رو8: 32 الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين…

 

اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟“(رو8: 32)

+++

تفسير القديس يوحنا ذهبي الفم

” الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا أيضا معه كل شيء ” (رو32:8).

وهنا يستخدم الكلمات بروعة وحماس شديدين، لكي يظهر محبة الله. إذن كيف يتركنا الله نحن المحبوبين لديه، وهو الذي لأجلنا لم يشفق حتى على ابنه، بل سلمه إلى الموت لأجلنا؟ تأمل مقدار الصلاح الإلهي الذي يظهر في عدم الإشفاق على ابنه، بل ويسلمه للموت، ويسلمه لأجلنا، نحن الوضعاء، والجاحدين، والأعداء، والمجدفين. “كيف لا يهبنا أيضا معه كل شيء”؟ ما يقوله يعني الآتي: إن كان قد وهبنا ابنه، وليس فقط قد وهبنا إياه، بل وسلمه للذبح، فلماذا تشك في الأمور الأخرى، طالما أنك قد أخذت السيد؟ لماذا تتشكك أو تتحير من جهة ممتلكاته، طالما أن لديك السيد الرب نفسه؟ ذاك الذي أعطى أعظم ما عنده لأعدائه، ألا يعطي الأشياء الأقل لأصدقائه؟

فاصل

تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي

الفداء، أعظم عطيّة! 

بلا شك أن حب الله الفائق الذي خلاله بذل ابنه الوحيد عنّا يسحب كل المشاعر ويمتص كل الأحاسيس ليقف الإنسان في عجز، ماذا يطلب بعد؟ يقول الرسول: “الذي لم يشفق على ابنه بل بذل لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء؟” [32]

قدّم ابنه مبذولاً ونحن بعد أعداء لمصالحتنا، فماذا يحجبه عنّا بعد المصالحة؟ أو كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [الذي وهب الأمور العظيمة لأعدائه، أفلا يهب الأمور الأقل لأصدقائه؟]

يقول الرسول: “الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين” [32]. وكأن الأب هو الذي قدّم الكأس للابن، لكن الابن أيضًا بحبّه أراد أن يشرب الكأس، فالبذل مشترك: “الآب بذل ابنه الحبيب، والابن بذل ذاته”، وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [واضع هذا الكأس واحد مع شاربه، إذ يقول الرسول نفسه: أحبّنا المسيح أيضًا، وأسلم نفسه لأجلنا قربانًا وذبيحة لله رائحة طيبة (أف 5: 2).] كما يقول القدّيس أمبروسيوس: [يُظهر الإناء المختار بوضوح وحده الحب الإلهي، فإن كلاً من الآب والابن قد بذلا، الآب بذل إذ لم يشفق على ابنه لأجلنا أجمعين (رو 8: 32)، والابن بذل إذ “أسلم ذاته لأجلي (غل 2: 20).]

على أي الأحوال إن التطلع إلى الصليب يسحب قلب المؤمن بالحب، إذ يرى في الله “الحب الباذل”، فيخجل أن يطلب بعد شيئًا، إلا أن يرتفع بالصليب إلى الحضن الأبوي بالروح القدس ليبقى فيه أبديًا ينعم بأبوته الإلهية الفائقة.

حقا إن التطلع إلى الصليب يسحب القلب ليبقى في حالة شكر وتسبيح بلا انقطاع، الأمر الذي يزداد قوّة وبهاءً عندما نرتفع إلى السماوات لندرك بالأكثر فاعلية هذا الحب، حين نوجد مع الله أبناء له وأحباء! هناك يبقى الصليب تسبحتنا السماويّة غير المنقطعة.

فاصل

تفسير القمص أنطونيوس فكري

آية (32): “الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء.”

إن الله الذي وهبنا ابنه الوحيد وقدمه للموت من أجلنا، كيف لا يهبنا معهُ جميع العطايا والنعم التي يحتاجها خلاصنا. إن كان الله قد وهبنا المسيح فكيف لا يهبنا معه كل ما نحتاجه لكي يتحقق خلاصنا. وإن كان الله قد بذله عنا ونحن أعداء، فهل يحجب الخلاص الآن عن التائب. ولكن مازال إبليس يخدع البعض كما فعل مع الأخ الأكبر للابن الضال، الذي اشتكى من أن أبيه لم يعطه جديًا بينما الميراث كله له، فمازال إبليس يصنع نفس الشيء معنا ويصور لنا أن الله لا يحبنا إذ قد حرمنا من أشياء مادية (مال / صحة / مركز / ترقية..) ونبدأ نشتكي مرددين ما وضعه الشيطان في أذاننا من شكوى على الله. والرسول هنا يتعجب من هذا!! هل نتخاصم مع من أعطانا ابنه ! هل نشتكي أنه لم يعطنا كذا وكذا، وهو أعطانا ابنه لنحصل بهذا على ميراث السماء! هل من أعطانا ابنه يبخل علينا بأي شيء يكون فيه فائدة لنا! لكن لنفهم أنه يهبنا كل شيء يجهزنا للسماء، أما ما يبعدنا عن السماء فلن يعطيه لنا، وذلك لمحبته لنا. وهذا الإيمان بمحبة الله وهذا الفكر بأنه يعطينا ما يجعلنا نصل للسماء سيعطينا النصرة على الآلام والمضايقات. بعد هذا الحب يجب أن نقبل أي صليب، بل نطلب أن نرتفع بصليبنا إلى الأحضان الأبوية. ولا نطلب شيئًا آخر، فنحن أمام هذا الحب وبسبب خطايانا نخجل أن نطلب أي شيء.

 

  •  

زر الذهاب إلى الأعلى