رو8: 29 لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم…

 

لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ.“(رو8: 29)

+++

تفسير القديس يوحنا ذهبي الفم

 ” لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكرا بين أخوة كثيرين ” (رو29:8).

أرأيت مقدار الكرامة؟ فإن هؤلاء قد صاروا أبناء بالنعمة بواسطة ذاك الذي هو بالطبيعة الابن وحيد الجنس . ولهذا لم يكتف بقوله “مشابهين”، لكنه أضاف ” ليكون هو بكرا “. ولم يتوقف عند هذا الحد أيضا، لكنه أضاف إلى هذا ” بين اخوة كثيرين “، لأنه أراد بكل هذا أن يظهر بوضوح مدى القرابة . كل هذا يجب أن تعتبره أنه قيل بحسب التدبير، فلأنه إله فهو وحيد الجنس. أرأيت مقدار ما وهبنا إياه؟ إذا يجب ألا تتشكك من جهة خيرات الدهر الآتي، لأنه في موضع آخر قد بين عناية الله، إذ يقول إن هذه الأمور قد سبق وقررها الله هكذا. فالبشر يعبرون عن آرائهم من خلال الواقع المنظور، أما الله فقد قرر هذه الأمور منذ القديم، ومن البداية كانت هذه هي إرادته من جهتنا.

فاصل

تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي

اهتمام الله بمجدنا

إن كان الروح الإلهي يحول حتى الأمور التي تبدو لضررنا لخيرنا، لأنا مدعوون حسب قصده، فما هو هذا القصد الإلهي؟ قصد الله من جهة الإنسان أن يرفعه إلى المجد؛ فالله ليس في حاجة إلى تعبده أو خدمته إنما يحبه كابن، يوده شريكًا في المجد. هذا هو الأمر الذي في ذهن الله من جهة مختاريه الذين سبق فعرفهم لذلك عينهم، “ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكرًا بين إخوة كثيرين”[29].

v انظر سمو هذه الكرامة! فما هو للابن الوحيد بالطبيعة ينالونه بالنعمة.

إنه لم يكتف بهذه الدعوة أن يكونوا مشابهين له، بل يضيف نقطة أخرى: “ليكونوا بكرًا بين إخوة كثيرين [29]... هكذا يستخدم كل وسيلة ليقيم العلاقة بوضوح شديد. 

القديس يوحنا الذهبي الفم

v استخدم الرسول الملهم هذا التعبير “بكرًا” في أربع مناسبات: مرة يدعوه “بكر كل خليقة” (كو 1: 15)، وأخرى: “بكرًا بين إخوة كثيرين” (رو 8: 29)، وأيضًا “بكر من الأموات” (كو1: 18). وفي مناسبة أخرى يستخدم التعبير بطريقة مطلقة دون ربطه بكلمة أخرى، قائلاً: وأيضًا متى أُدخل البكر إلى العالم يقول: ولتسجد له كل ملائكة الله” (عب 1: 6) فبأي معنى صار بكرًا بين إخوة كثيرين؟ بالتأكيد هذا واضح أنه من أجلنا نحن الذين بالميلاد جسد ودم وُلد بيننا واشترك هو أيضًا في اللحم والدم (عب 2: 14)، لكي يغيّرنا من الفساد إلى عدم الفساد بميلادنا نحن من فوق بالماء والروح. لقد قاد بنفسه طريق هذا الميلاد منزلاً الروح القدس على المياه بعماده، حتى يصير في كل شيء بكرًا للذين يولدون روحيًا معطيًا اسم “إخوة” للذين يشتركون معه في الميلاد ويتشبّهون به بعمادهم بالماء والروح.

القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص

v لنفهم هذه الكلمات “مشابهين صورة ابنه” [29] عن الإنسان الداخلي، لذلك يقول في موضع آخر: ولا تشاكلوا هذا الدهر، بل تغيّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم” (رو 12: 2). قدر ما نتغير عن شكل هذا الدهر نتشكل كأبناء لله.

يمكننا أيضًا أن نفهم هذه الكلمات هكذا، أنه كما تشكّل بنا فظهر كمن هو مائت هكذا نتشكّل نحن به بعدم الموت، وهذه الحقيقة ترتبط بقيامة الجسد.

القدّيس أغسطينوس

v في الجسد يصير الرب قائدنا (بكرنا) إلى ملكوت السماوات وإلى أبيه، قائلاً: أنا هو الطريق، والباب، ومن خلالي ينبغي أن يدخل الكل (يو 14: 6، 10: 9). 

البابا أثناسيوس الرسولي

يعالج الرسول بولس موضوع اختيار الله لنا أو تعيينه لمختاريه، مؤكّدًا أنه لا يوجد قهر ولا إجبار في قبول نعمة الله، إنما يعين الله الذين يعرف أنهم يقبلون نعمته في كمال حريتهم، إذ يقول: “الذين سبق فعرفهم سبق فعيّنهم… والذين سبق فعيّنهم فهؤلاء دعاهم، والذين دعاهم فهؤلاء برّرهم أيضًا، والذين برّرهم فهؤلاء مجّدهم أيضًا” [29-30].

ويلاحظ في هذا النص أن الله. “سبق فعرف الذين له“، فاختياره وتعيينه لهم، لا على أساس محاباة، وإنما على أساس معرفته السابقة لهم، لا بمعنى أن لهم الفضل في شيء إلا قبولهم لدعوته وتجاوبهم لعمله فيهم بالمثابرة والجهاد. الله هو الذي يدعو وهو الذي يُبرّر وهو الذي يمجّد، لكن ليس في سلبيّة من جهتنا!

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على تبرير الله وتمجيده لنا بالقول: [لقد برّرهم بتجديد جرن المعموديّة، والذين برّرهم مجّدهم بالعطيّة أي بالتبنّي.]

v كثيرون دُعوا فعلاً وتبرروا (بالمعموديّة خلال الإيمان)، ومن يبقى إلى النهاية فهؤلاء “مجّدهم أيضًا“، وهذا لم يتم بعد.

بالرغم من أن هذين الأمرين، أي دعاهم وبرّرهم، لم يتحقّقا بعد في كل من قيل عنهم، إلا أنه لايزال يوجد كثيرون إلى نهاية العالم سيدعون وسيتبرّرون. وقد استخدم صيغة الماضي – حتى بالنسبة للأمور المستقبلة – كما لو كان الله قد سبق فأعدّها منذ الأزل.

القدّيس أغسطينوس

فاصل

تفسير القمص أنطونيوس فكري

آية (29): “لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكرًا بين إخوة كثيرين.”

سبق فعرفهم= إذًا اختيار الله ودعوته ليسا عن محاباة، بل هو يعرف من سيقبله كمخلص، ويقبل دعوته، وبمعرفة الله الكاملة عرف استحقاقاتهم= سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ . ومن سبق فعرفهم سبق فعَيَّنَهُم = عيَّنَهُم لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ = أي يكتسبوا نفس الصورة الروحية والأخلاقية التي للابن. المسيح شابهنا في موتنا لنشبهه في حياته. نشبهه في صفاته وقداسته، بل ومجد حالة ابن الله. إذًا هو الذي يدعو وهو الذي يبرر، وهو الذي يمجد ولكن ليس في سلبية من جهتنا. فالله يدعو الكل (1تي4:2) ولكن قد يريد الله، ولا يريد الإنسان فلا تكمل إرادة الله “أنا أردت.. لكنكم لم تريدوا” (مت37:23). فماذا نعمل لنشابه صورة ابنه؟

 يقول بولس الرسول في (رو2:12) “تغيروا عن شكلكم.. ولا تشاكلوا هذا الدهر” إذًا بقدر ما نتغير عن شكل هذا الدهر نتشكل كأبناء لله، نشبهه في قبوله للألم والصليب، وفي قداسته وطهارته ورفضه للخطية فنشبهه في عدم موته.  إذًا من تم اختيارهم، اختيروا للقداسة أي لمشابهة المسيح، فليس هنا مجال لأن يقول أحد طالما أنا مختار فلأخطئ كما أريد، فكيف يخطئ من هو على صورة المسيح ؟! (2تس13:2). ونحن قد وُلدنا على صورته في المعمودية بموت العتيق فينا وقيامة الجديد مع المسيح.. وعمل الروح القدس فينا أن يُصوِّر المسيح فينا (غل19:4). فنحن نتغير إلى صورة المسيح المتألم على الأرض لنأخذ صورة جسد مجده في السماء (2كو18:3+ كو10:3+ 1كو49:15+ في21:3+ 1يو2:3).

ليكون بكرًا بين إخوة كثيرين= [1] بكر أي هو الابن الوحيد القدوس للآب، هو عقل الله وحكمته (1كو24:1). هو به كان كل شيء وبغيره لم يكون شيء ممّا كان (يو3:1) فهو أول ومؤسس الخليقة كلها. وهو أيضًا رأس الخليقة الجديدة، ونحن فيه نصير أولادًا لله.

[2] كلمة بكر تعني فاتح رحم أمه العذراء ولا تعني بالضرورة وجود إخوة ليكون هو بكرًا لهم.

[3] هو بكر الخليقة الجديدة مات وقام، ونحن بالمعمودية نموت ونقوم معه، فنحن ندخل الخليقة الجديدة به وفيه (كو15:1). فهو مؤسس وأول الخليقة الجديدة. وهو السابق لنا في دخول السماء في الأمجاد، هو أول من دخلها. هو البكر لأنه هو الأول كإبن لله ونحن تاليين له، باتحادنا به وتشابهنا معه في صورته.

[4] هو بديل آدم البكر، بكر الخليقة، فالمسيح صار آدم الأخير ونحن صرنا أبكارًا باتحادنا بالمسيح. صرنا وارثين كأبكار (عب23:12).

[5] هو بديل إسرائيل ابن الله البكر، فلقب البكر انتقل إليه، إذ فقد إسرائيل بكوريته بسبب خطيته. وكذلك فإسرائيل حمل لقب البكر لأن المسيح سيأتي منه ويصير هو البكر الحقيقي وسينوب عنه.

 

  •  

زر الذهاب إلى الأعلى