تفسير إنجيل متى أصحاح 4 – كنيسة مار مرقس بمصر الجديدة

الأَصْحَاحُ الرَّابِعُ
التجربة على الجبل – دعوة التلاميذ

 

(1) التجربة على الجبل (ع 1-11):

1 ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. 2 فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيرًا. 3 فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا». 4 فَأَجَابَ وَقَالَ: «مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ». 5 ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ، 6 وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ». 7 قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ». 8 ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، 9 وَقَالَ لَهُ: «أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي». 10 حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ». 11 ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ.

 

ع1: “ثم”: أي بعد عماده في الأردن، تقدم ليقابل التجارب وينتصر عليها، فيعطينا القدرة على النصرة. ولم يدخل بنفسه إلى التجربة، حتى يعلمنا ألا نلقى بأنفسنا فيها كما فعل لوط بذهابه إلى سدوم. ولكن، إن سمح الله لنا بها، نجاهد بمعونته فننتصر عليها.

الروح القدس الساكن في المسيح اقتاده إلى برية بجوار نهر الأردن، فقابل الشيطان، لأنه كان من المألوف قديما أن الشياطين تسكن في البرارى والقفار (الصحارى)، وليس في الأماكن المقدسة حيث البشر الصالحين. وقد ذهب لينتصر عليه، ليعطينا قوة وثقة أن ننتصر على الشيطان إذا حاربنا.

وقد سمح السيد المسيح لإبليس أن يجربه، ليشعرنا أنه قريب منا، يشعر بتجاربنا، كما يقول الكتاب المقدس: “لأنه في ما هو قد تألم مُجَرَّبًا يقدر أن يعين المُجَرَّبين” (عب 2: 18)، ولكيما يؤكد ضرورة أن تأتي التجارب، فنثق أننا سننتصر عليها، بل وننال بركات روحية منها.

† لكن الله لا يسمح له أن يجربنا إلا بالمقدار الذي يفيدنا، ويعطينا المعونة الإلهية التي ننتصر بها.

 

ع2: في هدوء الخلوة، مكث المسيح أربعين يوما في صوم وصلوات، ليعلن أهمية الاختلاء بالله، حتى لو صاحب هذا الإحساس بالجوع الجسدي، لأن الشبع بالله والتمتع به هو هدف حياتنا؛ وهذا يثير إبليس الذي يسكن في النفس البعيدة عن الله. ولكن، عندما تشبع النفس بالله، ويحاول محاربتها، ينهزم.

وقد صام المسيح أربعين يوما متواصلة دون أن يأكل – مثل موسى وإيليا – حتى لا يتجاوز حدود البشر، فيظن الناس أنه ليس إنسانا عاديا، وقد “جاع أخيرا” ليؤكد ناسوته.

وعدد (40) هو عدد (10) مضروبًا في (4)، وعدد (10) يشير إلى الكمال مثل الوصايا العشرة، وعدد (4) يشير إلى جهات العالم الأربعة؛ فعدد (40) إذن يمثل كمال الجهاد في كل الاتجاهات. هذا أكمله المسيح لأجلنا، رغم أنه غير محتاج للصوم، ولكن كمثال لنا، ليقدس أصوامنا.

 

ع3: بعدما سمع إبليس شهادة السماء عن المسيح، أنه ابن الله، عندما كان في نهر الأردن، تعجب حينما رآه جائعا، وتشكك في بنوته لله، فتشجع ليجربه كإنسان، سائلا إياه أن يدلل على بنوته لله، فيسد جوعه بتحويل الحجارة إلى خبز. ولم يقل مأكولات شهية، بل مجرد خبز، محاولا الشيطان بذلك إقناعه بضرورة الأكل حتى لا يخور جسده. ويقصد بهذه التجربة أن يسقطه في خطية عدم الاتكال على الله، بدلًا من أن يثق في عنايته، وأنه سيدبر له الطعام الذي يحتاجه.

ولم يستخدم المسيح لاهوته لراحة نفسه، فقد استخدمه في إشباع الجموع (ص 14: 13-21، ص 15: 32-39)، ليعلمنا أن نتعب من أجل راحة الآخرين، ونتكل عليه بالنسبة لاحتياجاتنا، واثقين من رعايته، متممين واجباتنا بأمانة.

“إن كنت ابن الله”: سؤال تشكيكي، يُقْصَد به تشكيك الإنسان في نفسه، وهذه هي عادة إبليس في حربه معنا. وهو سؤال استفزازي ليدفعنا لعمل ما يريده، فنسقط في الخطية.

† لذا، ينبغي عدم التسرع في تنفيذ ما يخطر على بالنا، فقد تكون أفكارًا من إبليس، ونختبرها بالصلاة، خاصة ولو كانت في قرارات هامة، فنأخذ فترة كافية للصلاة، ويمكن أن نقرنها بالصوم، ليرشدنا الله ويكشف حيل إبليس.

 

ع4: رد المسيح على إبليس بآية من الكتاب المقدس (تث 8: 3)، تعلن أن الشبع الروحي من كلمة الله هو الأساس، وليس فقط الاهتمام بالشبع المادي. فلم يُجب على سؤاله عن بنوته لله، وأعلن أن الإنسان الروحي ينشغل بكلمة الله فبل انشغاله باحتياجاته المادية، معتمدا في ذلك على إرشاد الكتاب المقدس، الذي يصد به أفكار إبليس.

هذه هي التجربة الأولى، وقد يكون سبقتها تجارب كثيرة، ولكن في هذه التجارب الثلاث، كان إبليس ظاهرا، إذ تقدم وواجه المسيح، فمكتوب أنه كان يجرب أربعين يوما، وليس فقط في نهايتها (مر 1: 13).

 

ع5-6: “أخذه”: بالتفاهم معه وليس بالقوة، لأن المسيح رضى أن يُجَـرَّب بإرادته، ليعلمنا كيف ننتصر على إبليس.

“المدينة المقدسة”: أي أورشليم حيث هيكل الله، أقدس مكان، فإبليس يحارب في كل مكان، حتى في الأماكن المقدسة.

“جناح الهيكل”: مكان مرتفع جدًا يعلو عن الأرض حوالي 200 مترا.

التجربة الثانية: أخذه إبليس إلى أعلى مكان في الهيكل وهو جناحه، ليلقى بنفسه من فوق، فتأتى الملائكة وتحمله، وينزل في الساحة الكبيرة محمولا على أيديهم، فيبهر الجموع المحتشدة، ويعرف الكل أنه ابن الله، ويبدأ بهذا خدمته.

وقد استند إبليس على آية، ليخدع يسوع أنه بهذا يتمم كلام الله، فالوعد الإلهي أن يحفظ أولاده بملائكته (مز 91: 11-12). وواضح أن إبليس ما زال محتارا؛ هل المسيح هو ابن الله، أم إنسان عادي؟!

“مكتوب”: لجأ إبليس إلى استخدام كلام الله في حربه، ليقنع المسيح ويسقطه في التجربة، كما يفعل معنا، فيستخدم آيات الكتاب المقدس ويفسرها بحسب شرّه.

والخطأ هنا هو إلقاء الإنسان نفسه في التجربة، لأن الله يعتنى بنا وينقذنا من التجربة إن أتت علينا، ولكن لا يصح أن نلقى بأنفسنا فيها، ثم نطلب من الله أن ينجّينا.

 

ع7: رد عليه المسيح بأن الله يعتنى بأولاده، ولكن لا يصح أن يتشكك الإنسان في هذه العناية، ويحاول أن يجربها ليتأكد منها، ولا يلقى بنفسه في تجربة. ولكن، إن وقع في تجربة، فالله يحميه (تث 6: 16).

وبهذا، هرب المسيح من المجد الباطل، ليعلّمنا العمل والخدمة في اتضاع، بل في الخفاء قدر ما نستطيع.

 

ع8: التجربة الثالثة: الإغراء بأمجاد العالم وملذاته، والطريق السهل للوصول إلى الاحتياجات، بدل المعاناة وحمل الصليب. فأصعده إلى جبلٍ عالٍ، وهو يشير إلى الكبرياء، وهناك قدّم له حب التملّكٍ في ممالك العالم، بكل ما يحمله من شهوات وملذات.

“ممالك العالم”: وهى مدن وقرى اليهودية، والتي هي عيّنة من مدن العالم بكل ما تحمله من أمجاد.

 

ع9: إبليس الكذاب ادعى ملكيته لكل ممالك العالم، أو لعله يقصد سلطانه على الشهوات الشريرة التي يغرى بها يسوع، والشرط للحصول عليها هو الخضوع له، ودليلها السجود له.

والتجربة هنا هي محبة التملك والرئاسة، وهو يقدم للمسيح حلا بدلًا من تعبه وآلامه المقبلة، فيصير ملكا على العالم كله، وبهذا يحرر شعبه اليهودي من الاحتلال الروماني، ولكن الشرط هو الخضوع لإبليس والتعبّد له.

 

ع10: “اذهب”: يعلن بوضوح رفضه لكلام إبليس وأفكاره.

“يا شيطان”: أي المقاوم.

“إياه وحده تعبد”: يخصص العبادة لله فقط، وبالتالي يمنع تقديم العبادة، ليس فقط للأصنام، بل كل تعلق وانشغال بشهوات العالم.

يسوع المسيح -آدم الثاني- لم يكن في قلبه محبة العالم، فلم يتأثر بإغراءات إبليس، بالإضافة إلى تعلقه، كإنسان، بمحبة الله والخضوع له. وقد رد عليه بالمكتوب أن السجود لله وحده (تث 6: 13).

† إن خضع القلب لله ومخافته، لا يقبل شهوات العالم الشريرة.

 

ع11: إذ هُـزِمَ إبليس منه، فارقه، ولكن مؤقتًا، ليعود ويحاربه ثانية، كما سيحدث في محاولة الفرّيسيّبن والصّدّوقيّبن أن يسقطوه في خطأ. وحينئذ تقدمت إليه الملائكة لترفع أكاليل انتصاره إلى السماء، فالملائكة تقوينا وترشدنا وترفع صلواتنا وانتصاراتنا إلى السماء، لنكلَّل عليها في الأبدية.

وقد واجه المسيح التجربة وحده، حتى تكون النصرة له وليس لمعونة الملائكة.

“تركه”: هذا يعني أن لكل تجربة نهاية، حتى يعطينا الله فرصة للهدوء والنمو في محبته قبل أن تأتي تجربة ثانية، وبهذا نكون أقوياء أمام التجارب المقبلة.

(2) رجوع المسيح إلى الجليل (ع 12-17):

12 وَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ أَنَّ يُوحَنَّا أُسْلِمَ، انْصَرَفَ إِلَى الْجَلِيلِ. 13 وَتَرَكَ النَّاصِرَةَ وَأَتَى فَسَكَنَ فِي كَفْرَنَاحُومَ الَّتِي عِنْدَ الْبَحْرِ فِي تُخُومِ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيمَ، 14 لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: 15 «أَرْضُ زَبُولُونَ، وَأَرْضُ نَفْتَالِيمَ، طَرِيقُ الْبَحْرِ، عَبْرُ الأُرْدُنِّ، جَلِيلُ الأُمَمِ. 16 الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا، وَالْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ الْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ». 17 مِنْ ذلِكَ الزَّمَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: «تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ».

 

ع12: مكث المسيح بضعة أشهر في اليهودية، ذكر يوحنا الإنجيلى ما حدث فيها في الأصحاحات الأولى من بشارته، وكان أثناءها يوحنا المعمدان يكمل كرازته وشهادته للمسيح. وقد بقى المسيح هذه الفترة في اليهودية، ليوضح اتفاقه في التبشير مع يوحنا المعمدان. وأثناء ذلك، انضم كثير من تلاميذ يوحنا إلى المسيح. ثم بعدما أكمل يوحنا المعمدان كرازته، قبض عليه هيرودس وألقاه في السجن.

“الجليل”: هو الجزء الشمالى من إسرائيل، ويمتد شرقا من نهر الأردن إلى عكا غربا على ساحل البحر الأبيض.

 

ع13: رجع يسوع إلى الجليل، حيث عاش في الناصرة سنواته الأولى حتى سن الثلاثين. ولكنه لم يسكن في الناصرة، بل ذهب إلى كَفْرَنَاحُومَ، وهي مدينة معروفة في الجليل، تقع على بحر الجليل، أي بحر طبرية، في الأماكن التي يمتلكها سبطى زبولون ونفتاليم (نفتالى).

 

ع14: تنبأ إشعياء (أش 9: 1-2) عن بشارة المسيح في الجليل، وهذه هي النبوة السادسة التي يذكرها القديس متى عن المسيح.

 

ع15: “أرض زبولون وأرض نفتاليم”: هما لسبطين من أسباط إسرائيل (ابنين ليعقوب)، وتقعان غرب الأردن وشمال بحر الجليل.

“طريق البحر”: يقصد بحر الجليل.

“عبر الأردن”: أي الأرض التي تقع غرب الأردن.

“جليل الأمم”: اختلط اليهود بالأمم في منطقة الجليل، لذلك سمى “جليل الأمم”، واختلطت العبادات الوثنية مع العبادة اليهودية، ولذلك احتقر أهل اليهودية سكان هذه المنطقة لاختلاطهم بعبادات الأمم. وقد شملت منطقة الجليل العشرين مدينة التي أهداها سليمان لحيرام لأنه ساعده في بناء الهيكل (1 مل 9: 11).

 

ع16: “الجالس في ظلمة”: سكان هذه الأرض قبلوا الخطية، وعاشوا فيها، وهي المرموز إليها بالظلمة.

“أبصر نورا”: النور يشير للحياة الجديدة مع الله والنقاوة، ويُقصد هنا بشارة المسيح ودعوتهم للتوبة والرجوع إلى الله.

“كورة الموت وظلاله”: (مز 107: 10): الخطايا التي انغمس فيها سكان هذه البلاد عقابها هو الموت. وكلمة “ظلاله” تعني كل ما يتصل بالموت من شرور تؤدى إليه.

 

ع17: “من ذلك الزمان”: أي بعد القبض على يوحنا، بدأ المسيح بشارته في الجليل.

كانت كرازة المسيح هي نفسها التي نادى بها يوحنا المعمدان، وهي التوبة السريعة لاقتراب ملكوت السماوات، أي مُلك الله على القلوب، المُلك الروحي، وقد تم بقيامة المسيح، ثم يكمل هذا الملكوت في السماوات.

† الله يبحث عنك حتى لو كنت منغمسا في الخطية، ومختلطا بالأشرار، ومستعد أن يطهر قلبك ويجدد حياتك ويسكن داخلك، بل ويحوّلك إلى القداسة. فتجاوب معه بقبول دعوة التوبة والرجوع إليه، وهوسيساعدك ويسندك وينجحك في كل خطواتك.

(3) دعوة التلاميذ (ع 18-22):

18 وَإِذْ كَانَ يَسُوعُ مَاشِيًا عِنْدَ بَحْرِ الْجَلِيلِ أَبْصَرَ أَخَوَيْنِ: سِمْعَانَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ، وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ. 19 فَقَالَ لَهُمَا: «هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ». 20 فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا الشِّبَاكَ وَتَبِعَاهُ. 21 ثُمَّ اجْتَازَ مِنْ هُنَاكَ فَرَأَى أَخَوَيْنِ آخَرَيْنِ: يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، فِي السَّفِينَةِ مَعَ زَبْدِي أَبِيهِمَا يُصْلِحَانِ شِبَاكَهُمَا، فَدَعَاهُمَا. 22 فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا السَّفِينَةَ وَأَبَاهُمَا وَتَبِعَاهُ.

 

ع18: “بحر الجليل”: هو بحيرة مياهها عذبة، طولها 12 ميلا وعرضها 10 أميال وعمقها حوالي 50 مترا، وهي المسماة بحيرة طبرية أو بحيرة جَنِّيسَارَتَ.

وإذ كان يسوع يمشى على شاطئ البحر، وجد أخوين هما سِمعان الذي لقَّبه فيما بعد ببطرس، أي صفا أو الصخرة، وأندراوس أخوه، وهما ابنى يونا. وكانا يلقيان شبكتهما في البحر، إذ كانت حرفتهما هي صيد السمك.

 

ع19-20: دعاهما المسيح أن يتبعاه، ويصيرا تلميذين له، ليعملا عملا أفضل، وهو صيد النفوس لمعرفة الله، فأطاعا. وهذا عمل فوق العادة، أن يحب الإنسان الله حتى يترك عمله الضرورى.

والطاعة، هي التنازل عن المشيئة والمنطق البشرى من أجل محبة الله. وقد اختار المسيح تلاميذه أميين، ومن منطقة محتقرة في نظر اليهود، وهي الجليل، ليعمل بهم، فيكون المجد لله، وليس للإمكانيات البشرية؛ وشرط عمل الله فينا هو الطاعة.

“فللوقت”: إشارة إلى الطاعة السريعة. ويبدو أن تعرفهما السابق على المسيح المذكور في (يو 1: 40-42) ساعدهما على تبعيته، ولكن هذا يظهر تأثرهما وتجاوبهما القوى مع كلمة الله.

“تركا الشباك”: معناه تفضيل تبعية المسيح عن أعمالهما وحياتهما الخاصة، فمحبتهما كانت قوية لدرجة ترك كل شىء، حتى الشباك والعمل الذي يعيشان منه.

 

ع21-22: “زَبَْدِى”: زوج سالومة التي تبعت المسيح فيما بعد (مت 27: 56)، ويبدو أنه كان غنيا وله عمال يساعدونه وله مركز في المجتمع (يو 18: 15).

بعد قليل، أثناء سير المسيح على شاطئ البحر، وجد أخوين آخرين، هما يعقوب ويوحنا ابنى زَبْدِى، وكانا رفيقى سِمعان وأندراوس في صيد السمك، كما يظهر تعاونهما معهما في صيد السمك الكثير، الذي بعده دعاهما يسوع (لو 5: 6-11)، فتركا الشباك التي كانا يصلحانها مع أبيهما، وتبعا يسوع.

† إن تبعية الله أفضل من الأعمال الضرورية والعلاقة مع الوالدين، وليس معنى هذا إهمال أعمالنا وعدم إكرام والدينا، بل إن طاعة الله فوق كل شيء. فكن مستعدا لترك بعض راحتك ولذتك من أجل التمسك بحياتك الروحية، فتتمتع حينئذ بعشرة الله والسلام الداخلي.

(4) الكرازة والعمل (ع 23-25):

23 وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب. 24 فَذَاعَ خَبَرُهُ فِي جَمِيعِ سُورِيَّةَ. فَأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ السُّقَمَاءِ الْمُصَابِينَ بِأَمْرَاضٍ وَأَوْجَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَالْمَجَانِينَ وَالْمَصْرُوعِينَ وَالْمَفْلُوجِينَ، فَشَفَاهُمْ. 25 فَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْجَلِيلِ وَالْعَشْرِ الْمُدُنِ وَأُورُشَلِيمَ وَالْيَهُودِيَّةِ وَمِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ.

 

ع23: خرج يسوع من كَفْرَنَاحُومَ في رحلات كثيرة في منطقة الجليل، وهي حوالي تسع رحلات، اجتاز أكثر مدنها وقراها، التي تزيد عن 200 مدينة وقرية، وكانت كل منها تحوى في المتوسط 15 ألف نسمة، أي أن سٍـكان الجليل كانوا حوالي 3 مليون نسمة، وكان يبشرهم بالتوبة واقتراب الملكوت.

“مجامعهم”: أماكن للعبادة ظهرت أيام السبي، واستمرت بعد ذلك، وفيها يُصلّون ويقرأون الأسفار المقدسة ويلقون العظات الروحية. وهي منتشرة في كل البلاد، لأن الهيكل في أورشليم فقط؛ واستغل المسيح هذه المجامع في التبشير بالخلاص الذي يقدمه للبشرية.

وكان المسيح حنونا، يشفى أمراضهم ليعلن محبته للبشرية. وبهذه المعجزات تعلقت القلوب به، فحدثهم بكلامه الروحي العميق.

“كل ضعف”: أي متاعب جسدية كان يشتكى منها الناس.

 

ع24-25: من أجل معجزاته وتعاليمه المؤثرة، انتشر خبره، ليس فقط في الجليل، بل إلى مناطق كثيرة أخرى، هى:

(1) سورية: ولاية رومانية كبيرة تقع شرق الجليل.

(2) العشر مدن: مدن تميزت بامتيازات رومانية، وتقع شرق الأردن، وتسمى حاليا الجولان.

(3) أورشليم: مدينة معروفة لأن فيها هيكل الله، وتقع في الجزء الجنوبي من بلاد اليهود.

(4) اليهودية: منطقة تشمل الجزء الجنوبي من بلاد اليهود، وداخلها مدينة أورشليم، وتشمل مدن وقرى كثيرة.

(5) عبر الأردن: منطقة تقع جنوب العشرة مدن.

“المجانين والمصروعين والمفلوجين”: ذكر هذه الأمراض لصعوبتها عن غيرها. والمجانين والمصروعين إما من أعمال الشياطين فيهم، أو لأمراض عصبية تجعلهم غير متزنين، أو قد يغشى عليهم أحيانا ويسقطون على الأرض. أما المفلوجون فهم من يعانون من الشلل في جزء أو معظم جسمهم.

† ليتك تتعود أن تصنع خيرا في كل مكان، فتساعد كل محتاج وكل من يعانى من ضعف، سواء طلب منك أو لم يطلب؛ وإذ يتأثرون بمحبتك، يقبلون بسهولة كلامك عن المسيح والتوبة والرجوع إلى الله.

زر الذهاب إلى الأعلى