الطوفان

مقدمة

احتلت قصة الطوفان مركزًا رئيسيًا في تاريخ الخلاص وتجديد العالم بالمياه، إذ أعلن الله: “نهاية كل بشر قد أتت قدامي“، لا ليبيد الإنسان وإنما ليجدد العالم، فيحول كارثة الطوفان إلي خير أعظم للبشرية التي ألقت بنفسها في الهلاك الأبدي. هكذا جاء الطوفان في الخارج يكشف عن طوفان الخطية المدمر للنفس في الداخل.

توارثت البشرية هذه القصة وقدمتها الشعوب بصور مختلفة متباينة، انحرفت عن هدفها الحقيقي، وشابها الكثير من الأساطير. وفيما يلي صورة موجزة عن بعض التقاليد القديمة الخاصة بالقصة:

أآثار بابل: جاء في آثار بابل عن الكاهن المصري بيروسوس من رجال القرن الثالث ق.م أنه في عهد الملك أكسيسوثروس Xisuthras حدث طوفان، حيث بني الملك فلكًا أخذ فيه عائلته وأصدقاءه المقربين إليه، وجمع فيه من الطيور والحيوانات والمؤن حتى إذا انقطع المطر أرسل بعض الطيور فجاءته وأرجلها بها طين، وهكذا في المرة الثانية، وفي الثالثة لم ترجع، وقد رسى الفلك في أريدينا.

أما أقدم رواية عن الطوفان في بابل فهي “ ملحمة جلكامش Gilgamesh” التي جاء فيها أن جلكامش سأل أثنافيشتيم عن سبب بلوغه الحياة اللانهائية، فروي له قصة الطوفان، كيف أن أربعة آلهة قرروا إهلاك العالم بالطوفان، لكن إله الحكمة “أيا” أمره أن يضع فلكًا ليدخل فيه مع أسرته. وأنه أرسل بعض الطيور ليتفقد أحوال الأرض فعاد بعضها يحمل غصنًا من الزيتون. بعد خروجه قدّم ذبائح شكر فجاء إله الحكمة يباركه هو وزوجته ويهبهما الحياة الخالدة.

بآثار الهند: وُجدت صورة في هيكل للبوذيين لنوح داخل الفلك، والآلهة كوانين تتطلع إليه بشفقة، كما رُسمت حمامة تطير إلي الفلك ومعها زيتون.

 ومن القصص الهندية أن الإله براهما ظهر لمانو في هيئة سمكة، وأمره أن يصنع له فلكًا يدخله مع سبعة من الأبرار. ثم ربط الفلك بقرني السمكة، فسبحت به في الطوفان أجيالاً طويلة، ولما خرج أمرته أن يخلق العالم من جديد.

جالآثار اليونانية: جاء أن الإله جوبتر أمر ديوكاليون البار أن يدخل الفلك مع امرأته وبقية عائلته. ولما رسا الفلك علي جبل بارتاسوس أرشدته الحمامة إلي نهاية الطوفان، فخرج يقدم ذبائح شكر.

دآثار فريجية بآسيا الصغرى: قيل أن “أباخوس“، وهي كلمة يحتمل أن تكون محرفة عن “نوح“، عرف بأمر الطوفان فبكي من أجل الناس. وقد وجدت في أباميا بفريجية قطع من العملة عليها صورة الفلك بداخله أناس، وخارجه طيور يحمل أحدها غصن زيتون. وبجانبه صورة لنفس الأشخاص يقدمون ذبائح شكر لأجل نجاتهم. وقد نقش عليها اسم نوح، وكان اسم المدينة القديم “كبوتوش” أي (الفلك)، إذ كان أهلها يعتقدون أن الفلك استقر في مدينتهم.

هـ. وجدت قصص مشابهة لدي شعوب الفرس والصين والفينيقيين والسريان والأرمن وقبائل هنود المكسيك الخ…

هذه التقاليد القديمة وإن حملت أساطير لكنها تكشف عن وجود قصة حقيقية واقعية تسلمتها البشرية، انحرفت بها خلال عبادتها الوثنية.

وبالنظر إلى هذه القصص الواردة في نصوص أشوروبابل؛ نجد أن هناك نقاط توافق ونقاط اختلاف مع القصة الواردة في الكتاب المقدس.

نصوص بابل والتوراة تقسم تاريخ البشرية قسمين: ما قبل الطوفان وما بعده. ٌ هذه النصوص يحمل بطل الطوفان اسما يدل على شبهه بالآلهة ومشاركته لهم في خلودهم. آما الكتاب المقدس فلا يعطي نوحاً الخلود.

تذكر النصوص البابلية والكتابية أن الإله أخبرالإنسان بالطوفان وأعطاه التعليمات اللازمة لبناء السفينة؛ وتشدد على أن السفينة كانت السبيل الواحد للنجاة من هذه الكارثة التي حلت بكل حي على الأرض.

قبل آن تتوقف السفينة على جبل أراراط (أوراراتو في النصوص المسمارية أي بلاد أرمينيا) يطلق بطل الطوفان طيورًا ليتأكد من أن وجه الأرض قد نشف. وحين يخرج البطل من السفينة يقدم ذبيحة للإله. هذه بعض التفاصيل التي تبين وجه الشبه بين نصوص الكتاب المقدس والنصوص الأشورية والبابلية.

ولكن هناك اختلاف واضح بين القصة في الكتاب المقدس والأساطير البابلية؛ تكمن في النظرة إلى الإله. فنصوص الكتاب المقدس توحيدية بمعنى أنها تشهد للإله الواحد. آما النصوص الآشورية البابلية فهي تذكر آلهة متعددة يصارع بعضها البعض. في الكتاب
المقدس؛ يآمر الله بسلطان مطلق وسلطانه يسود الأرض كلها ؛ وهو يوجه عناصر الكون بحسب إرادته. أما في ملحمة جلجامش؛ فالآلهة تخاف من الطوفان؛ ولخوفها تهرب إلى السماء الأعلى لتنجو من خطره.

وهناك نقطة اختلاف أخرى بين القصتين في التفسر المعطى عن الطوفان؛ فالكتاب المقدس يعطي تفسيراً خُلقيًا فيشدد على أن خطية البشرهي التي كانت سبب الطوفان. الله القدوس لا يرضى بالخطية؛ ولهذا فهو يعاقب المذنب وينجي البار. الإله الواحد هو إله صالح وعادل ويكافئ الشرير بشره والخير بخيره. أما في النصوص الأشورية البابلية فلا سبب معقولاً للطوفان. فقط؛ لقد تعب الآلهة من البشر فعزموا على إفنائهم دون آن يتطلعوا إلى خطاياهم أو أعمالهم الحسنة.

وهناك نقطة اختلاف أخيرة بين قصة الطوفان في سفر التكوين ومثيلاتها في ثقافة ما بين النهرين؛ السبب وراء الطوفان كما تقدمه القصة في أسطورة آتراهاسيس نجد أن الآلهة الصغرى قد دبرت تمردًا ضد السُخرة التي تفرضها عليهم الآلهة الكبرى. ولحل المشكلة؛ تم خلق أشكال بشرية من بقايا الآلهة الصُغرى المقتولة في أثناء التمرد.
هذه الأشكال زاد عددها وأصبحت مزعجة للآلهة حتى أن الآلهة لم تعد قادرة على النوم؛ فقرر الإله الأكبر “إنليل” إرسال طوفان للقضاء عليها.

هل الطوفان شامل أم جزئي؟

ينادي البعض بآن الطوفان الذي حدث أيام نوح كان طوفاناً إقليميًا لأنه ارتبط بمنطقة جغرافية محددة؛ أغلب الظن كانت هذه المنطقة هي منطقة ما بين النهرين وهي المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والفرات (العراق حاليًا). وهي نظرية تبناها “جون سميث” عام 1839م.” ويرجع السبب في قولهم هذا إلى صعوبة قبول فكرة فيضان عالمي يغطي الأرض كلها من الناحية الجيولوجية والإنسانية والبيولوجية. ويؤكد أصحاب هذه النظرية على أن لغة الكتاب المقدس في وصفها للطوفان لا ينبغي أن تؤخذ بصورة مطلقة؛ بمعنى أن يكون الطوفان قد غطى كل الأرض؛ لكن يجب أن تؤخذ الفكرة بصورة نسبية حيث أن كل الأرض هي المنطقة التي غمرها الطوفان وتأثر بها الإنسان والحيوان. فالمنطقة التي كان كل البشر منتشرين فيها كانت بالنسبة لهم هي كل الأرض.

وعلل “سميث” ذلك باستحالة وجود مياه بهذه الكمية التي تكفي لغمر الأرض كلها وترتفع فوق الجبال. ويقول من أين أتت هذه المياه؟ وإلى أين ذهبت؟

يذكر الوحي المقدس كلمة ” كل ‘ كثيرًا جدًا في نص قصة الطوفان. حوالي 24 مرة في إصحاحا (6 ؛ 7) من سفر التكوين، هذا غيركلمة جميع التي تودي نفس المعنى. فمثلاً يقول الكتاب: “فَمَاتَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ كَانَ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الطُّيُورِ وَالْبَهَائِمِ وَالْوُحُوشِ، وَكُلُّ الزَّحَّافَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَزْحَفُ عَلَى الأَرْضِ، وَجَمِيعُ النَّاسِ.” (تك 7: 21)؛‏ وهذا يوحي بأن الطوفان كان شاملاً الأرض كلها.

ويستخدم الكاتب أكثر من وصف للْمِياهِ التي غطت كل الأرض فيقول إنها ” تَعَاظَمَتِ” و “تكاثرتُ جداً” حتى أن رؤوس الجبال غطتها المياه. لقد أدى ارتفاع المياه إلى موت كُلُّ ذِي جَسَدٍ .. وَكُلُّ الزَّحَّافَاتِ… وَجَمِيعُ النَّاسِ. كُلُّ مَا فِي أَنْفِهِ نَسَمَةُ رُوحِ حَيَاةٍ .. كُلَّ قَائِمٍ كَانَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ وهذا لا يترك مكاناً للشك في أن الطوفان آدى إلى موت كل ما في أنفه نسمة حياة من كل في اليايسة.

كما أن الغرض من بناء الفُلك يؤكد أن الطوفان شامل؛ فيقول سفر التكوين “وَقَالَ الرَّبُّ لِنُوحٍ: «ادْخُلْ أَنْتَ وَجَمِيعُ بَيْتِكَ إِلَى الْفُلْكِ، لأَنِّي إِيَّاكَ رَأَيْتُ بَارًّا لَدَيَّ فِي هذَا الْجِيلِ. مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ تَأْخُذُ مَعَكَ سَبْعَةً سَبْعَةً ذَكَرًا وَأُنْثَى. وَمِنَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَيْسَتْ بِطَاهِرَةٍ اثْنَيْنِ: ذَكَرًا وَأُنْثَى. وَمِنْ طُيُورِ السَّمَاءِ أَيْضًا سَبْعَةً سَبْعَةً: ذَكَرًا وَأُنْثَى. لاسْتِبْقَاءِ نَسْل عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ.” (تك 7: 1-3). وهذا يؤكد أيضاً أن الطوفان شامل والرب استبقى ما في الفلك لإعمار الأرض بعد انتهاء الطوفان.

وهناك نصوص في العهد الجديد بها إشارة إلى شمولية الطوفان (راجع مثلاً: مت 24: 37-39، لو 17: 27 ، 2 بط 2: 4-5 ، 2 بط 3: 5-6، 2 بط 3: 20 ، عب 11: 7)

وهناك رد منطقي أيضًا يؤكد شمولية الطوفان: فلو كان الطوفان إقليميًا فلم تكن هناك داع لأن يآمر الله نوحًا ببناء الفُلك؛ كان يكفي أن يأمر الرب نوحًا بأن يترك المكان ويذهب إلى الجبال أو مكان آخر كما فعل مع لوط عندما أحرق سدوم وعمورة ( تك 19).

وإذا كان الطوفان إقيميًا فما الداعي لأن يأخذ نوح زوجًا من كل الحيوانات إلى الفلك؟ آلم يكن من الأسهل أن يترك نوح الحيوانات التي في المنطقة تموت؛ ويأخذ من الحيوانات التي في منطقة لن تتضرر بالطوفان! وقد أمر الرب نوحًا أن يأخذ من الطيور معه لي الفلك؛ فلو كان الطوفان إقليميًا لكان ترك الطيور تهاجر إلى مكان ليس فيه طوفان.

وهناك رد علمي يؤكد شمولية الطوفان: فالكتاب المقدس يمدنا بمعلومات وفيرة عن المياه من أين جاءت وإلى أين ذهبت.

ان المصدر الرئيسي للمياه ‘ينابيع الغمر العظيم (الأعماق العظيمة)”.؛ المذكورة أولاً قبل “طاقات السماء” في (تك 11:7). استمرت هذه الينبيع مائة وخمسين يوماً أثناء الطوفان بينما استمر المطر أربعين يومًا وأربعين ليلة فقط: وكانت كميّة المياه النازلة من فوق؛ أي من طاقات السماء محدودة (بالنسبة لتلك التي صدرت عن ينابيع الغمر العظيم).

من الواضح أن هذه الينابيع قد خُلقتفي البدء لكي تُروي الأرض؛ إذ يخبرنا (تك 2: 5 ،6 ) أنه لم يكن هناك مطر في بادئ الآمر؛ ولكن كان سديم (ضباب خفيف) يرتفع من الأرض ليسقي كل وجه الأرض؛ والكلمة العبربّة هنا للضباب لا تعني سديمًا أو شبورة فحسب وما يصّحبها من طل مثلما ثُفهم هذه العملية اليوم؛ لكن الينابيع بالمعنى الحرفي بمعنى ينابيع مياه حارة أو ينابيع  ؛ لاسيما كان هناك أربعة أنهار تتدفق من جنّة عدن (تك 2:‏ 10 -14). فإذ لم يكن هناك مطر فإن مثل هذا الينبوع يكون مصدرً للماء الذي تفرّق بعد ذلك على شكل أنهار في أربعة اتجاهات في الجنة. وقد تأكدت أهمية هذه الينابيع مرةٌ أخرى في النظام الأصلي للخليقة في سفر الرؤيا (7:14)؛ حيث أخبرنا أن ملاكًا سيبشر بإنجيل آبدي بالكلمات “اسْجُّدُوا لِصَانع السَّمَاءِ وَالأرْضٍ َالْبَحْرِ وَيَنَابيع المِياه”.

إذا كانت ينابيع الغمر (الأعماق) هي المصدر الرئيسي للمياه؛ استمرت مائة وخمسين يومًا من عام الطُوفان؛ كانت مصدرًا ضخْمًا للمياه… اقترح البعض أنه عندما جعل الله اليابسة تظهر من تحت المياه في اليوم الثالث للخليقة أن بعض المياه التي كانت تُغطي الأرض أصبحت مُحتجزة تحت الأرض وفي داخلها. على أيةٍ حال لقد أُخبرنا فيما يختص باندفاع الينابيع يوم بدء الطوفان؛ أنه حدث “انفجار”؛ الأمر الذي حتّم حدوث تصدعات ضخمة في الأرض. انفجرت المياه التي كانت تحت ضغط داخل الأرض بطريقة سببت كوارث.

يليق بنا أن نعرف أنه حوالي تسعين في المائة مما يخرج من البراكين حتى اليوم عبارة عن ماء؛ غالبًا ‏ شكل بخار. والآن يوجد العديد من الصخور البركانية متناثرة بين الطبقات الحفرية في سجل الصخور -هذه الطبقات من الواضح إنها قد تَرَسَبت أثناء طوفان نوح – إِذًا يصبح من المناسب أن يُعتقد أن ينابيع الغمر العظيم هذه أيضًا قد ارتبطت بسلسلة من الانفجارات البركانية مصحوبة بكم هائل من الماء الذي اندفع فوق اليابسة.

طاقات السماء ؛ أمطار لأول مرة!

لقد ألخْبرنا أن المصدر الآخر للمياء بالنسبة لطوفان نوح هو انفتاح طاقات السماء. وأنها أمطرت لمدة أربعين يومَا وأربعين ليلة متصلة؛ مما يدل على آن انفتاح طاقات السماء يعنى بداية سقوط الأمطار للمرّة الأولى. لقد أشرنا من قبل أن (تك 5:2) يُخبرنا أنه لم تكن هناك أمطار الفترة السابقة للطوفان؛ فالأمر الذي يؤكده سفر التكوين هو أنه لم يحدث سقوط أمطار حتى وقت الطوفان عندما انفتحت طاقات السماء ونزل المطر. هذا أيضاً يوضح لماذا كان نوح يعظ لمدة طويلة؛ ولم يصدقوه؛ أنها ستمطر. إنهم لم يختبروا المطر أو الطوفان حتى وعظ نوح؛ لذلك سخروا من تحذيراته.

ماهي طاقات السماء هذه؛ ولماذا لم تمطر لمدّة طويلة على الأرض الأيام السابقة للطوفان؟ يخبرنا سفر التكوين؛ الأصحاح الأول أنه في اليوم الثاني للخليقة فصل الله المياه التي كانت على الأرض من المياه التي وضعها فوق الأرض عندما آقام الجَلَّدْ أو الغلاف الجوي بين هذه المياه. في هذا الغلاف الجوي وضع الطيور؛ من هذا نعلم أن هذا الغلاف يشير إلى الهواء الذي نتنفسه.

هذا يعنى أنه كانت هناك مياه فوق الغلاف الجوى؛ ومن الواضح أنها لم تعد موجودة اليوم. من المستحيل أن يكون المقصود بها السحاب؛ لأن السحاب موجود في الغلاف الجوى ويسقط مطرًا. كما أنه لم يكن هناك أيضًا قوس قُزح. إذ جاء في (تك 8:9 -17) أن الله أقام ميثاقاً مع نوح أنه إلى الأبد لا يرسل طوفاناً كالذي أرسله؛ وأنه قد وضع قوس قزح في السماء علامة هذا الميثاق. على وجه التحديد يقول الله “وَضَعْتُ قَوْسِي فِي السَّحَابِ فَتَكُونُ عَلاَمَةَ مِيثَاق بَيْنِي وَبَيْنَ الأَرْضِ.” (تك13:9)‏ إشارة إلى حقيقة وجود سحاب لحدوث قوس قزح. فالسحاب مُكوّن من قطرات الماء وعندما تشّع الشمس خلال قطرات الماء هذه تكون بمثابة منشورات زجاجية فينشطر الضوء إلى الآلوان المكونة له: ونرى قوس قزح. واضح هذا الميثاق أنه كان حدثاً جديدًا صنعه الله؛ فلأول مرّة شوهد قوس قزج.

ماذا كانت هذه المياه فوقٌ الجلد قبل الطوفان؟

يرى كثير من الدارسين أنها ماء في هيئة بخار كان محمولاً عاليًا في الغلاف الجوى. اللفظ الطبيعي المستخدم عادة هو “مظلّة بخار الماء”؛ أي غطاء من بخار الماء يحيط بالأرض. من الصعب تصوْر كيف يمكن لماء سائل أن يظل معلّقًا فوق الغلاف الجوى؛ لكن بخار الماء أخف كثيرًا من الماء السائل.

يرى البعض أنه عندما انفجرت ينابيع الغمر، تم ذلك غالبًا في هيئة انفجارات بركانية؛ تناثر الغبار المتولّد عن هذه الاندلاعات وانتشر إلى مظلة البخار مما أدى إلى أن بخار الماء تّنَّوى بذرات الغبار وكوَّن قطرات ماء ثم تساقط في هيئّة أمطار.

إذا فقد عُمرت الأرض كلها بمياه الطوفان؛ العالم الذي وَجِد آنذاك قد دمر بذات المياه التي انبثقت منها الأرض من البدء كما أمر الله (تك 9:1؛ 2بط3: 5، 6) ولكن أين ذهبت هذه المياه بعد ذلك؟
توجد عبارات في الكتاب المقدس تُعَرّف مياه الطوفان على أنها البحار الحالية (عا 6:9 ؛ أي 8:38 -11‏ لاحظ لجج).

لو آن المياه لازالت موجودة؛ فلماذا لا تتغطى الجبال العالية بالماء إلى الآن كما في أيام نوح؟ يقدم لنا المزمور104 الإجابة. بعد أن غطت المياه الجبال؛ انتهرها الله فهربت (العدد 6)؛ صعدت المياه إلى الجبال ثم هبطت إلى البقاع (العدد 8) وقد وضع الله لها تخمًا لا تتعدّاه ولا ترجع فتغطس الآرض (العدد 9). إنها نفس المياه!

يقدم إشعياء نفس البيان وهو أن مياه نوح لا تعود تغطى الأرض أبدًا (إش 9:54). من الواضح أن الكتاب المقدس يخبرنا أن اللّه أراد تغيير توبوغرافية الأرض! كتل أرض جديدة كونّت قارات سلاسل جبلية جديدة من طبقات الصخور المتصدّعة وانتي ارتفعت من تحت المياه المحيطة بالكرة الأرضية التي كانت قد نحرت وسوّت توبوغرافية الأرض التي كانت قبل الطوفان؛ بينما تكونت أحواض المحيطات الواسعة العميقة لاستقبال واستيعاب مياه الطوفان التي انسحبت بعد ذلك من فوق القارات التي بزغت.

هذا هو عله أن المحيطات عميقة هكذا وعلّة وجود سلاسل الجبال العالية. حقًا لو أن سطح الأرض بأكمله سُوَىّ بتمهيد؛ ليس فقط توبوغرافية سطح الأرض؛ بل أيضا الأسطح الصخرية في قاع المحيطات: فإن مياه المحيطات ستغطى سطح الأرض لعمق أكبرمن ثلاث كيلو مترات (ميلين). فمن الواضح جدً ؛ إذا أن مياه طوفان نوح موجودة اليوم في أحواض المحيطات. هذا ويلزمنا أن نتذكر أن ما يقرب من 70% من سطح الكرة الأرضية لا يزال مُعَطَى بالماء.

قوس قزح:

هو ظاهرة طبيعية تحدث من انكسار أشعة الشمس علي قطرات ماء المطر. وتعد من أبدع المناظر الطبيعية التي تشهدها العين. ظاهرة قوس قزح هي ظاهرة فيزيائية ضوئية سوف نلقي الضوء على تفسيرها.

ان الظاهرة الأساسية لحدوث قوس قزح هي ظاهرة الانكسار الضوئي التي يحدث فيها انحناء للضوء نتيجة لمرور اشعة الضوء في وسطين مختلفين في معامل الانكسار حيث ينتقل الضوء في هذين الوسطين بسرعتين مختلفتين. وتكون الآلوان في القوس اللون الأحمر من الخارج ويتدرج إلى البرتقالي فالأصفر فالأخضر فالأزرق فأزرق غامق (نيلي) فبنفسجي من الداخل. وقوس قزح هو في الواقع يظهر على شكل نصفين نصفه الأول في السماء ونصفه الآخر مخفي في الأرض.

وقد علل العلماء قوس قزح تعليلاً دقيقا فقالوا : لينشأ قوس قزح من وقوع أشعة الشمس على قطرات الماء الصغيرة الموجودة ‏ الجو عند سقوط الأمطار؛ وحينئذ تعاني الأشعة انعكاسا داخلياً؛ وبعد ذلك تخرج إلى الرائي. ولقد ثبت علميًا أنه عندما يدخل شعاع الشمس في قطرة مطر؛ فإنه يتكسر أو ينثني ثم ينعكس من نقطة الماء بحيث يظهر الضوء كألوان الطيف.

بعد أن هدآ الطوفان وخرج نوح وأبنائه من الفلك كانت الأرض خالية من أيّ كائنٍ بشري حي سواهم؛ فكانت الأرض كلها لساناً واحدًا ولغة واحدة (تك 11: 1) وبعدها اتجهوا إلى الشّرق؛ ويذكر التوزيع الجغرافي لنسل نوح في بيان مختصر في( تك 10: 1-32) ‏وتشيرسلسلة الأنساب هذه والتي تمثل حقبة طويلة من الزمن إلى المناطق التي هاجرت إليها العشائر المختلفة؛ فاستقر يافث وأبناؤه في منطقة البحر الأسود وبحر قزوين الممتدة غربًا إلى إسبانيا (تك ‎2:10‏-5)؛ ومن المرجح أن الشعب اليوناني والآلماني؛ جماعات أخرى مرتبطة بهم؛ قد جاءت من نسل يافث.

وانحدر ثلاثة من أبناء حام إلى أفريقيا (تك 10 :6-14) ثم انتشروا شمالاً حتى أرض شنعار وأشور؛ وبنوا مدنا مثل نينوى؛ وكالح؛ وبابل وأكاد ؛ وغيرهما؛ واستقر كنعان ابن حام الرابع بالقرب من البحر الأبيض المتوسط؛ ممتدًا من صيدون إلى غزة؛ وإلى الشرق أيضًا ومع أن الكنعانيين أصلاً من نسل حام؛ إلا أنهم كانوا يتكلمون لغة قريبة جدًا من اللغة السامية.

وأقام سام ونساءه في منطقة شمال الخليج الفارسي (تك 10: 21-31)؛‏ وارتبطت عيلام؛ وأشور؛ وآرام؛ وأسماء أخرى بنسل سام.

وقبل أن تتفرق البشرية هنا وهناك: وطدوا العزم على الإستقرار في مدينة شنعار؛ وخوفًا من حدوث طوفان آخر يهلكهم قاموا ببناء مدينة وبرج لئلا يتبدّدوا على وجه الأرض. و حتى يجدون لأنفسهم ملجاً من تأديبات الله القاسية. ولكي يعرقل الله خطّتهم بلبل السنتهم؛ بحيث عجزوا عن فهم لغة بعضهم؛ وهذا يفسّر وجود لغاتٍ عديدة في العالم اليوم.

فاصل

من كتاب تاريخ بني إسرائيل – الراهب أولوجيوس البرموسي

فاصل

متوشالح تاريخ العهد القديم سام حام يافث

 

زر الذهاب إلى الأعلى