رو8: 35 من سيفصلنا عن محبة المسيح…

 

مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضَِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟“(رو8: 35)

+++

تفسير القديس يوحنا ذهبي الفم

” من سيفصلنا عن محبة المسيح أشدة أم ضيق أم إضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف كما هو مكتوب إننا من أجلك نمات كل النهار قد حسبنا مثل غنم للذبح ” (رو35:8-36).

أما من جهة أنه لم يقل “محبة الله”: فهذا أمر طبيعي ويعود له، أن يدعوه المسيح أو أن يدعوه الله. ” أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف”. انتبه إلى حكمة المطوب بولس. لأنه لم يذكر تلك الأمور التي في حياتنا اليومية، والتي صرنا لها عبيدا، أي محبة المال، وشهوة المجد، والغضب، بل أنه ذكر تلك التي هي أكثر ألما بكثير من هذه الأمور، والتي هي قادرة أن تخضع الطبيعة نفسها، ومرات كثيرة تُشتت الذهن، وبدون إرادتنا، وهذا ما يشير إليه، بالضيقات أي الآلام، لأنه على الرغم من أن ما قيل هو قليل، إلا أن كل كلمة هي مكثفة، إذ تحمل مجموعة لا تُحصى من التجارب، لأنه عندما يقول “ضيقة” فهو يقصد سجونا ، وقيودا، وتشهيرا ، ونفيا، وكل المتاعب الأخرى، مشيرا بكلمة واحدة، إلى كل الآلام الإنسانية بشكل عام . لكنه يحتقر كل هذه الآلام. ولهذا فهو يعرضها بصيغة سؤال، كما لو كانت أمرا لا اعتراض عليه، لأنه لا يوجد أي شيء يمكن أن يفصل ذاك الذي تمتع بمحبة كبيرة وعناية كبيرة، عن محبة المسيح.

4 ـ بعد ذلك، ولكي لا يعتقد أن هذه الأمور هي دليل على تخلي الله عنا ، يضيف إلى ما قاله كلمات النبي الذي يصرخ بهذه الأمور من سنوات طويلة قائلا: “من أجلك ثمات اليوم كله. قد حسبنا مثل غنم للذبح. أي أننا مستعدون أن تعاني من أجل الجميع. ولكنه أعطى لنا ـ في الأخطار الكثيرة والكبيرة، وهذه الآلام الجديدة – عزاء كافيا، من خلال الجهاد، أو من الأفضل أن نقول ليس فقط عزاء كافيا، بل وأكثر من ذلك بكثير. لأنه يقول إننا لا تعاني هذه الأمور من أجل البشر، أو من أجل أي شيء آخر، بل لأجل ملك الجميع. وهو لم يتوج هؤلاء بهذا التاج فقط، بل بتاج آخر متعدد الأشكال وكثير التنوع. لأنه لم يكن ممكنا أن يحتملوا ميتات كثيرة طالما أنهم بشر، وهذا يظهر كيف أن المكافأت لم تصبح أقل أو أصغر على الاطلاق. لأنه وإن كان ـ نظرا لطبيعتنا ـ قد وضع لنا أن نموت مرة واحدة فقط، فإن الله وضع فينا ـ لو أردنا ـ أن نعاني هذا الموت كل يوم.

وبناءاً على ذلك يتضح أنه حين ثمات، سننال أكاليلاً كثيرة، بقدر الأيام التي سنحياها، أو من الأفضل القول، إنها أكثر بكثير، لأنه من الممكن أن ثمات في يوم واحد مرة، ومرتين، ومرات عديدة . إذا من هو مستعد على الدوام لهذا، سيأخذ دوما الأجر كاملاً. هذا من المؤكد ما قصده النبي بقوله: “اليوم كله”. ولهذا فإن الرسول بولس قد أشار إليه، لكي يؤكد على ذلك بالأكثر ، لأنه إن كان الذين عاشوا في العهد القديم قد نالوا كمكافأة عن أتعابهم، الأمور المادية الأخرى التي تزول مع الحياة الحاضرة، إلا أنهم قد احتقروا هذه الحياة جدا، واحتملوا التجارب والأخطار، فأي غفران سنناله نحن الذين نعتبر أمور هذه الحياة تافهة أو زهيدة بالمقارنة بالسماء والملكوت، وما في السماء والخيرات المدخرة، ونحن لم نصل إلى مستوى الذين عاشوا في العهد القديم، ولا حتى بالنسبة لهذا المقياس، ولا أيضا وفقا للتدبير الذي عاشوا به طوال حياتهم . وهو لم يذكر ذلك تاركاً إياه لضمير المستمعين، واكتفى فقط بالشهادة، وأظهر أن أجسادهم أيضا تصير ذبيحة، وأنه لا ينبغي أن يقلقوا، ولا أن يضطربوا ، طالما أن الله قد دبر الأمور على هذا النحو. لكنه يعظهم بطريقة أخرى. ولكي لا يقول أحد، إنه فقط يفلسف هذه الأمور دون أن يختبرها، أضاف: “قد حسبنا مثل غنم للذبح “، مشيرا إلى ميتات الرسل اليومية. أرأيت مقدار النبل والرأفة؟ لأنه كما أن الخراف لا تقاوم عندما تُقاد للذبح، هكذا نحن أيضا.

لكن لأن الضعف يعتبر سمة النفس الإنسانية، ورغم كل هذه التجارب المخيفة، انظر كيف أنه مرة أخرى يشدد المستمع، ويجعله يشعر بالسمو والافتخار، قائلاً:

” ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا ” (رو37:8).

فاصل

تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي

إذ انتقل الرسول بولس من الناموس الموسوي فاضح الخطيّة دون معالج لها (ص 7) إلى ناموس روح الحياة في المسيح يسوع كاشفًا عن عمل الروح القدس فينا خلال عمل المسيح الفدائي، إذ يرفعنا من اهتمام الجسد إلى اهتمام الروح، وعوض العبوديّة يهبنا رح البنوّة لله مقدسًا نفوسنا وأجسادنا، واهبًا إيّانا القيامة الداخليّة ورجاء قيامة الأجساد أيضًا، يسندنا في كل جهادنا حتى في الضعفات، محوّلاً كل الأمور لخيرنا ليحقّق غايته فينا، ألا وهو “مجدنا السماوي”… أمام هذا العمل الإلهي العجيب الذي جاء ثمرة مجيء المسيح وبذل حياته عنّا، لم يعرف الرسول إلا أن يردّ الحب بالحب إذ ينشد لحن محبته للسيد المسيح، قائلاً: 

“من سيفصلنا عن محبّة المسيح؟ 

أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف؟ 

كما هو مكتوب: إننا من أجلك نمات كل النهار، قد حُسبنا مثل غنم للذبح.

ولكنّنا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا.

فإني متيقّن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات، 

ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق، ولا خليقة أخرى، 

تقدر أن تفصلنا عن محبّة الله التي في المسيح يسوع ربنا” [35-39].

سحبت هذه التسبحة قلب الكنيسة ليشتهي أبناؤها الألم كل يوم من أجل المحبوب، ليقدّموا حياتهم ذبيحة حب لذاك الذبيح الذي سبق فبادر بالحب مقدمًا حياته مبذولة عنّا.

لم تعد الآلام والضيقات تحطم النفس، بل علّة الدخول إلى موكب الغلبة والنصرة تحت قيادة المسيح يسوع المتألم والمصلوب.

v “من أجلك نمات كل النهار”… من الواضح أننا سنرحل ومعنا أكاليل كثيرة إذ نعيش أيامًا كثيرة، أو بالحرى ننال أكاليل أكثر من الأيام بكثير، إذ يمكن أن نموت في يوم واحد لا مرة ولا مرتين بل مرات كثيرة. لأنه من كان مستعدًا لهذا يبقى ينال مكافأة كاملة على الدوام.

v لقد أظهر (الرسول) أيضًا أن أجسادنا قد صارت ذبيحة، فيليق بنا ألا نرتبك ولا نضطرب عندما يأمر الله بتقديمها.

v لأنه بالحقيقة لأمر عجيب، ليس فقط أننا غالبون وإنما غالبون بذات الأمور التي وُضعت كمكائد لنا. نحن لسنا غالبين فحسب وإنما “أكثر من غالبين”، إذ نمارس الغلبة بسهولة بلا تعب ولا مشقة، لأن الله يصارع بجوارنا، فلا تشك، فإننا وإن ضُربنا نحسب أفضل من الضاربين، وإن طردنا نغلب الذين يضطهدوننا، وإن متنا يبقى الأحياء (الذين يقتلوننا) في صراع… أنهم لا يحاربون البشر بل يقاومون القدير الذي لا يُغلب!

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

v العبارة “ذبحت ذبحها” (أم 9: 2) تعبر عن الشهداء في كل مدينة حيث يذبحون يوميًا من أجل الحق بواسطة غير المؤمنين، صارخين بصوت عالٍ: “إننا من أجلك نُمات كل النهار، قد حُسبنا مثل غنم للذبح”.

القدّيس هيبوليتس

v ليس شيء من هذه الأمور يقدر أن يفصل المؤمنين أو ينزع الملتصقين بجسده ودمه… الاضطهاد هو اختبار للقلب وفحص له. الله يسمح به لنا لكي نمحص ونتزكى، إذ يودّ أن يزكي شعبه على الدوام، لكن معونته لا تقصر عن مساعدة المؤمنين في كل وقت وسط التجارب.

الشهيد كبريانوس

v هنا تعبير “كل النهار” يعني كل الزمان الذي فيه تحتمل اضطهادات ونذبح فيه كغنم. هذا النهار لا يعني نهارًا يحتوي على اثنتي عشر ساعة إنما كل الزمان الذي فيه يتألم المؤمنون في المسيح يموتون لأجله.

القدّيس إبريناؤس

ربّما نتساءل: هل يمكن للملائكة أو القوات أن تفصلنا عن محبّة الله التي في المسيح يسوع؟

v لم يقل هذا كما لو كانت الملائكة تحاول هذا أو القوات الأخرى، حاشا! إنما أراد أن يظهر عظم الحب نحو المسيح. فإنه لا يحب المسيح من أجل الأشياء الخاصة بالمسيح (ولو كانت السمائيين)، وإنما من أجل المسيح يحب الأشياء التي له. فيتطلّع إليه وحده، ويخاف أمرًا واحدًا هو السقوط عن محبته للمسيح. هذا الأمر في ذاته أكثر رعبًا من جهنم، أمّا التمتّع بالحب فيشتاق إليه أكثر من الملكوت.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

هذا وقد لاحظ القدّيس أمبروسيوس في هذا الحديث الرسولي، أن الرسول لا يميّز بين محبتنا للآب ومحبتنا للمسيح [35، 39]، علامة وحدة اللاهوت، مقدّمين كل شيء فداء حبنا لله.

فاصل

تفسير القمص أنطونيوس فكري

آية (35): “من سيفصلنا عن محبة المسيح أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف.”

أمام كل ما عمله المسيح من تجسد وفداء وآلام لتبريرنا وإرسال الروح القدس وإعطائنا ناموس روح الحياة لم يجد الرسول في نفسه إلاّ تسبحة الحب هذه ليرد الحب بالحب. من سيفصلنا عن محبة المسيح = محبتنا نحن للمسيح. أشدة أم ضيق = ظهر هذا في تسليم الشهداء أنفسهم للموت حبًا في المسيح. (لما أتى الجنود ليحرقوا القديس بوليكربوس وجاءت له فرصة للهرب، طلب منه شعبه أن يهرب، فقال، المسيح كان معي 86 سنة لم أرى فيها منه خيانة فهل أخونه أنا الآن بعد 86 سنة). الشدائد موجهة لنا حتى نترك المسيح، ولكن الروح القدس يسكب محبته فينا لله فنجوز في الضيقات التي تفرض علينا كل يوم منتصرين عليها، بسبب هذه المحبة. لم تعد الضيقات ولا الآلام تحطم النفس بل سببًا لدخول موكب الغلبة والنصرة تحت قيادة المسيح المتألم.

 

  •  

زر الذهاب إلى الأعلى