رو8: 31 فماذا نقول لهذا إن كان الله معنا فمن علينا؟

 

فَمَاذَا نَقُولُ لِهذَا؟ إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟“(رو8: 31)

+++

تفسير القديس يوحنا ذهبي الفم

” فماذا نقول لهذا إن كان الله معنا فمن علينا ” (رو31:8).

وكأنه يقول، لا تحدثني بعد عن الأخطار والمكائد التي تصدر من الجميع، فعلى الرغم من أن البعض يتشكك في أمور الدهر الآتي، إلا أنهم لا يستطيعوا أن يقولوا شيئا فيما يتعلق بالخيرات التي تحققت بالفعل دون نقاش، أي من حيث أن الله منحك البر والمجد من البداية من فرط محبته لك. لأنه بالحقيقة قد منحك إياه، بواسطة الأمور التي تبدو لك محزنة. وما تعتقد أنه علامة عار، أي الصليب والجلدات والقيود، صارت هي نفسها سبب بركة وخير لكل المسكونة، تماما مثلما حدث بخصوص آلام المسيح، فبالرغم من أنها تبدو كئيبة، إلا أنه حولها لتعطي طبيعتنا الحرية والخلاص، هكذا إعتاد أن يصنع بتلك الأمور التي تعانيها ، مستخدما آلامك من أجل مجدك وسعادتك.

” إن كان الله معنا فمن علينا “. وهل هناك من هو ليس ضدنا؟ لأن المسكونة هي ضدنا، والطغاة، والشعوب، والأقارب والساكنون معنا في وطن واحد. لكن هؤلاء الذين هم ضدنا بهذا القدر الكبير، هم أبعد من أن يؤذونا، لأنهم دون أن يقصدوا صاروا هم سببا لتتويجنا ولخيرات لا تُحصى، طالما أن حكمة الله، تحول هذه المكائد لتصير لخلاصنا ومجدنا. أرأيت كيف أنه لا يوجد أحد ضدنا؟ لأن أيوب أيضا قد جعل كل ما هو ضده يتحول إلى مجد، أي من حيث أن الشيطان كان قد تسلح ضده. خاصة عندما حرض ضده الأصدقاء، والزوجة، والعبيد، وأصيب بجروح، ومصائب أخرى لا تُعد . ولكن لا شيء على الإطلاق قد دفعه للتذمر. وكل ما حدث لم يمثل شيئا جسيما بالنسبة له، على الرغم من أنه كان جسيما في حد ذاته بصورة كبيرة، إلا أن أيوب كان أعظم، لأن كل شيء انتهى إلى منفعته. فالله كان في جانبه، وما كان يبدو ضدا له تحول إلى فائدته. وهذا حدث في حالة الرسل، خاصة وأن اليهود والأمم والمعلمين الكذبة، والقادة ، والجموع، والمجاعات والفقر، وأمور أخرى عديدة كان من الممكن أن تؤثر على مسيرتهم، لكن لم يتغلب عليهم أي شيء، لأن هذه الآلام هي التي جعلتهم مشرقين، وممجدين، وعظماء أمام الله والناس .

إذن فكر فيما قاله الرسول بولس للمؤمنين، الذين هم بالحقيقة مطوبين، الأمر الذي لا يملكه حتى الذي يرتدي التاج. لأنه بالنسبة للقديس بولس، كان الكثيرون ضده، من بربر، ومسلحين، وأعداء يهاجمونه، وحراس متسلطين وقساة عليه، وكان كثيرون من المواطنين يثورون ضده باستمرار، وأمور أخرى لا تعد، لكن المؤمن الذي يتبع مشيئة الله بدقة، لا يستطيع إنسان، ولا شيطان، ولا أي شيء آخر، أن يثيره أو يقلقه. لأنه إن نزعت عنه الأموال، فإنك تقدم له أجرا، ولو أسأت إليه عن طريق شائعات مشينة، تجعله أكثر بهاء أمام الله، ولو ألقيته في مجاعة سيكون ممجدا بالأكثر وسيكون تعويضه أكثر، ولو سلمته إلى الموت ـ وهو الأمر الذي يعد أكثر فزعا من كل شيء ـ فقد اخترت له إكليل الشهادة.

إذن ماذا يمكن أن يعادل هذه الحياة، عندما لا يوجد شيء يمكن أن يسبب لنا ضررا، بل إن هؤلاء الذين يعدون لنا المكائد، هم في الحقيقة يحققون لنا منفعة؟ لا تتكلم عن ما يصنعه معنا الذين يقدمون لنا إحسانا ، ولهذا قال:” إن كان الله معنا فمن علينا “.

3 . ثم بعد ذلك لم يكتف بكل ما قيل، بالإشارة إلى برهان المحبة العظيمة لنا، الأمر الذي يكرره فيما بعد، هذا أيضا يشير إليه هنا، أي يشير إلى تقديم الابن ذبيحة. لأنه ليس فقط قد بررنا ومجدنا وجعلنا مشابهين صورة ابنه، بل إنه لم يشفق على ابنه، وهذا قد تم لأجلنا. ولهذا أضاف قائلاً:

” الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا أيضا معه كل شيء ” (رو32:8).

فاصل

تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي

مرافقة الله لنا في الجهاد الروحي

إذ تحدّث عن عطيّة الله لنا أنه عيّننا عن معرفته السابقة لنا بأننا نقبل عمله فينا، ودعانا، وبرّرنا بالمعموديّة، ومجّدنا بالبنوّة لنصير مشابهين صورة ابنه، يقف معنا كل أيام جهادنا، لنقول مع الرسول: “فماذا نقول لهذا: إن كان الله معنا فمن علينا؟” [31].

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً:

[إن كان الله نفسه قد صار (للمؤمن) فحتى الأمور التي تبدو ضده تتحوّل لحسابه… المؤمن الذي يهتّم بنواميس الله لا يقف أمامه إنسان ولا شيطان ولا شيء ما! 

فإن سلبْته ماله تصير بالأكثر صرّافًا لمكافأته.

وإن تحدثت ضده بشرّ يُحسب هذا الشرّ مصدر بهاء جديد في عيني الله. 

إن حرّمته حتى من الطعام يتمجّد بالأكثر وتعظم مكافأته. 

إن قدمته للموت، الذي هو أقسى ما يقع على الكل، فإنك تربطه بإكليل الاستشهاد. 

أي طريق حياة مثل هذا؟ هذا الذي لا يقدر شيء ما أن يقف ضد هذه حتى أن الذين يدبِّرون مكائد له يكونون بالنسبة له ليس أقل من الذين يخدمونه! لهذا يقول: “إن كان الله معنا فمن علينا”؟]

فاصل

تفسير القمص أنطونيوس فكري

آية (31): “فماذا نقول لهذا إن كان الله معنا فمن علينا.”

فَمَاذَا نَقُولُ لِهذَا = هذه كلمة تعجب. فأشياء العالم متى عرفناها ينتهي تعجبنا، أمّا محبة الله فكل ما نعرفها نزداد عجبًا. إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا = يسكن فينا روحه القدوس، ومتحدين بالمسيح، فالله يساندنا، يحفظنا ويحرسنا، هو في صفنا. فَمَنْ يمكنه أن يعمل ضدنا، ولا حتى الشيطان يقوى على هذا. فَمَنْ عَلَيْنَا = لا أحد يستطيع أن يؤذينا طالما نحن في حمايته وحصانته. بل إن كان الله معي فحتى الأمور التي هي ضدي تتحول لحسابي. إن سلبت مال المؤمن تصير بالأكثر صرافًا لمكافأته، وإن تحدثت عنه بشر يُحسب هذا الشر مصدر بهاء جديد في عيني الله، وإن حرمته من الطعام أشبعه الله من تعزياته، وإن قدمته للإستشهاد فسينعم بإكليل الحياة الأبدية.

 

  •  

زر الذهاب إلى الأعلى