رو8: 18 فإنى أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا

 

فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا.“(رو8: 18)

+++

تفسير القديس يوحنا ذهبي الفم

” فإنى أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا” (رو18:8).

لأنه إن كان في الكلام السابق، يطلب من الإنسان الروحي أن يصحح السلوك، من خلال الكلام الذي قاله: إنه من الواجب على الإنسان الروحي أن لا يعيش حسب شهوات الجسد، لكي ينتصر على الشهوة، وعلى الغضب، وعلى محبة المال، وعلى الغرور، وعلى الحسد، فقد ذكره هنا بالعطية الكاملة، سواء التي أعطيت أو التي سوف تعطي، وبعدما أنهضه ورفعه عاليا بالرجاء، وضعه بالقرب من المسيح، وبرهن له على أنه وريث مع الابن الوحيد الجنس، وبجرأة فائقة يقوده إلى المعارك والانتصار على الشهوات التي هي في داخلنا. وهذه تختلف عن المعاناة التي نجوزها بسبب التجارب مثل: الجوع، والسلب، والسجن، والقيود، والنهب. فهذه الأمور تحتاج إلى نفس قوية وشجاعة.

لاحظ كيف أنه في نفس الوقت يضبط ويسمو بفكر أولئك الذين يجاهدون، لأنه عندما يظهر عظمة المكافآت، مقارنة بالمتاعب، حينئذ يحث بالأكثر، ولا يترك مجالاً للتباهي. فالمكافآت العظيمة تجعلهم ينتصرون. وي موضع آخر يقول: “لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبديا. ويصف هنا الضيقة أنها خفيفة، لأن كلمته كانت موجهة بالأكثر إلى مصارعين حُكماء، وهكذا يجعل الضيقة خفيفة بالمكافآت التي ستُعطى في الدهر الآتي، قائلاً: “فإنى أحسب أن آلام الزمان الحاضر ” ولم يقل، بالمقارنة براحة الدهر الآتي، ولكن قال ما هو أكبر بكثير ” لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا “. لأنه حيث توجد راحة، لا يوجد على كل حال مجد، لكن حيث يوجد مجد، يوجد في كل الأحوال راحة. ثم بعد ذلك لأنه تحدث عن المجد العتيد، يبرهن كيف أن هذا المجد، يوجد من الآن. لأنه لم يقل، مقارنة بما سوف يتحقق، ولكن “لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن”، فهو موجود الآن، لكنه مستتر، الأمر الذي قاله في موضع آخر بأكثر وضوح أن: ” .. حياتكم مستترة مع المسيح في الله “٢٩٥. إذا ليكن لك ثقة من جهة هذا المجد العتيد، لأنه منذ الآن هذا المجد ينتظرك كمكافأة لأتعابك، لكن لو أن هذا المجد الذي سوف تناله في الدهر الآتي يسبقه ضيق في الحاضر، فليتك تفرح لأجل هذا الأمر، من حيث إن ذلك يعتبر مجداً عظيما ولا يوصف، ويفوق الحالة الحاضرة، وهو محفوظ لنا في السموات. ومن المؤكد أنه لم يشر إلى عبارة ” آلام الزمان الحاضر” مصادفة، بل لكي يظهر كيف أن المجد العتيد هو أسمى من المجد الحاضر، لا من حيث النوعية فقط، ولكن من حيث المقدار أيضا. لأن هذه الآلام أيا كانت ترتبط بالحياة الحاضرة، بينما خيرات الدهر الآتي تمتد إلى الدهور الأبدية. هذه الخيرات، لم يستطع أن يتحدث عنها بشكل منفصل، ولا أن يعرض لها بالكلام، بل وصفها بتلك العبارة التي من الواضح أنها محببة لنا بشكل خاص، فقد دعاها بالمجد، لأن المجد يعد قمة وقاعدة هذه الخيرات. لكنه قد ارتفع بالمستمع بشكل مختلف وتحدث عن الخليقة بشكل عظيم، بهدف أن يوضح، أمرين: من خلال الأمور التي سيطرحها، وهي إحتقار الأمور الحاضرة، واشتهاء أمور الدهر الآتي. وهناك أمر ثالث، أو من الأفضل أن نعتبره الأول، إنه يظهر كيف أن الجنس البشري محبوب جدا لدى الله، ويظهر أيضا مقدار الكرامة التي يقود الطبيعة الإنسانية إليها. لكن بالإضافة إلى كل هذا، فكل تعاليم الفلاسفة التي صاغوها عن هذا العالم، قد أسقطها مثل العنكبوت وألعاب الأطفال الهشة، بواسطة هذا التعليم المحدد. لكن لكي تصير هذه الأمور أكثر تحديدا، لنستمع بالتدقيق للكلمة الرسولية ذاتها :

5 . ” لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله. إذ أخضعت الخليقة للبطل. ليس طوعا بل من أجل الذي أخضعها على الرجاء ” (رو19:8۔20).

فاصل

تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي

سبق فحدثنا عن “ناموس الروح” مبرزًا عمل الله فينا، أنه يعتقنا من الدينونة إن سلكنا بالروح القدس وليس حسب شهوات جسدنا، ويهبنا اهتمام الروح الذي هو الحياة والسلام، وننعم بسكنى السيد المسيح فينا فيهبنا برّه، وننعم بعربون القيامة عاملاً فينا، ونشعر بالدين نحو الروح الذي يهبنا البنوة لله والميراث مع المسيح والشركة معه. الآن يحدثنا عن عمل الروح فينا وأثره حتى على الخليقة غير العاقلة، مبرزًا ترقب العالم المخلوق من أجلنا لعودتنا إلي الأحضان الإلهية كأبناء لله بعد أن تركناه زمانًا فسببنا للأرض اللعنة وللخليقة فسادًا. هذا من جانب، ومن جانب آخر إذ نعود الآن لنختبر عربون الروح بقيامة نفوسنا من موت الخطية تتمتع أيضا أجسادنا بهذه القيامة مترقبة يوم الرب العظيم بصبرٍ ليعيش الإنسان بكليته، نفسًا وجسدًا، في كمال قوة القيامة أبديًا. ولئلا يستصعب المؤمن هذا أكدّ دور الروح القدس نفسه، واهتمامه بنا، لتحقيق هذا العمل فينا.

أولاً: بدأ الرسول حديثه بالقول: “فإني أحسب أن الآم الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا” [18].

وضع هذه العبارة كخاتمة للحديث السابق وافتتاحية للحديث الجديد، فإنه إذ كان يتحدث عن “برّ المسيح” وارتباطه بناموس الروح، كاشفًا عن عمل الروح فينا، خاصة البنوة لله والتمتع بالميراث أراد أن يوضح أن حياتنا مع الله ليست هروبًا من الضيق والألم الحاضر، وإنما هي ارتفاع على الآلام الحاضرة خلال انفتاح القلب علي المجد الأبدي. وكأن الرسول بعد أن عرّفنا علي عطايا الله غير المدركة إذا به يقودنا بثقة وسط آلام هذا الزمان وأخطاره، معلنًا أن اتحادنا مع الله بروحه القدوس في ابنه لا يغير الظروف المحيطة بنا بل يهبنا اتساعًا في القلب والفكر وقوة للنفس لتجتاز كل الظروف بنبلٍ من أجل الأمجاد الأبدية.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم علي هذه العبارة قائلاً: [لاحظ كيف يهدئ روح المصارعين ويرفعها في نفس الوقت، فإنه بعد ما أظهر أن المكافآت أعظم من الأتعاب، يحثهم لاحتمال متاعب أكثر دون أن يستكبروا، إذ لا يزالوا يغلبون لنوال الأكاليل كمكافأة لهم. في موضع آخر يقول: لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجًد أبديًا”(2 كو 4: 17). هنا لم يقل إن الآلام خفيفة، لكنه يربط الآلام بالراحة خلال إعلان المكافأة بالصالحات العتيدة. “فإني أحسب أن الآلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا” [18]… لم يقل “المجد الذي سيكون لنا” وإنما “يُستعلن فينا”، كما لو كان المجد فينا فعلاً لكنه لم يستعلن بعد… هذا أوضحه أكثر في موضع آخر: “حياتنا مستترة مع المسيح في الله” (كو 3: 3)… هذه الآلام ـ أيًا كانت ـ مرتبطة بحياتنا الحاضرة، أما البركات القادمة فتبلغ عصورًا بلا حدود.] 

هذا الحديث الرسولي عن المجد الأبدي الذي يُستعلن فينا خلال الآلام الزمنية المؤقتة ألهب قلب المؤمنين للانطلاق بالحب الإلهي على مستوى سماوي يرفع نفوسهم فوق كل ألم وضيق أو طلب خير زمني أو بركة مؤقتة: 

v المحبة لا تجد شيئا ثقيلاً؛ الغيور لا يعرف عملا صعبًا. تأمل ما احتمله يعقوب من أجل راحيل المرأة التى وُعد بها، إذ يقول الكتاب المقدس: “فخدم يعقوب براحيل سبع سنين، وكانت في عينيه كأيام قليلة بسبب محبته لها (تك 29: 20). لقد أخبرنا بنفسه بعد ذلك عما احتمله: “كنت في النهار يأكلني الحرّ في الليل الجليد (تك 31: 40). هكذا يليق بنا أن نحب المسيح ونطلب على الدوام قبلاته، وعندئذ يبدو كل صعب سهلاً لنا، وما هو طويل يصير قصيرًا.

لنُضرب بسهام حبه (مز 120: 5) فنقول في كل لحظة: الويل لي فإن غربتي قد طالت عليّ” (مز 120: 5).

v إن تطلعت أن ترث خيرات العالم لا تقدر أن تكون شريكًا مع المسيح في الميراث.

v إنك طماع للغاية يا أخي، إذ تود أن تبتهج بالعالم هنا وتملك مع المسيح هناك.

القديس جيروم

v [إلى المُقدمين للاستشهاد في المناجم:]

إنكم تنتظرون كل يومٍ بفرحٍ يوم رحيلكم المنقذ.

ها أنتم قد تركتم العالم بالفعل، وتسرعون نحو مكافاءات الاستشهاد، نحو المنازل الإلهية، لكي تروا

بعد ظلمة العالم هذه النور اللائق، وتتقبلون مجدًا أعظم من كل الآلام والأحزان.

الشهيد كبريانوس

v “فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا” [18]. أنظر فإن النير هين والحمل خفيف (مت 11: 29). فإنه وإن كان عسيرًا علي القليلين الذين اختاروه، لكنه سهل بالنسبة للذين يحبونه. يقول المرتل: علي حسب كلامك شفتيك لزمت طرقًا وعرة” (مز 26: 4). 

القديس أغسطينوس

فاصل

تفسير القمص أنطونيوس فكري

آية (18): “فأني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا.”

الآلام الحاضرة هي لا شيء ولا تُذكَر بجانب الأمجاد المعَّدة لنا:

  1. مهما كان الألم فهو بسيط جدًا بجانب المجد المعد.
  2. زمن الآلامأيامأما الأمجاد فهي للأبد، بلا نهاية.
  3. الآلام هنا هي حتى نكمل، وهي شركة آلام مع المسيح، ويصاحبها تعزيات (2كو3:1-8) حتى أن من تذوق الآلام مع التعزيات اشتهى الآلام، لذلك اعتبرها بولس الرسول هبة (في29:1) ولكن لنعلم أن التذمر يوقف التعزيات. وهذا ما جعل السيد المسيح يقول “إحملوا نيري (الآلام التي أسمح بها + الوصايا التي آمركم بها) فهو خفيف (مت11: 29 ، 30). ولاحظ قول إشعياء النبى “لَكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا” (إش53: 4). فمن يقبل أن يرتبط بنير مع المسيح أى يتحمل الصليب الذى سمح به الله بدون تذمر، وينفذ وصاياه، يجد أن المسيح يحمل عنه ألامه ويعينه على تنفيذ الوصية فيلتزم بالوصايا بسهولة. فالمسيح يُعطى فرحا لا يستطيع أى حزن أن يغلبه (يو16: 22). ويعطى سلاما لا تستطيع أى مشكلة أو حيرة أن تغلبه (يو14: 27 + 2كو4: 8 + فى4: 7).
  4. كلما ازداد الألم إزداد المجد “لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبديًا”(2كو17:4).

الْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا = الْعَتِيدِ = الآتييُسْتَعْلَنَ = أي المجد الذي نحن فيه الآن غير مرئي، وأما في الأبدية سيصير مرئيًا. فنحن حَلَّ علينا الروح القدس وهو كألسنة نار، فهل يرى أحد هذه النار. والتناول من الجسد والدم المتحدان باللاهوت، هذا في وسطنا يوميًا، لكن هل يرى أحد اللاهوت المتحد بجسد المسيح ؟ إذًا نحن في مجد لكن غير مستعلن، وسيستعلن في الأبدية ولنرجع لقصة داود مع شاول فلقد كان شاول في مجد ظاهري (جيش وخدم وخضوع الناس له، وقوة ظاهرية..) وداود كان في ضعف ولكنه في مجد، لأن الروح كان يملأ داود، وأما شاول فقد نُزِعَ منه الروح القدس. ثم مات الملك شاول وجاء داود فإستعلن المجد الذي كان فيه خفيًا، ومَجَّد داود من كانوا معه.

زر الذهاب إلى الأعلى