفاتنا» هنا ليست تعني ضعفاتنا من الوجهة الجسدية بل الروحية ، لأن الروح في المقابل الجسدي بعد أن أخذ حق القيامة والبقاء والامتداد في الحياة الأبدية والخلود لا يزال يحاضر بالواقع المر في احتكاكه بالعالم والخلقة النافرة المعادية بكل أعضائها . وجهد الصبر في الرجاء من أجل الفداء الآتي لكمال فداء الجسد ، يختبر بشدة كل يوم . والإنسان في وسط الخليقة وحيد. فلولا الروح القدس الذي يعين ضعفاتنا ، لخرنا . وأكبر تعزية يقدمها لنا هي في الصلاة حيث نستلم منه راحة بالروح ، بالرغم من أن صلاتنا تشوشها الرغبات غير المحـكـومـة. فكل مرة نخرج من الصلاة نشعر وكأنه قد قدمت من أجلنا شفاعة مسموعة لدى الله . فالروح القدس أصبح هو الواسطة الوحيدة بين واقعنا الصعب وراحتنا الأبدية المرتقبة . 

ولـكـن ينبغي هنا أن ننتبه ، فالوسيلة الوحيدة لكي تعرف طلباتنا لدى الله ويسمع أنيننا هي الصلاة. وليست وصية كررها المسيح بإصرار مثل : «صلوا . صلوا . صلوا ولا تملوا ، اسهروا وصلوا ، صلوا لكي لا تدخلوا في تجربة» . والإنسان ليس له عذر في عدم الصلاة، لأن روح الله القدوس مـسـتـعـد ومتهيىء أن يلهب قلوبنا بالصلاة ويتكلم في أفواهنا ، مقدماً طلباتنا الله . صحيح نحن لا نعرف كيف وبماذا تُرضي الله في الصلاة، لأننا لا نعرف ما ينبغي أن نصلي به قدامه . ولكن هنا أيضاً ، الروح يعين ضعفاتنا ويئن بأنيننا ، حيث يترجم الله هذا الأنين ، لأن ليس أنيننا الذي نقدمه عن جهالة بل أنين الروح الذي يعبر أعظم تعبير عن واقعنا أمام الله : «مصلين بكل صلاة وطلبة ، كل وقت، في الروح، وساهرين لهذا بعينه ، بكل مواظبة وطلبة …» (أف 6 : 18)

ولا ينبغي أن يفوتنا هنا تكرار بولس الرسول لكلمة « الأنين» سواء بالنسبة للخليفة أو الإنسان أو الروح القدس ، معبراً بـ « الأنين» عن . حالة طلب التحول إلى الآتي . وهذا هو معيار حالة الإنسان والعالم كله الآن : الأنين من أجل الآتي .

ولعله لم يكن زمن ما منذ أن قام ربنا يسوع المسيح من الأموات وحتى اليوم ، صار فيه العالم كله في أنين، ليس أنين الجـسـد بقدر ما هو أنين الروح ، بمخاض حقيقي تشوقاً وتلهفاً بأن يأتي الآتي ولا يتأخر. فالبشرية ومعها الخليقة كلها تترقب الآن بالساعات التغيير العتيد أن يكون ، ليدخل العالم والإنسان إلى فدائه الأخير بمجيء ربنا يسوع المسيح !!

و بولس الرسول منشغل هنا بالكشف عن حقيقة هامة، وهي أنه بالرغم من بقاء حالة الإنسان ـ بعـد الـفـداء الذي قدمه المسيح ـ في إطار التجارب في العالم، إلا أنه قد منح الإنسان المفدي الروح القدس، لكي يستطيع أن يعين ضعفه ويعلمه كيف يصلي، ضامناً استماع صلاته لدى الله بشفاعته الخاصة، فأصبح للإنسان رجاء حي متصل دائم بالله طول أيام غربته على الأرض .

«يشفع بأنّات لا ينطق بها » : 

هذه حقيقة عملية ليتورجية ، جماعية وفردية. ففي صلاة الليتورجيا اليومية مواقف يهتف فيها الشعب، كأن يعطي المجد بالصوت العالي . فإذا كانت الجماعة في حالة روحية حقيقية وصادقة ، يخرج الهتاف بهيئة صراخ عالي وتمجيد بانفعال واضح، أن الروح القدس حاضر ويلهب الجماعة . كذلك في الصلاة الفردية، معروف أنه إذا دخل الإنسان في حالة روحية صادقة وصلة قلبية بالله ، فإنه يصرح بالمجد الله . هذه حالة تدخل واضح من الروح القدس. 

من هذا الوضع يمكن أن ننتقل إلى حالة إنسان يصلي في درجات الصلاة بالروح، إذ تخرج منه أنـات مـنـدفـعة، هي في الحقيقة أنات الروح القدس الذي يكون في هذه الحالة يشفع فينا، لتدخل طلباتنا لدى الله . بولس الرسول يقدمها هنا، ليس كحالة عامة ، ولكن كمثال عملي واضح لعمل الروح القدس في الإنسان، كـبـرهـان على دخول بر الله إلى الإنسان عملياً كحالة صلاة مرفوعة بصدقي ومـسـمـوعـة لـدى الله. وقد سبق أن أوضحها بولس الرسول : « الروح نفسه أيضاً يشهد لأرواحـنـا أننا أولاد الله» (رو16:8). ولكن هذه شهادة مفهومة ، أما الأنات التي يطلبها الروح القدس في الصلاة الحارة فهي غير مفهومة ولا منطوقة . و بولس الرسول يقولها هنا ، محذراً الذين يستخفون بالذين يصلون ولهم هذا الأنين الخافت غير المفهوم . فهذا ليس تكلماً بألسنة بالمرة، ولكنه أنين الروح القدس الذي يعبر عن وجوده وعن عمله وعن شفاعته لدى المؤمنين الداخلين في صلاة قلبية لدى الله .

ولـكـن ينبغي أن نعلم يقيناً، أن أنين الروح القدس في الصلاة ليس هو علامة قوة وامتياز بـالـروح ، ولكن هو في الحقيقة تعبير عن حالة ضعف ، هو يعينها ويقويها: «يعين ضعفاتنا بأنات لا ينطق بها». فـالـروح يتدخل في حالة ضعفنا ، لكي يجعل صلاتنا مقبولة لدى الله … ومسموعة، إن كنا ضعفاء حقاً ومنسحقين .

27:8 «ولكن الذي يفحص القلوب، يعلم ما هو اهتمام الروح، لأنه بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين» .

بالرغم من أن الأنين غير مسموع ، ولكن الله يعلمه . الله يترجم أنين أعوازنا المكبوتة ، فهو فاحص الكلى والقلوب. ولكن الذي نعتبره جديداً لدينا في هذه الآية، هو أن الله أصبح كاشفاً حالتنا الروحية ، حتى وإن كنا لا نعرفها نحن، وذلك بواسطة الروح القدس فينا . فكما أن القلوب والكلى يعرفها خالفها، هكذا أصبحت حالة روحنا على هذا القياس . إذ أصبح الروح القدس هو الواسطة لرفع كل ما يهمنا وكل ما نهتم به بالروح في داخل أرواحنا لله . لذلك فإن هذا ينبعي أن  ينعكس على صـلـواتـنا ، حتى إذا وقفنا للصلاة نعلم أن كل همومنا وكل ما يهمنا أن نوصله إليه معروف جيداً. وهذا يدعونا أن نصلي بثقة و باطمئنان و بتحديد و بدون كثرة كلام . فالمطلوب هو أن: «تعلم طلباتنا لدى الله » (في4: 6)، ليس لأنه لا يعلمها ، ولكن لنعلم نحن أنه قد علمها. 

«يشفع » : 

 هي نفس كلمة « يشفع » السالفة (آية ٢٦). وجاءت في الآية السالفة باليونانية مركبة بمعنى « يشفع فينا ـ أو عنا » . 

الجديد علينا والذي يجب أن نعلمه ، هو أن الروح القدس يشفع . فالمعروف أن لنا شفيعاً لدى الآب ، يسوع المسيح البار: « وإن أخطأ أحـد فـلـنـا شـفـيـع عـند الآب ، يسوع المسيح البار» (1يو1:2). وهنا يدخل الروح القدس في مضمار الشفاعة أيضاً لدى الله الآب . ولكن واضح أن المسيح يشفع مرتكناً على دمه المدفوع ثمناً للخطية . أما الروح القدس فيشفع مرتكناً على المسيح الذي يأخذ منه ويتوسل لدى الله عنا . كذلك ، فالمسيح ، موضع شفاعته هو في السماء عن يمين الله ، أمـا شـفـاعـة الروح القدس فمعنا على الأرض وهي مقدمة إلى الله ومسموعة منا ونحن نشترك فيها بالأنين أيضا، فهي شفاعة تعزية وتقوية ليعين ضعفنا . فالروح القدس يعبر عن حضرة الرب على الأرض ، ، مكملاً فينا نفس عمله الذي يعمله في السماء . فهي تكاد تكون شفاعة واحدة مقدمة من الـشـفـيـعـيـن العـظيمين في السماء وعلى الأرض لدى الله . وهكذا تزداد ثقة الإنسان بالذي له في السماء من الذي يحشه على الأرض .

«يشفع في القديسين » :

واضح أنه لا يشفع في كل من يصلي ولا في كل جماعة تصلي، ولكن في القديسين. «في القديسين» هنا لها معنى واحد محدد يختص بموضعها هنا شديد الاختصاص، وهو ” الذين يضبطهم الروح القدس . ” أو ” المنضبطين بالروح القدس “، أو ” الذين هم . منقادون بالروح القدس ” . بمعنى أنه يشفع في الذين سلموا حياتهم للروح القدس ويسيرون بمقتضى تدبيره ونعمته بحرص ، الذين هم حقاً مسيحيون، الذين يمثلون الخليقة الجديدة حقاً و بالروح أمام الله .

واضح أن بولس الرسول يهمه هنا «جماعة القديسين » . فهو يذكرهم على أنهم أولاد الله (آية 16) الـذيـن نـالـوا باكورة الروح (آية 23)، الذين على رجاء تكميل فدائهم بالجسد يتعلق خلاص الخليقة كلها (آية 21)، والذين يحملون هم العالم ويثنون بأنين الخليقة غير المفدية (آية 23) الذين يعـمـل فـيـهـم الروح القدس حاملاً ضعفاتهم ، ، متشفعاً بانات لا يدركون معناها (آية 26). فكأنه قصد أن يخفي عنهم ذاته وأن يخفي ماذا يقول الله وماذا يرجو وماذا يتشفع من أجلهم وبهم . ومن وجهة نظر الإنجيل، فهؤلاء هم الذين يخاطبهم الإنجيل : «أنتم نور العالم » (مت5: 14)، « أنـتـم مـلـح الأرض» (مت5: 13)، والـذيـن يـصلي المسيح من أجلهم : «قدسهم في حقك » (يو17:17). هؤلاء يعيشون في ظل الصليب محفوظين من العالم والناس ، الذين قال عنهم الروح في سفر الرؤيا الذين «لم يحبوا حياتهم حتى الموت ! » (رؤ12: 11) 

وعلينا أن نلاحظ هنا أن بولس الرسول منشغل بالآتي، بالرجاء ، بالأنين من أجل تكميل الـفـداء، وبعمل الروح القدس وهو يعين القديسين ويشفع فيهم من أجل أن يكونوا مؤهلين لحمل الآخرين المتعوقين غير المفديين بعد .

ويقرر بولس الرسول أن إيماننا بالخلاص الحادث يكون ناقصاً إذا لم يشده الرجاء بالفداء الآتي. ورجاؤه لا يكون رجاء، إذا كنا لا نؤمن بغير المنظور. وهو لا يفيد شيئاً إذا لم يسلحه الصبر على ضـيـق الـواقـع . فـلاهوت الخلاص هو لاهوت رجاء بالدرجة الأولى . واللاهوت المسيحي ليس لاهـوتـاً مـقـيـمـاً مستوطناً كليات اللاهوت ، ولكنه لاهوت سائح متغرب على الأرض يطلب وطناً أفضل، وهو يجمع باكورة المفديين ووراءهم الخليقة غير المفدية ، كقضية مرفوعة من المسيح والروح الـقـدس لدى الله . والـكـل يـثـن، يطلب الخلاص من الحاضر، وبالرجاء يطلب الخلاص الآتي . ويجمع الروح القدس بين الاثنين، إذ يرثي لضعفاتهم ويثن بأنينهم ، لأنه المتولي قيادتهم في درب واحد ، هو درب الصليب المؤدي إلى السماء .

 

الختام المظفر للأصحاحات الثلاثة
(من السادس حتى الثامن)

28:8 «ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوون حسب قصده» .

کلمه «نحن» هنا يعود بها بولس الرسول على المسيحيين عامة ، على المفديين الذين هم موضوع تفكيره الآن .

«نعلم أن كل الأشياء » : 

«كل الأشياء» هنا سوف يشرحها بتفصيل وتطويل كثير في الآيات من 35-39، فهي جميع الأمور المقاومة والمعاكسة لمسيرة الخلاص التي يمكن أن تقابل أي إنسان وعلى أسوأ الأحوال .

هنا بولس الـرسـول يـتـكـلم عن معرفة اختبارية بلغت حد الحقيقة الثابتة بالإيمان ، من جهة صعاب الحياة وآلامها ، وكأن بولس الرسول يعود إلى الآية (18): «فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا » . وهو هنا يعود ويقرر أن الآلام في الحاضر حقيقة معترف بها، وإن كان قد سبق وأوضح أنها تحسب «خفة ضيقة» لا تقاس بالمقابل من جهة المجد، وكأنها تنشيء «يقل مجد أبدياً» (2كو4: 17). ثم يجيء هنا ليتجاوز هذا إلى ما هو أعمق وأعظم ، إذ يعتبر أن هذه الآلام والضيقات عينها تعمل دون أن ندري للخير، وذلك بالنسبة للمؤمنين ، وبولس الرسـول يضعها هنا باعتبارها حقيقة تعليمية في الكنيسة ينبغي أن ترسخ في الإيمان .

« تعمل معاً» : 

وحدة العمل أو انسجامه في تفاصيله ، بمعنى أن الشيء وحده يبدو سيئاً وغير مفهوم بسبب قسوته وغرابته. ولكن حينما يضاف إلى عمل أو شيء آخر أتى أو سيأتي ، فإنه يعمل عملاً منسجماً ، للخير أو الصالح.

« للذين يحبون الله » :

هي في الحقيقة الـصـورة المـنـظـورة للحقيقة غير المنظورة . فالذين يحبون الله يكونون معروفين وظـاهـريـن . ولكن الحقيقة هي العكس، أن الله هو الذي أحبهم ، ولكن محبته لا تكون في العادة ظاهرة. وهم هؤلاء الذين تكلم عنهم في الآية السابقة : «يشفع في القديسين» . وواضح هنا أنهم الـذيـن يحبون الله ، بل بالحري يحبهم الله . والدليل واضح أن روحه يعمل فيهم ويشهد لهم . وسوف نرى في الآية (29) أنهم معروفون الله .

+ «الذين هم مدعوون حسب قصده » :

هنا «القصد» كلمة رسمية تستخدم في لغة الرسميات . فالدعوة هي : بناء على قانون صادر استوفوا شروطه. وهي طبعاً دعوة الخلاص التي تأتي بعد فحص القلب وتمحيصه جدا . و بولس الرسول يذهب بها بعيداً جداً قبل الزمن :
+ «سبق رجاؤنا في المسيح» (أف1: 12)،
+ « سبق فعيننا للتبني» (أف2: 5 )،
+ «كـمـا اخـتـارنـا فـيـه قـبـل تأسيس العالم ، لنكون قديسين و بلا لوم قدامه في المحبة (نوال منتهى بر الله ) » ( أف1: 4 )،
+ « الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة، لا بمقتضى أعمالنا ، بل بمقتضى القصد والنعمة (بر الله ) التي أعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزلية . » ( 2تي1: 9) .

«للخير»: 

في الحقيقة إن كلمة «خير» في أصلها القديم تختص بما على الأرض . ولكن الصالح والصلاح هو السمائي وليس الأرضي . ولكن المترجم العربي وضع هذه الكلمة «للخير» باعتبار أنه يتعامل مع أمـور أرضـيـة معاكسة وسيئة تتحول حسب تدبير الله ورحمته لخلاصنا إلى صالح سماوي ، كما يتضح في آية قادمة: «ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام المبشرين بالخيرات » (رو 15:10). وهنا « الصالحات» هي الخلاص الآتي، ولكنه يأتي على خبرة معاناة وطريق ضيق ودموع وأنين !

وهذه الآية تعتبر في جملتها قمة أو خلاصة خبرة القديسين على الأرض . وهي كحقيقة ثابتة تعتبر سر الحكمة المنفتح على كنوز الله . فالحياة على الأرض بالنسبة للذين آمنوا بالمسيح ونالوا الفداء هي لغز محير. فالعالم من وراء يضطهد ولا يرحم ، والرجاء من الأمام يبشر بالخيرات المنتظرة. هذا التوتر الشديد الذي يعانيه السائرون على طريق الخلاص ، لا يحل لغزه إلا هذه الآية : «كل الأشياء تعمل معاً للخير». ويكفي أن يقرن بولس الرسول بين أنين الخليقة غير المفدية وأنين المفديين وأنين الروح القدس معاً. هذا بحد ذاته يشرح لنا مدى تداخل الله في العالم بكل أجزائه ، وكيف يوصل هذا بذاك ، بروحه ، ويربط الكل بمستقبل يبشر بالخير!!

من هذه الآية يخرج نغم سماوي يطبَّع الأنين على الأرض بكل صوره على مشيئة الله وقصده !! وكأنما كل شيء لا يعمل من ذاته حتى وإن كان يعمل معاكساً، بل يسير في مسار « حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته . » (أف1: 11)

أنظر إلى ما داخـل تـركـيـب جسد الإنسان، وأنت تذهل من انسجام عمل الأعضاء وآلاف الـتـفـاعـلات وملايين الخلايا معاً بانسجام يفوق العقل ، دون أن يعرف أي عضو ما يعمله العضو الآخر، ولا تعرف أية خلية مدى صلتها بالخلايا الأخرى . ولكن الكل يعمل تحت تكتيك ، أي فن هندسي، بعقل واحد غير منظور. ثم انظر إلى أجزاء العالم من سماء وأرض وشمس وقمر ونجوم وجـاذبـيـة وضغوط وهـواء وحرارة ورطوبة وأحياء بالملايين تعيش في جميع أركان العالم في السماء والأرض ، والـكـل يـسـيـر سـيـرأ رتـيـبـاً، ولا تسمع ولا ترى إلا المحصلة البديعة : الحياة تسير آلاف السنين !!

هذا كله يوحي إلينا أننا لا نعمل ولا نسلك ولا نحيا في عالم مشوش ، وكأن العوامل المعاكسة يمكن أن تبتلعنا. ولكن الشر محكوم والخير محكوم أيضاً ، وتلاقيهما معاً هو تحت قياس ، وملاقاتهما للإنسان هي بـقـدر ونـظـام وغـايـة محسوبة. والمحصلة خير عميم لحساب القديسين ، ولماذا « القديسين» ؟ لأنهم يدركون عمل الله ، ويخضعون لمقاصده ونظامه المرسوم ، لأنهم يضبطون أنفسهم في حدود نظامه هذا ومشيئته الصالحة . وهكذا يدركهم الصلاح حتى من داخل أشر الشرور!

إن سر هذه الآية يتوقف على مدى انسجام الإنسان مع تدبير الله وخضوعه تحت مقصده ، لأنه يـدخـل بـالـضـرورة في مسار المشيئة المقدسة ونتائجها، لذلك ، فإن مفتاح هذه الآية هي كلمة: « يحبون الله » ، بمعنى : السائرون وفق مسرته .

ولـكـن مـقـاصـد الله الخيرة وتدبيره الخير أو نظامه العام في تسيير الأمور ليست قانوناً أصم ، بل لـكـل إنـسـان تـدبـيـره يـقـيـمـه لـه الله بحسب ظروفه وإمكانياته وضعفه وقوته واحتياجاته وتأديبه وتشجيعه ، فالفقر المدقع لإنسان هو التدبير الإلهي الخاص الذي يدفعه للسلوك في طريق الخلاص ، والسعة والغنى لآخر هو التدبير الإلهي ليرفعه لمستوى النور المضيء في عالم مظلم بأعماله وإحسانه و بذله وعـطـائـه حتى الافتقار من أجل الله . والسحق والإذلال هو التدبير الإلهي الذي يتوافق مع إنسان عات يطلب الخلاص ولا سبيل إليه إلا بالانحناء حتى التراب . وهكذا ما يفيد الواحد يضر الآخـر ومـا يضر هذا يسعد ذاك ، فتدبير نعمة الله العاملة لتحويل مسار المضادات إلى خيرات تعمل وفـق كـل فـرد بـحـد ذاته. وهكذا يعمل تدبير الله فيما يخص الذين أحبوه بمعادلات وتبادلات قد تحسب بالملايين لكي يخرج من أشر الشرور ما هو خير وصلاح . وعسير على العقل أن يلاحق عناية الله وتـدبـيـره في عمله من أجل الخلاص ، يكفي أن يخرج الإنسان بهذه الحقيقة كمعيار يعطيه كل إيمانه وثقته وكل اتكاله وكل سلامه القلبي وينام ملء جفنيه أن: «كل الأشياء تعمل للخير للذين يحبون الله » .

علماً بأن الذي يفسد تدبير الله ويعطل عمل غايته وتكميله للإنسان هو التذمر، فحينما يتذمر الإنسان على واقعه أو نصيبه حينئذ يتوقف التدبير الإلهي، ولا يكون هناك مفر أمام عمل غاية الله بالنسبة لذلك الإنسان، إلا أن يبقى فيما هو فيه ، مما يشتكي منه ، ويبقى ثم يبقى إلى أن يبلغ الحد الذي تنتهي عنده التجربة، وهو الانتباه وإدراك مقاصد الله للخير بالشكر والرضى وحينئذ يرفع إلى ما بعدها. فإن هو أصر على التذمر فإن التجربة تتضاعف عليه لينضج تحت نار أشد، إن كان الله يريده، ويريد فعلاً أن ينقله إلى درجة أعلى ، وإلا فإن التجربة ترفع عنه ليرتد إلى مشيئة نفسه وتتخلى عنه العناية، وينسد أمامه طريق الترقي لبلوغ القصد الإلهي الأسمى. لذلك أصبح الشرط هنا أكثر أهمية وأكثر خطورة ، أن الأشياء تعمل معاً للخير ـ إنما فقط ـ للذين يحبون الله ، بمعنی للـذيـن أسـلـمـوا حياتهم لحبه وفي حبه من كل القلب والفكر والنفس والقدرة، وبالتالي ارتفع من قاموس حياتهم وفكرهم وضميرهم ولسانهم كلمة التذمر.

وعلى كل فإن الآية ٢٨ الـتـي نـحـن بصددها سوف تشرح جيداً لأنها وضعت هنا تمهيداً لما سيوضحه ق . بولس بدقة في ما يلي :

30-29:8 «لأن الذين سبق فعرفهم، سبق فعيتهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه
ليكون هو بكراً بين إخوة كثيرين .
والذين سبق فعينهم، فهؤلاء دعاهم أيضاً،
والذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضاً،
والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضاً» .

وهـنـا يـشـرح ق. بولس ما وضعه في الآية السابقة (28) «الذين دعاهم حسب قصده » حيث يبدأ يكشف خطة الله في كيفية التعيين حسب قصده !!

تنبيه:

 نـحـن قـادمون مع ق . بولس لتفسير خطوات حياتنا على ضوء عمل نعمة الله بحسب تدبيره من واقع مقاصد بره الشخصي لضم الإنسان إلى الحياة في المجد معه، بعد الشقاء الذي عانى! فلا تنتظر أيها القارىء السعيد أن يشرح ق. بولس بحسب إلحاح الفكر الفلسفي : كيف ، كيف ، ولماذا ، ولماذا ؟ كل هذه ليست واردة هنا، لأن ق. بولس يكشف الغطاء عن أعمال رحمة من جانب واحـد هـو جـانـب الله فقط، دون أن يتطرق ولو بكلمة واحدة عن كيف يتناسب عمل رحمة الله معنا، وما هي الشروط التي يراها ويريدها الله فينا، ومن الذي يفوز بالاختيار، ومن الذي لا يـفـوز، وعلى أي أساس يبني الله قانون اختياره ؟ وقانون تعيينه ؟ هذه كلها حتى ولو شرحها لنا الله بنفسه فلن نستفيد منها شيئاً البتة، وإلا كان قد شرحها !!

ولكن الذي يلزم أن نحدد أنفسنا فيه لنفهم هذا المسلسل البديع لعمل تدبير الله ، هو أن نتيقن أننا مختاروه ومدعووه وأحباؤه الذين يزرهم والذين ينوي أن يمجدهم أيضاً، وليس ذلك الآن فحسب بل « ومن قبل إنشاء العالم »، وهذه هي مسرة  الله من نحوا الخطاة. إذا يكفي أن نتيقن أننا نحن المقصود بهم الخطاة، لكي نتيقن أننا المدعوون، والمختارون أيضاً مائة بالمائة ! هذا هو منتهى أمل ق . بولس من هذا التعليم ؛ كون بر الله هو للخطاة والفجار!! ونحن أولهم ! فنحن الأحق بالاختيار والدعوة لأننا أكثر الخطاة اعترافاً بخطايانا !

أمـا عـلامـة أننا فعلاً معروفون عنده ومعينون ومدعوون ومبررون فهو أن يكون الروح القدس قد أقنعنا أننا خطاة! وتمسكنا نحن بهذا الاقتناع ، وقبلنا أن ندخل تحت التدبير المجاني !! الذي أول عـمـل لـه، أي تدبير نعمة الله لنا، هو أن يضيء فـكـرنـا بـالمسيح : « أنا يسوع الذي أنت تضطهده » ، حيث يأتي وراءها : « يا رب ماذا تريد أن أفعل» (أع9: 5 و6)! هكذا ابتدأت سيرة جميع القديسين !!

كذلك من هذا المسلسل الرتيب في هاتين الآيتين يظهر لنا أن تدبير الله لا يأتي جزافاً دون تـنـسـيـق مـن طـرفـه، نـعـنـدمـا تعين أن يكون ابن الله إنساناً ، تعين أن يكون له بين الناس إخوة يـشـابـهـونـه في كل شيء، لكي عندما يظهر يكون بكراً بين إخوة كثيرين . وعندما تعين أن يكون بيننـا نـحـن البشر مـن يشابهون ابن الله ، صار ذلك مسبقاً بين الذين عرفهم الله قبل أن يولدوا : « قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك . » (إر1: 5)

 «لأن الذين ” سبق فعرفهم “ سبق فعينهم » :

واضح أن ذهن ق . بـولـس مـتـأثـر بالترتيب الكنسي الليتورجي : فمن الذين تعرفهم الكنيسة جيدا تدعوهم للمهام . والذين تدعوهم تجري عليهم طقس الرسامة أي التقديس أي حمل بر الله ، أي تبررهم والذين تبررهم تجلسهم على كراسي التعليم وتضفي عليهم هالة من التمجيد.

هـنـا سـبـق الـتـعيين هو على قياس الرسامة أو تحديد الوظيفة أو الهبة الروحية كما جاءت في الرسالة إلى أفسس : «إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته . » (5:1) حيث سبق التعيين يأتي قبله بالضرورة سبق المعرفة وهي المساوية للاختيار: «كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم» (أف1: 4). فاختيار الشخص المناسب لوظيفة الكاهن الذي هو نتيجة معرفتنا له جيداً يتم قبل تعيينه أي رسامته . فالمعرفة تأتي قبل التعيين .

يلاحظ في هاتين الآيتين أن الغرض الأساسي عند ق. بولس فيهما هو تقصي حقيقة هؤلاء الذين «يحبون الله »، من أين جاءوا وإلى أين هم واصلون !! فهو يرى أن أعضاء الخليقة المفدية الذين لهـم بـا كـورة الروح الذين صاروا في المسيح بالإيمان واتحدوا بالمسيح في المعمودية وماتوا معه وقاموا لما مات وقام، هؤلاء لم يلق بهم التاريخ في طريق المسيح جزافاً ، ولا أعطاهم العالم هدية منه إلى المسيح، بل هـم كـانـوا مع المسيح قبل أن يظهر المسيح ولما تعين ابن الله للخلاص في الأزمنة الأزليـة تعينوا فيه للخلاص ، ولما تقرر أن يلبس صورة إنسان ويصير ابن الإنسان تقرر أن يـلـبـسـوا هـم أيضاً معه صورة بنوته لله ، ويصيروا أبناء الله . فالخلاص لما تقرر، تقرر معه المخلص والمخلصون والمقدس والمقدسون. ولما رسم الفادي ، رسم معه المفديون : « باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح، كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة، إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته … الذي فيه أيضا نلنا نصيباً معينين سابقاً حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته … نحن الذين قد سبق رجاؤنا في المسيح . » (أف1: 3-5 و11و12)  

وعـنـدمـا يـسـتـقر ق . بولس معنا أننا هكذا نحن مباركون سابقاً من السماء وأن لنا تاريخاً مع المسيح في الفداء قبل التاريخ وقبل تأسيس العالم ، وأننا تعينا أن نكون قديسين و بلا لوم قدامه ، وأن رجاءنا الذي نعيش به الآن قد سبق وأن منح لنا قبل أن نكون ، حينئذ ننتبه أن جهادنا الآن وآلامنـا وضيقاتنا التي توجد فيها كل يوم هي محسوبة على قدر الغاية والقصد الذي تم به اختيارنا وتـعــيـنـنـا وتـة ديـسـنـا في المسيح قبل أن نوجد . فآلامنا ليست جزافاً وضيقاتنا مهما بلغت حدود الاخـتـنـاق والموت محسوبة، ولا تأتينا كأنها بلا ترتيب أو تدبير أو كأنها خارج قصد ومسرة مشيئة الله ؛ بل هي في صـمـيـم خلاصنا موضوعة ، ومرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالغاية النهائية التي سنبلغها في المسيح . وهكذا كل الآلام والضيقات لا تأتينا من خلف كأنها خلسة، ولكنها تعترضنا من الأمام بكل جراءة وكأنها آلام وضيقات رسمية أخذت حق العراك والمواجهة معنا، تماماً كما أخذنا حق نوال الخلاص والفداء مع المسيح . فالآلام ليست غريبة عنا ، كالخلاص تماماً ، فهو ليس غريباً علينا . فإن كان لنا حق الخلاص والفداء ، فللآلام حق الصدام معنا . فإن استكثرنا الآلام، استكثر الخلاص علينا . فإن أقبلنا على الآلام بالرضى والشكر، أقبل علينا الخلاص بنفس الرضى والسرور من قبل معطيه . بل نستطيع أن نقول للذين عرفوا هذا السر الآن أنه قد حق لنا أن نقبل على الآلام والأحزان والـضـيـقات التي يلقيها علينا العالم وكأنها غنيمة، لأننا بها نغتنم الخلاص والمـلـكـوت . فإن أردنا أن نغتصب الملكوت ونختطفه ، فعلينا أن نجري وراء الآلام وكأننا تغتصبها لأنفسنا. فآلام الصليب محبوبة بل معشوقة عند محبي الخلاص ! وإن كان في هذا تهويل ، فهو تـهـويـل صـادق والذي قال به هو المسيح : «من أراد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني» (مر٣٤:٨). ومن هذا المنطلق يقول يعقوب الرسول : « احسبوه كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة . » (یع1: 2)

«مشابهين صورة ابنه » :

هـكـذا يـولـدون أبناء الله على صـورتـه بالمعمودية في شركة الموت ، ويصيرون إخوة على صورته بـالـقـيـامـة حيث يكون المسيح بينهم كبكر قائم من الموت بين إخوة قائمين معه من ذات الموت : « الذي هو البداءة بكر من الأموات لكي يكون هو متقدماً في كل شيء. » (کو1: 18) 

على أن التحول إلى صورة المسيح لا يكون الآن وفي هذا العالم بحسب الصورة في المجد؛ بل بحسب الصورة على الصليب التي هي في الوضع الإسخاتولوجي هي هي صورة المجد بعينه . . فالآلام ـ بحسب تـعـلـيـم الإنجيل ووصاياه ـ هي التي تعطينا صورة المسيح التي نحن في أشد الحاجة إليها : «يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضاً إلى أن يتصور المسيح فيكم . » (غل4: 19)

ولـكـن ق. بولس في الحقيقة يركز على الوضع النهائي الذي نبلغه من تحقيق صورة المسيح : «نتغير إلى تلك الصورة عينها مجد إلى مجد كما من الرب الروح » (2کو18:3)، « ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه . » (کو3: 10)

لأن منتهى قصد ق. بولس في إعطائنا صورة المسيح هو التأكيد على كمال بر الله الممنوح للإنسان لبلوغ هذا المنتهى، لأن في هذا تكميل مشيئة مسرة الله من نحو الإنسان الذي استكفى شقاء:

 «لأن الذين ” سبق فعرفهم “ سبق فعينهم » : 

واضح أن ذهن ق. بولس مـتـأثـر بالترتيب الكنسي الليتورجي : فمن الذين تعرفهم الكنيسة جيداً تدعوهم للمهام . والذين تدعوهم تُجري عليهم طقس الرسامة أي التقديس أي حمل بر الله ، أي تبررهم والذين تبررهم تجلسهم على كراسي التعليم وتضفي عليهم هالة من التمجيد .

هـنـا سـبـق التعيين هو على قياس الرسامة أو تحديد الوظيفة أو الهبة الروحية كما جاءت في الرسالة إلى أفسس : «إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته . » (5:1) حيث سبق التعيين يأتي قبله بالضرورة سبق المعرفة وهي المساوية للاختيار: «كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم» (أف1: 4). فاختيار الشخص المناسب لوظيفة الكاهن الذي هو نتيجة معرفتنا له جيداً يتم قبل تعيينه أي رسامته . فالمعرفة تأتي قبل التعيين .

يلاحظ في هاتين الآيتين أن الغرض الأساسي عند ق . بولس فيهما هو تقصي حقيقة هؤلاء الذين «يحبون الله »، من أين جاءوا وإلى أين واصلون !! فهو يرى أن أعضاء الخليقة المفدية الذين لهـم بـاكـورة الروح الذين صاروا في المسيح بالإيمان واتحدوا بالمسيح في المعمودية وماتوا معه وقاموا لما مات وقام، هؤلاء لم يلق بهم التاريخ في طريق المسيح جزافاً، ولا أعطاهم العالم هدية منه إلى المسيح، بل هـم كـانـوا مع المسيح قبل أن يظهر المسيح ولما تعين ابن الله للخلاص في الأزمنة الأزلـيـة تـعينوا فيه للخلاص، ولما تقرر أن يلبس صورة إنسان ويصير ابن الإنسان تقرر أن يـلـبـسـوا هـم أيضاً معه صورة بنوته الله ، ويصيروا أبناء الله . فالخلاص لما تقرر، تقرر معه المخلص والمخلصون والمقدس والمقدسون. ولما رسم الفادي ، رسم معه المفديون : « باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح، كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة، إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته … الذي فيه أيضا نلنا نصيباً معينين سابقاً حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته …نحن الذين قد سبق رجاؤنا في المسيح .» (أف1: 3-5 و11و12) 

وعـنـدمـا يـسـتـقر ق . بولس معنا أننا هكذا نحن مباركون سابقاً من السماء وأن لنا تاريخاً مع المسيح في الفداء قبل التاريخ وقبل تأسيس العالم ، وأننا تعينا أن نكون قديسين و بلا لوم قدامه ، وأن رجاءنا الذي نعيش به الآن قد سبق وأن منح لنا قبل أن نكون ، حينئذ ننتبه أن جهادنا الآن والامـنـا وضيقاتنا التي توجد فيها كل يوم هي محسوبة على قدر الغاية والقصد الذي تم به اختيارنا وتـعـيـيـنـنـا وتـقـديـــنـا في المسيح قبل أن نوجد . فآلامنا ليست جزافاً وضيقاتنا مهما بلغت حدود الاخـتـنـاق والموت محسوبة، ولا تأتينا كأنها بلا ترتيب أو تدبير أو كأنها خارج قصد ومسرة مشيئة الله ؛ بل هي الخلاص في صميم خلاصنا موضوعة ، ومرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالغاية النهائية التي سنبلغها في المسيح . وهكذا كل الآلام والضيقات لا تأتينا من خلف كأنها خلسة ، ولكنها تعترضنا من الأمام بكل جراءة وكأنها آلام وضيقات رسمية أخذت حق العراك والمواجهة معنا، تماماً كما أخذنا حق نوال الخلاص والفداء مع المسيح . فالآلام ليست غريبة عنا، كالخلاص تماماً ، فهو ليس غريباً علينا . فإن كان لنا حق الخلاص والفداء ، فللآلام حق الصدام معنا . فإن استكثرنا الآلام ، استكثر الخلاص علينا. فإن أقبلنا على الآلام بالرضى والشكر، أقبل علينا الخلاص بنفس الرضى والـــرور من قبل معطيه . بل نستطيع أن نقول للذين عرفوا هذا السر الآن أنه قد حق لنا أن نقبل على الآلام والأحزان والـضـيـقات التي يلقيها علينا العالم وكأنها غنيمة، لأننا بها نغتنم والمـلـكـوت . فإن أردنا أن نغتصب الملكوت ونختطفه، فعلينا أن نجري وراء الآلام وكأننا نغتصبها لأنفسنا. فآلام الصليب محبوبة بل معشوقة عند محبي الخلاص ! وإن كان في هذا تهويل، فهو تـهـويـل صـادق والذي قال به هو المسيح : «من أراد أن يأتي وراثي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويـتـبـعـني» (مر34:8). ومن هذا المنطلق يقول يعقوب الرسول : « احسبوه كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة . » (يع1: 2)

«مشابهين صورة ابنه » :

هـكـذا يـولـدون أبناء الله على صـورتـه بالمعمودية في شركة الموت ، ويصيرون إخوة على صورته بـالـقـيـامـة حيث يكون المسيح بينهم كبكر قائم من الموت بين إخوة قائمين معه من ذات الموت : « الذي هو البداءة بكر من الأموات لكي يكون هو متقدماً في كل شيء. » (کو1: 18)

على أن التحول إلى صورة المسيح لا يكون الآن وفي هذا العالم بحسب الصورة في المجد؛ بل بحسب الصورة على الصليب التي هي في الوضع الإسخاتولوجي هي صورة المجد بعينه . . . فالآلام ـ بحسب تـعـلـيـم الإنجيل ووصاياه ـ هي التي تعطينا صورة المسيح التي نحن في أشد الحاجة إليها : «يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضاً إلى أن يتصور المسيح فيكم . » (غل4: 19)

ولـكـن ق. بولس في الحقيقة يركز على الوضع النهائي الذي نبلغه من تحقيق صورة المسيح : «نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح » (2کو18:3)، « ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه . » ( کو3: 10)

لأن منتهى قصد ق. بولس في إعطائنا صورة المسيح هو التأكيد على كمال بر الله الممنوح للإنسان لبلوغ هذا المنتهى، لأن في هذا تكميل مشيئة مسرة الله من نحو الإنسان الذي استكفى شقاء:

+ «وكما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضاً صورة السماوي . » (1کو15: 49).
+ «الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده ، بحسب عمل استطاعته أن يخضع لنفسه كل شيء. » (في21:3).
+ «أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون ؛ ولكن نعلم أنه إذا أظهر،
نكون مثله لأننا سنراه كما هو. » (1يو2:3)

كل هذا يوضح أن الخلاص والفداء الذي أكمله المسيح لحساب بر الله المعطى لنا سينتهي بأن نأخذ صورة المسيح في المجد: «لنكون مشابهين صورة ابنه » . والقديس بولس يهدف من هذا أن يجمع البشرية المفدية معاً ومع المسيح في وضعها النهائي المتبرر ببر الله وقد أصبحت كلها ولها صـورة ابـنـه ! هذه غاية الله العظمى من أجل الإنسان التي تكشف مدى الحب الشديد الذي برح بقلب الله مـن نـحـو جـبـلته التي خلقها يوماً على صورته وقد آل على نفسه أن يعيدها إلى أكثر مما كانت، قرباً إليه وشبها به، وإقامة سعيدة مخلدة في حضرته العليا .

« ليكون هو بكرا بين إخوة كثيرين»: 

في الحقيقة إن لقب «بكر» أعطي للمسيح خلوا من ولودة أو ميلاد وخلوا من نسل أو تناسل ، قد أعـطـاه الـوحـي هـذا اللقب خالصاً مخلصاً على فم داود دون سابقة : «هو يدعوني أبي أنت، إلهي وصخرة رجائي، أنا أيضاً أجعله بكراً أعلى من ملوك الأرض.» (مز89: 26و27)

إذا فلقب البكر يحمل معنى «الابن الوحيد القدوس»، لأن هذه صفة البكر. والله لم يدع بهذا اللقب أحـداً قبله ولا أحداً بعده ، فهو « البكر الوحيد أو الابن الوحيد البكر». هذا بحسب تقنين الله في تسمية المسيا ولقبه. ويلاحظ الجمع بين الاثنين فإنه يعطي انطباعاً قوياً على معنى البكر: « هو يدعوني أبي أنت وأنا أجعله بكراً». فهو إذا ابن الله البكر القدوس .

هذا هو الأصل في تسمية المسيح بـ «البكر»، فهي تسمية إلهية وليست تحصيل ولودة، وقد شاعت هذه التسمية أو هذا اللقب بالنسبة للمسيا حتى قبل أن يتجسد المسيح أو يولد . 

والسؤال : لماذا أعطى الله المسيا الآتي لقب «البكر»، وما هي جذور هذه التسمية تاريخياً ؟ الأصل في هذه التسمية هو أن الله أعطاها لإسرائيل أولا أول ما أعطى، دون سابق مفهوم عن ولادة أو تـقـديـس لـفـاتـح الـرحـم، لأن هذا اللقب أعطاه الله لإسرائيل قبل أن يعطي الناموس ، و بالتالي قبل أن يحدد من هو البكر للإنسان وطقس تقديسه الله . « فتقول لفرعون هكذا يقول الرب إسـرائـيـل ابـنـي الـبـكـر، فقلت لك: أطلق ابني ليعبدني …» (خر4: 22و23). ليلاحظ القارىء هنا باهتمام أن الله يدعو إسرائيل الشعب ابنه البكر. هنا لا مجال لميلاد ولا ولودة. هذا الشعب أخذ صفة «الابن البكر الله » دون أن يكون له مع الله أية علاقة جسدية أو روحية بعد تستوجب هذا اللقب . فالتسمية من جانب واحد وهو الله ، كأول خطوة من جهته في تبني الإنسان والتي ستتم في المسيح .

ومعروف أن «المسيا» صار هو «إسرائيل الجديد » الذي انتقل إليه اللقب من التعبير عن الجنس اليهودي إلى المسيا الذي يمثله بالروح . فصار المسيا هو «ابني البكر»!!

فلما ولد المسيح من العذراء كان هو الابن البكر، لا لأنه فاتح رحم كما يقول الناموس ؛ بل لأنه كان الابـن الـوحـيـد، فـالـعـذراء ولدته كما حملت به بسر إلهي يفوق الطبيعة. وهكذا انطبق اللقب الإلهي للمسيا الابن البكر الله مع الواقع البشري الابن البكر للإنسان، وصار ذلك المفهوم معروفاً للإنجيليين والتلاميذ : « المسيح الابن البكر الأزلي الله » .

أمـا الـوصـيـة : « وكلم الرب موسى قائلاً: قدس لي كل بكر فاتح رحم من بني إسرائيل .. إنه لي» (خر13: 2)، فـتـكـاد تكون هي الصورة المنحدرة من تسمية الله لإسرائيل قبلا كشعب ، بـاعـتـبـار أن كـل بـكـر يمثل الأسرة و بالتالي الإنسان ككل يمثل شعب إسرائيل . لذلك فإن اللقب الأول الذي أعطاه الله لإسرائيل يعتبر هو الأصل الثابت الوحيد لكلمة «البكر»، لأن البكر هنا هو بكر الله أصلاً وليس بكر الإنسان: « إسرائيل ابني البكر!» (خر22:4)

والله لـيـس جـزافاً لقب شعب إسرائيل أصلاً بـ ” ابني البكر، فهو الشعب الذي سيولد منه المسيا، فالشعب أخذ مقدماً لقب الابن الحقيقي الله الذي سيولد منه ، و وكأنما عطف الله على الشعب وإعطاؤه لقب ابنه الخاص الذاتي، كان من واقع صلة الله بالمسيا المتمثل أمامه والذي يمثل الشعب بالحقيقة وسينوب عنه .

ولأن المسيح هو ابن الله، وهو الابن الوحيد “المونوجانيس “، فهو حتما بكر ! فـ «بكر» هنا هو «لقب الـوحـيـد» لقب المونوجانيس! إذا البكر والمونوجانيس كلمتان ذات مدلول واحد ، فالبكر بالنسبة الله معناه الابن الوحيد، ولأنه الابن الوحيد فهو بكر! بهذا يكون مفهوم البكر بالنسبة للمسيـا هـو الابن الوحيد القدوس الله . البكر كلقب والوحيد كصفة جوهرية. من هنا جاء لقب البكر والوحيد بالنسبة للمسيح .

ثم نأتي إلى علاقة المسيح ابن الله البكر والوحيد بالمفديين . نجد أن بولس الرسول يقول :

«الروح نفسه أيضاً يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله، فإن كنا أولاداً فإننا ورثة أيضاً. ورثة الله ووارثون مع المسيح » (رو8: 16 و17). لماذا ؟ لأن المسيح (المسيا) ابن الله « البكر» والوحيد يتحتم أن يكون بحسب المنطق عندنا وارثاً لأبيه. فالآن نحن إذ صرنا أولاداً الله ، فقد صرنا ورثة الله بـالـضـرورة مع الابن البكر الوحيد. ونحن صرنا أولاد الله ليس بدون المسيح ؛ بل باتحادنا بالمسيح ، لأننا صرنا شركاء في بنوته الله، الله نفسه تبنانا في ابنه وبذلك صرنا أيضاً شركاء بكوريته الله وشركاء ميراثه. لهذا سمي المفديون باعتبارهم الكنيسة، بـ”كنيسة الأبكار»: «كنيسة أبكار مكتوبين في السموات . » ( عب12: 23)

لذلك حـيـنـمـا يقول ق. بولس : «بكر بين إخوة كثيرين»، فهي أيضاً تعني بكر على كنيسة أبـكـار. فـكـمـا تحـول لقب إسرائيل كـ «بكر» من الشعب ( « ابني البكر») إلى المسيا، هكذا انتقل لقب الشعب من إسرائيل إلى الكنيسة إلى المفديين بدم البكر «كنيسة أبكار» .

ثـم بـالـعـودة إلى اللقب الإلهي الممنوح للمسيا : «أنا أجعله أيضاً بكرا أعلى من ملوك الأرض» (مز89: 26و27)، نرى هنا لقب البكر يعلو ويفوق على ملوك الأرض، وبهذا المعنى والأسـلـوب تماماً يـقـول ق. بولس: «بكر كل خليقة» (كو1: 15)، بمعنى ” أعلى من كل خليقة » كونه «بكر الله». فإن صلته العليا بالله كابن بكر تفوق وتعلو وتسمو على كل خليقة.

وهكذا نجد على المدى أن صفة البكر تبدأ تأخذ الأعلى والأسبق والأول بعيداً عن مفهوم الـبـكـر بالنسبة للبنوة. فيقال هكذا: «بكر من الأموات ». هنا تراجعت صفة البكر من تلازمها مع الابن وأخذت تلازمها على أساس الأسبقية والأولوية. كذلك فإن : «بكر كل خليقة» هنا تعني الأولوية والأسبقية، وفي نفس الوقت السيادة والميراث، لأن «البكر» كصفة للمسيح ابن الله : له ترجع نسبتها الله وليس للخليقة. من هنا جاء قول سفر العبرانيين : «جعله وارثاً لكل شيء»، لأنه ابنه بالطبيعة، ولأنه «بكره باللقب » . فهو سيد الخليقة ووارثها .

ويلاحظ بحسب أبحاث العالم لايتفوت أن جميع آباء القرنين الثاني والثالث نسبوا صفة البكر للمسيح قبل تجسده ـ أي بالنسبة للاهوته وليس لناسوته ـ كما جاء في مزمور89. مثل القديسين يوستين وثاؤفيلس واكليمندس الإسكندري والعلامة ترتليانس وهيبوليتس وأوريجانس وكبريانس ومجمع أنطاكية.

ولـكـن بـعـد قـيـام هرطقة أريوس اضطر الآباء بسبب تمسك أريوس بعبارة «بكر كل خليقة »  كذريعة لادعائه أن المسيح مخلوق مثلها ، أن ينسبوا «بكر كل خليقة» إلى وضع الناسوت أي ميلاده كبكر العذراء. وهذا أضعف الإيمان، مع ضرورة رفع بالتالي معنى «كل خليقة» هنا إلى معناها الروحي أي «خليقة روحية». وهنا جاءت بالتوازي مع «بكر بين إخوة كثيرين» التي نحن بصددها (رو29:8)، «إذا إن كان أحد في المسيح فهو “خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت ، هوذا الكل قد صار جديداً » ( 2کو5: 17). «لأنه في المسيح يسوع ليس الختان ينفع شيئاً ولا الغـرلـة بـل “الخليقة الجديدة“» (غل6: 15). وبكر الخليقة الجديدة واضح في قيامة يسوع المسيح من الأموات، فهو كان أول، أو بكر الراقدين الذي قام بخليقة جديدة : « هو البداءة بكر من الأموات . » (کو1: 18)

ولـكـن مـن واقع وضع لقب البكر في مواضع هامة وحساسة جداً كما جاءت في الأسفار، فإنه كلقب لا يحتمل قط نسبته إلى الناسوت بأي حال من الأحوال كما جاء : « وأيضاً متى أدخل “البكر إلى العالم يقول : ولتسجد له كل ملائكة الله … أما عن الابن كرسيك يا الله إلى دهر الدهور» (عب1: 6و8). هذا عن تجسده، فهو صاحب ” بکر“‘ قبل تجسده !!!

 فالآن أن اسـتـوفـيـنـا عـلـو معنى البكر كلقب كرامة للمسيح منسوب إلى الله « ابني الـبـكـر» ، نفهم من هذا قصد ق . بولس تماماً لماذا يقول : «سبق فعرفهم ، وسبق فعينهم» مع بقية الإجراءات الأخرى في الآية (30). إنـه بـررهـم ومجدهم أيضاً، كل هذا ليكونوا مشابهين صورة الابـن ويـكـون الابن «بكراً بين إخوة» ، نظراء في القداسة والمجد والبنوة الله . هذا كله ليبلغ ق . بـولـس مـقـصـده النهائي في إعطاء صورة كاملة لما عمله الله بمنح بره الخاص لنا في شخص يسوع المسيح ، حتى إننا بلغنا برحمة الله ونعمته وبره إلى مستوى المسيح حتى في المجد .

ولـيـلاحـظ القارىء أن بـدايـة خـلـقـة الإنسان كانت على «صورة الله خلقهم ذكراً وأنثى » (تك27:1)! وقد كان أن الإنسان بعد السقوط فقد القدرة أن يكون على صورة الله في شيء . فالآن إذ قد أكمل المسيح عمله واستطاع الله أن يعيد لنا صورتنا بأن نكون مشابهين صورة ابنه وأن يصبح هو البكر بين إخوة متناظرين ، فقد تمت معجزة الله العظمى وأكمل الله قصده الأزلي ونجح بر الله في إعادة الإنسان إلى صورة الله في المجد .

 

31:8 « فماذا نقول لهذا ؟ إن كان الله معنا فمن علينا » .

ق. بولس يختم الأصحاحات السالفة التي تتكلم عن العقبات والآلام والأعداء، فبعد أن أوضح كيف أن الله سبـق فعرفنا وسبق فعيننا لنكون مشابهين لصورة ابنه في القداسة والحق وفي المجـد أيـضـاً باعتبار ما سيكون من واقع امتلاكنا للمسيح وامتلاك المسيح لنا بالتجسد ثم بالشركة في مـوتـه وقـيـامـته والحياة الجديدة وعطية الروح القدس، يقول الآن إن كان الله هكذا معنا أو على الأصح لغوياً «لنا» أو حرفياً «في صفنا  » ، فمن ذا الذي يمكن أن يكون ضدنا ؟ والمعنى واضح أنه إن قـامـت ضـدنا كل العوامل المعاكسة والقوى المضادة وكل الآلام بأنواعها فماذا تصنع ضدنا وماذا تكون النتيجة إن كان الله نفسه معنا وفي صفنا ؟

أما كيف أن الله معنا فقد أوضحه سابقاً، سواء بالاتحاد بالمسيح أو بشكنى الروح القدس ولكنه يضيف على ذلك قوله :

32:8 «الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا أيضاً معه كل شيء ؟ »

هنا ق. بولس يجيب إجابة عامة عن السؤال الاستنكاري الذي قدمه في الآية السابقة، ولكنه يضعه في صورة معلومة مقطوع بها وكبديهية لا يشك فيها أحد، ولكنها عميقة ومتسعة، فالله بذل ابنه لأجلنا أجمعين يعني كل الخلاص والفداء أي كل الإنجيل .

ويلاحظ هنا أن ق. بولس يستعير كلام الله لإبراهيم عندما لم يشفق على ابنه وحيده حيث جاء التطابق باليونانية واضحاً : « وقال : بذاتي أقسمت ، يقول الرب ، إني من أجل أنك فعلت هذا الأمـر ولـم تمسك ابنك وحيدك » (تك22: 16)، هكذا وضعها بولس : « الذي لم يشفق على ( يمسك) ابنه  ». لذلك عندما أضاف ق. بولس : «كيف لا يهبنا أيضاً معه كل شيء»، وضح أنها المقابل لما قال الله لإبراهيم واعداً له بالبركة : «أباركك مباركة … ويرث نسلك باب أعدائه . » (تك 17:22)

والمعنى مختف ولكنه واضح المضمون. فقول ق. بولس : «كيف لا يهبنا معه كل شيء» تعرج كرد على أنه إن كان الله معنا أو في صفنا فمن علينا . هنا تلميح للأعداء، وهكذا تأتي في المقابل المحكم بقول الله لإبراهيم : «ويرث نسلك باب أعدائه». إذا فقول ق. بولس: «كيف لا يهبنا ه كل شيء»، وإن كانت قد جاءت بمفهوم العطاء الإيجابي بالبركة ولكنها تضمن أيضاً أنه يهبنا الـنـصـرة بكل أنواعها على الآلام والمضايقات والمعاكسات التي يسوقها العالم ضدنا. وهذا سيتضح جداً بعد ذلك في ذكر ق . بولس لكل أنواع الضيقات التي يمكن أن تخطر على البال.

8: 33-35  «من سيشتكي على مختاري الله؟ الله هو الذي يبرر!
من هو الذي يدين؟ المسيح هو الذي مات بل بالحري قام أيضاً الذي هو أيضاً عن يمين الله الذي أيضاً يشفع فينا .
من سيفصلنا عن محبة المسيح ؟ أشدة، أم ضيق، أم اضطهاد أم جوع أم عُري أم خطر أم سيف ؟ » .

هنا ق. بولس في هذه الثلاثة الأسئلة الاستنكارية ـ وكأنها أسئلة مستحيلة ـ التي يسألها والـرد حاضر في الـتـو عـلـيـهـا، يجمع فيها كل أنواع خصوم الإنسان المسيحي الشيطان، والناس الأعداء، والـضـيـفـات مع المخاطر وتهديد الموت ، ولكن في مواجهتها جميعاً يضع «إن كان الله معنا» فهو يبدأ بالذي يشتكي على مختاري الله، وواضح أنه هو الشيطان : « فطرح التنين العظيم الحية الـقـديمـة المـدعـو إبليس والشيطان الذي يضل العالم کله …وسمعت صوتاً عظيماً قائلاً في السماء … قد طرح المشتكي على إخوتنا الذي كان يشتكي عليهم أمام إلهنا نهاراً وليلاً . » (رؤ12: 9 و10)

ويأتي هنا الرد على السؤال الاستنكاري بخصوص أن الشيطان يشتكي علينا، بأن الله هو الـذي يـبـرر مقابل الذي يشتكي . بمعنى أن الله ليس فقط يبرىء المشكو في حقه من الشيطان بل والله نفسـه مـوجـود فينا : «إن كان الله معنا »، ويزيد بأنه يبرره بمعنى يمنحه بره الخاص، أي نعمته المجانية. وهكذا أصبحت شكوى الشيطان ليست لاغية وحسب بل إنها مستحيلة شرعاً لأن في مقابلها ينال المختار من الله مزيداً من نعمته .

والسؤال الثاني : من الذي يدين ؟ هذا سؤال مستحيل في نظر ق. بولس ، لأن المسيح خلصنا ورفع الـديـنـونة . ولكن إن كان الذي يدين هم الناس الأعداء والإخوة الكذبة، فالرد وماذا تكون قـيـمـة ديـنـونة الناس والذي سيدين الجميع هو المسيح الذي مات من أجلنا وقام وهو الآن عن يمين الله يشفع فينا منذ الآن؟ وهنا تكون استحالة أية دينونة تجوز علينا الآن وحتى في المستقبل والمسيح قد رفع عنا الدينونة بموته وقيامته ، وهوذا الآن يشفع أيضاً فينا !

والسؤال الثالث : «من سيفصلنا عن محبة المسيح (إن كان الله معنا ) ؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم غـزي أم خطر أم سيف، كما هو مكتوب، إننا من أجلك نمات كل النهار. قد حسبنا مثل غنم للذبح. ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا (أو يمكن أن تقرأ أفضل : نحن أعظم من منتصرين) بالذي أحبنا » . فكل هذه الآلام والأوجاع والضيقات حتى تهديد الموت يقابلها : «إن كان الله معنا » !! أو «نصيبي هو الرب قالت نفسي » (مز24:31). فكل أوجاع وضيقات وهموم العالم إذا وضعت في كفة ، وفي الأخرى كان «نصيبي هو الرب قالت نفسي» فقد صارت الأولى كلا شيء. بل كما قال ق . بولس أيضاً إن في هذه الميتات التي نموتها كـل يـوم وقـد حسبنا كغنم للذبح ، أعظم من منتصرين . أما كيف نصير أعظم من منتصرين فلأن الانتصار على الضيقات وراؤه مجد، ووراؤه عزاء بالله يفوق الوصف ، ووراؤه وجود في حضرة الله وثقة بالمجد الآتي .

 «من سيفصلنا عن محبة المسيح ؟ »:

محبة المسيح هنا هي محبتنا نحن للمسيح، لأن الضيقات والمشقات هي موجهة إلينا أصلاً من هذا العالم لكي تفصلنا عن المسيح وبالتالي عن محبته، فهي كلها مصوبة نحو إيماننا به وحبنا له .

فكل هذه الصنوف من الضيقات التي وإن بلغت حدود الموت، حتى وكل يوم، فإننا نجوزها منتصرين بسبب المحبة التي يسكبها فينا فتلاشي كل عداوات الدنيا من عيوننا وقلوبنا ، فمحبتنا له تجعلنا لا نحتمل فقط بل ونفرح بل ونفتخر في الضيقات، ومحبته لنا تجعلنا نغلب .

«أشدة»: 

الضغطة وأصلها من OtBo أي يضغط بالظلم والاضطهاد للاختناق، والتي يراد بها أن ننتهي وهي إلى الشقاء .

«أم ضيق»:

وهـي قـريـبـة مـن سابقتها ولكنها أعنف وأشد تضييقاً وتفيد المحاصرة، وهي أصلاً من جزئين ٦٤٧٥s أي ضيـق ( وتـأتـي بمعنى مستقيم)، و xapos تعني مكان، أي محاصرة الإنسان في مكان ضيق لا يفلت منه .

«اضطهاد»:

 

وهي اصلاً من ‏διώκω وتعني يتعقب ليلحق به ( الأذية) للتحطيم .

 

«جوع » : 

وهي من الفعل … أي ترك أو سقط أو خاب أو انحط وتأتي بمعنى انقطاع كل موارد الحياة، والجوع ضمناً .

«عُري»: 

وهي تعني بلا أي ثوب وأصل الكلمة باليوناني يعني لم يبق فيه إلا أعضاء (عارية) = ‏γυμνὰ μόνα ἔχων

«خطر»: 

حالة بلوغ أقصى الحيرة والاضطراب والفزع والإزعاج وهي مشتقة من  = يحرك (أي يولد) الآلام وتفيد الكرب مع الغم .

«سيف»: 

وتفيد الذبح. أي القضاء المبرم على الحياة بإطاحة الرأس من فوق الرقبة ! وهي تشير إلى عقوبة السلطان، فكلمة “السيف ” في هذه الرسالة تفيد عموماً السلطة العليا (رو13: 4).

36:8 «كما هو مكتوب إننا من أجلك ثمات كل النهار. قد حسبنا مثل غنم للذبح » .

المـكـتـوب هـنـا هـو المـزمـور ٢٢:٤٤: «لأننا من أجلك ثمات اليوم كله قد حسبنا مثل غنم للذبح»، وقد نقله ق. بولس بالنص . وهو صورة نبوية منذ القديم عما يقدمه العالم لأولاد الله في كل زمان .

۳۷:۸ « ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا » .

حياة المسيحي لـم تـعـد غـرضة لتيارات العالم لكي تهبط تحت ثقله وترتفع بناء على رحمته الـكـاذبـة، بل هي دائماً منتصرة وأعظم من منتصرة في الضيق كما في السعة لا فرق: «لأننا إن عشنا فللرب نعيش وإن متنا فللرب نموت ، فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن» (رو٨:١٤). لقد انـتـقـلت سيرة المسيحي من سجلات الزمن الذي يرفع ويذك إلى سجلات السماء المرفوعة دائماً في يمين العلي :
« فإن سيرتنا نحن هي في السموات . » (في ٢٠:٣)
«من لي في السماء ومعك لا أريد شيئاً في الأرض . » (مز٧٣: ٢٥)

« في العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم .» (يو16 : 33)

أنظر أيها القارىء وتمعن : هنا الغلبة إزاء الضيق أو في الضيق والغالب لنا هو المسيح : فـالـنـصـرة مـضـمـونـة لـنـا تماماً بالمسيح كما يضمن العالم لنا حياة التعذيب : «فلا بد أن تأتي العثرات» (مت۷:۱۸)، «بضـيـقـات كـثـيـرة ينبغي (يتحتم) أن ندخل ملكوت الله . » (أع ١٤ : ٢٢)

8: 38و39 «فـإنـي مـتـيـفن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات، ولا أمـور حـاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق، ولا خليقة أخرى ، تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا » .

هكذا يروي بولس الرسول حصيلة اختباره بيقين من عبر التجربة، أنه بنعمة الله وبعمل الروح الـقـدس ، ومحبة المسيح، لا خـوف مـن مـوت ، ولا تعلق بحياة، لا ملائكة شياطين ولا رؤساء وسلاطين مضرين، ولا قوات تعمل في الظلام، تعمل ما تعمل الآن في الحاضر أمام أعيننا، مقاومة لنا وللمسيح الذي فينا، ولا حتى ما يتهددنا في المستقبل. كذلك لا غلو المجد الكاذب يغرينا للـتـرك والتخلي ، ولا عـمـق التجاهل والردع لإلغاء اسمنا ووجودنا بين الناس يرهبنا للاستسلام والـتـراجـع ، ولا تخـويـفـنـا بخلائق تعبث بمصائرنا . هذه كلها مجتمعة لا تقدر أ أن تفك علائق الحب المـنـسـكـب عـلـيـنـا من الله في المسيح يسوع الذي ارتبطنا به بحبنا كل الحب من كل القلب . ولا يتزعزع إيماننا بالذي داس كل هذه الأعداء تحت قدميه .

وقفة قصيرة في نهاية الأصحاح الثامن

لم يقدم لنا ق. بولس في هذا الأصحاح مجرد دراسة منمقة، ولكن خبرة تمخصت بالنار في آلام وتجارب عـددهـا بـتـعـداد خبرتها وقدمها لنا مصبوبة في قالب لاهوتي محكم ، هو من واقع رؤيته الـروحـيـة العميقة والمسنودة بالإعلان الصادق . ثم وبالنهاية يعطينا تاج خبرته كأعلى انتصار يمكن أن يبلغه إنسان على الأرض لأنه من واقع أقسى تجربة دخلها إنسان وهو واقع تحت اضطهاد مؤلم لا يرحم ، من الشيطان حتى إلى ضرب الجسد، ومن شعبه حتى إلى مطاردة الموت ، من الطبيعة مساقة بـالـذي يـسـلـطـهـا ضـد من يقف قبالته في البر والبحر والجبل والسهل والوعر دون هوادة و بالنهاية يقول :

«نحن أعظم من منتصرين ! »

تفسير رومية 7 تفسير رسالة رومية تفسير العهد الجديد تفسير رومية 9
 القمص متى المسكين
تفاسير رسالة رومية تفاسير العهد الجديد